حسّ الفكاهة في الأغنية العربية - الشاعر اللبناني عمر الزغني

. مقالات

في فن الغناء العربي لون قلّما لفت أنظار النقَّاد إليه بالرغم من شيوعه. إنه الغناء الساخر الذي يتضمَّن إحساساً بالفكاهة وخفة الظل، فينتزع الابتسامات وأحياناً ضحكات المستمعين بدلاً من الآهات الصادرة عن المشاعر الجريحة.
فيما يلي مساهمتان تتناولان سيرة الغناء العربي الساخر، وحسّ الفكاهة المميّز لهذا اللون الفني الجميل، الذي كان دائماً على مستوى الأغنيات الرومانسية الكلاسيكية الجادة من حيث ارتباطه بالمناخ الاجتماعي والثقافي وحتى التاريخي الذي ظهر وازدهر فيه.

 

روح النكتة في الأغنية المصرية بقلم أحمد السماحي

حين نسرد تاريخ الضحك الغنائي أو كوميديا الفن الساخر لا بد وأن يبرز أمامنا على الفور اسم بديع خيرى الذي ولد بالقاهرة عام 1893م. ورغم أنه عاش زمن العصامية الفكرية والفنية والسياسية، إلا أنه ارتبط إلى حد كبير بالمسرح الفكاهي والفن الغنائي، وقد أظهر، من خلال أعماله الغزيرة، خفة الظل التي جعلت نجيب الريحاني يغني بصوته الأجش في فيلم (غزل البنات):

عيني بترف
وراسي بتلف
وعقلي فاضله دقيقة ويخف

وكذلك تحية كاريوكا التي غنّت في فيلم لعبة الست (يا خارجة من باب الحمام وكل خد عليه خوخة). وهذا دليل عملي على أن الكلمة الضاحكة لا تشترط مطرباً محترفاً حتى تصل إلى هدفها، بل يلزمها فقط قدر ضئيل من الزخرف الموسيقي الذي يضفي عليها رونقاً يستسيغه أبناء الطبقات المختلفة، خاصة في الأحياء الشعبية التي وضعت لبنات هذا الفن عبر المواقف الحياتية اليومية التي يعيشها الصنّاع والتجار والسكان.

ما بين الدور والطقطوقة والموال الشعبي ظلت ملامح الأغنية المصرية طوال القرنين الماضيين تتنوع ما بين السياسي الساخر بسبب موجات الاستعمار، وبين الكوميدي الاجتماعي الذي يرصد حركة الشارع وما يحمله في أزقته الضيقة من مواقف ومفارقات، يهدف من خلالها الشعراء والزجالون إلى الفضفضة والتحايل على ظروف الحياة بالضحك.

بيرم المؤسس
ومع كل طبقة جديدة تظهر، أو ظاهرة فريدة تبدو تحت سماء مصر، كانت الفكاهة حاضرة تسري مع مياه النيل، يتجرعها الشعراء فتتجدد على الفور التربة الشعرية الساخرة، وتفيض إبداعاً يجسِّد آمال وطموحات البسطاء والعامة.

وأبرز تلك المواهب التي كثيراً ما تغنت بها الطبقات الشعبية موهبة بيرم التونسي الذي يعد أمير شعراء العامية بكل لهجاتها من المحيط إلى الخليج، وباعث نهضتها الأصيلة وانتشالها من الابتذال وتعابير التهتك في طقاطيق التدمير الغنائي والمسرح الخليع ورقص الصالات.

وساعده في ذلك خديوي مصر عبر الفرمان الذي أصدره عام 1890م بحيث جعل حرفة الآلاتية (الموسيقيين) ضمن طوائف الصناديقية والسروجية والقلافطية والطرشجية والسقائين، وهو الأمر الذي مهّد لبدء نشاط المؤسسات العملاقة في تسجيل ونشر الأغنيات التي أخذت تسمية (الطقاطيق)، والتي تربع على عرش إنتاجها التعبيري الشيخ يونس القاضي، وقد وجد هذا الرجل له عوناً في حناجر المشاهير من أمثال سلطانة الطرب منيرة المهدية (التي قيل إن مجلس الوزراء كان ينعقد في عوامتها) وذلك ضماناً لرواج مثل هذه الأغنيات والتي منها على سبيل المثال:

أرخي الستارة اللي في ريحنا
أحسن جيرانا تجرحنا
يافرحنين، يامبسوطين
يامزقططين بالقوي يا احنا
دلوقتي أنا بس اللي ارتحت
لا حد فوق ولا حد تحت
يعرفني جيت ولا روحت
ولا حد يقدر يلمحنا

أما السخرية الضاحكة التي برع فيها التونسي فتبعد تماماً عن مخاطبة الغرائز. إنها سخرية تلجأ إلى الرسم معتمدة على المبالغة، وكثيراً ما تتحقق على مستوى (الهجاء) الشخصي أو (الهجاء) العام الذي يستهدف غرضاً إصلاحياً.

ويعرف بيرم أنه إذا انتقد ساخراً فسيتعرض للشتم ولذلك يقول مؤكداً التزامه:

من قبل ما أكتب أنا عارف
القول ضايع
والأجر بالتأكيد ذاهب
حسب الشايع
والشتم حايجينى مسوجر
من واد صايع

ربما لم تجد تلك الكلمات لها طريقاً نحو التلحين والغناء، لكن جراب التونسي حوى في ما بعد العديد من القصائد المغناة والتي بها دخل سيد درويش عالم الشهرة والمجد وجدد من خلالها ملامح الغناء وخرج بالتخت الموسيقي إلى الشارع الذي أضفى على الطرب روح الدعابة والفكاهة.

الإبياري.. نجم الكوميديا الغنائية من ظهورها حتى اضمحلالها
من بعد بيرم، ظلت الأغنية الفكاهية لسان حال المصريين، خاصة بظهور أبو السعود الإبياري الذي ارتبط ظهور واضمحلال الكوميديا الغنائية بظهور واختفاء كتاباته في هذا المجال.

وقد عرف من بعده كثيرون ارتبطت أسماؤهم بلون الغناء الفكاهي فليس فريد الأطرش ومحمد فوزي وأنور وجدي هم فقط صناع هذه الأفلام في عالم الغناء والتلحين، بل هناك أيضاً محمد الكحلاوي وسعد عبد الوهاب وكارم محمود وعبد العزيز محمود، ومن النساء أحلام ورجاء عبده وشادية وصباح ونعيمة عاكف الذين برعوا في تلك الألوان.

لكن يظل لعبق الكوميديا الغنائية في أربعينيات القرن الماضي مذاق خاص. وفي هذا الإطار يقدِّم لنا الأبياري مونولوج العز الذي يقول فيه إسماعيل ياسين:

ياعيني ع العز ياعيني ع العز
دى عيشته تلز وحظه يهز
ياعيني ع العز
غرقان في حرير وهدوم كشمير
وخدم وحشم وجواري
أنا صاحي تمام ولاّ دى أحلام
وشرف ولدتي ما أنا دارى

وربما نشعر هنا بأن الكلمات تحوي بداخلها موسيقى وقافية استطاع عزت الجاهلي أن يصوغ من خلالها لحناً، لكن المؤلف نفسه كتب في مشهد آخر كلاماً لا يمكن أن يخضع لقواعد اللحن ومع ذلك صاغه لحنياً محمود الشريف وغناه شكوكو في اسكتش (ياحدق) وتقول كلماته:

هيص مصمص بص
واترقص على واحدة ونص
مطرح ماترسي دقلها
عيشة أهل العز تلز
هيص واتمتع
دول كتاكيتهم زي الوز
فرنك قطع
وانهار نادي وزي الفل
شمر عمر مخك كل
رزق وجالك.. وهنيالك

ورغم غرابة المفردات التي استخدمها الشاعر ستجد نفسك مبتسماً وأنت ترددها مع شكوكو الذي غنى أيضاً من ألحان الموسيقار محمد عبد الوهاب يا جارحة القلب بإزازة لماذا الظلم ده لماذا . ويذهب بنا الأبيارى إلى الريف الذي يتغنى به بقوله:

يا سلام على جو الريف
يا سلام يا سلام يا سلام
فيه أكل نظيف
مش عايزة كلام
اتغدى فراخ واتعشى حمام
ولاحد يقولي حسابك كام
ياسلام ياسلام

معارضة الأغنيات الطربية

ولم يتوقف الأمر عند حد الكتابة خصيصاً لمطرب بعينه وتوظيفه درامياً في فيلم أو مسرحية أو أوبريت يقدم في أمسية صيفية لينعش ويشنِّف آذان محبي الطرب الضاحك، بل بلغت السخرية مداها إلى درجة معارضة الأغاني الطربية الأصيلة بأخرى أكثر سخرية مثل أغنية أم كلثوم (انتي فاكراني والا نسياني)، والتي غناها إسماعيل ياسين قائلاً:

انتي فاكراني
والا نسياني
ياللي فالقاني
ياللي كيداني

وفي مقام آخر من تأليف فتحي قورة ولحن محمد فوزي غنى إسماعيل ياسين أغنية (أيظن لنجاة من تأليف نزار قبانى وتلحين عبد الوهاب) في معارضة أخرى:

أيظن أني لعبة بيديه
أيظن أني كورة بين رجليه

 

من أم كلثوم إلى شادية
أما سيدة الغناء العربي أم كلثوم رغم ما عرف عن رحلتها الفنية الطويلة من رصانة، فقد كانت تتمتع بخفة دم وقدمت أغنية الفوازير التي تتمتع بروح لا تبعد كثيراً عن أجوائها الكلثومية وتقول بعض كلماتها:

القبلة.. القبلة.. القبلة
القبلة إن كانت للملهوف
اللي على ورد الخد يطوف
ياخدها بدال الواحدة ألوف

أما موسيقار الأجيال فقدم أكثر من تابلوه طريف أبرزها من اللون الخفيف (فيك عشرة كوتشينة في البلكونة). ومن بعده فريد الأطرش الذي اتسمت أفلامه الأولى بالعديد من تلك الأغاني، مثل الدويتو الشهير له مع شادية (يا سلام على حبي وحبك – ويا ما جوا الدولاب مظاليم / بيقاسوا وحالتهم جيم).

أما شاديه نفسها فلها باع طويل في ألوان الغناء الطربي الفكاهي الذي عرف عنها في بداية حياتها الفنية نختار بعضا منه (ياواد ريداك / وقلبي معاك / الهاشا باشاتك / والباشا باشاتوك – ياترمومتر ياما بيقاسوا العاشقين / من نظرة فابتسامة / لحرارة أربعين).  ولا بد لمتابع مسيرة الفكاهة الغنائية المصرية أن يذكر عبد العزيز محمود في (ياشبشب الهنا / ياريتني كنت أنا) وصباح: (أروح ماروحشى – والآنسة ماما) ونور الهدى في: (يا أوتوموبيل يا جميل محلاك)، وهدى سلطان: (ياتاكسي الغرام) وفايزة في دويتو مع إسماعيل ياسين: (مالك ياحبيب الروح / مالك، فيرد إسماعيل: راح أموت بالسكتة الحبية).

 

انهيار الأغنية التي صمدت طويلاً
غير أن جملة التحولات التي طرأت على الحياة الثقافية والاجتماعية في مصر جعلت كتّاب الأغاني يعتدون على الطرب الفكاهي ويوجهون ذائقة الجمهور نحو عصر التراجع والتردي. فطغت سريالية وعبثية أحمد عدوية على المشهد وألقت بالطين على الثوب الغنائي النقي الذي ظل صامداً في وجه حالات التعدي طويلاً.

فنجح (الريس بيره) ببراعة في تجريف الأغنية وجعل الساحة أرضاً بورا تنعق فيها الغربان مثل: (السح الدح امبو – قلقشندي دبح كبشة – يامحلا مرقة لحم كبشة). وعلى الرغم من عبثية الكلمات وبعدها تماماً عن الروح المصرية التواقة إلى النكتة المفهومة والجملة اللحنية الساخرة الهادفة إلا أنه سرعان ما سرت تلك الألوان القبيحة سريان النار في الهشيم وتفاعل معها الجمهور، ولعل تلك الموجة قد دشنت عصراً جديداً من الأغاني السوقية التي انتشرت في أفلام السينما وعلى خشبات المسرح حتى يومنا هذا.

محمود شكوكو وكاريكاتير الأغنية الجادة
تخصص المونولوجست الأشهر محمود شكوكو، باستخدام ما يمكن تسميته "فن معارضة القصائد الغنائية الجادة" بالكاريكاتير الغنائي، وذلك باختيار بيت شهير من قصيدة غنائية رصينة، والاحتفاظ بالشطر الأول من البيت بلغته الفصحى الأصيلة، ثم تكملة البيت بشطر مستعار باللهجة العامية المصرية، وبتشويه كامل للموضوع، كما هو معبر عنه في الشطر الأول من البيت.

فقد أخذ شكوكو مثلاً مطلع إحدى أشهر القصائد الغنائية للمطرب الكبير سلامة حجازي، والذي يقول:

سمحت بإرسال الدموع محاجري
وأكمله بالشكل الساخر التالي:
سمحت بإرسال الدموع محاجري
لما حبيب القلب خد بعضه وجري

وكان شكوكو يحرص لضمان الحد الأعلى من السخرية، على أن تكون القصيدة المغناة، قد حظيت بشهرة واسعة في كل أرجاء الوطن العربي، مثل قصيدة الأطلال التي استعار منها البيت الأشهر القائل:

أعطني حريتي، أطلق يديا
إنني أعطيت، ما استبقيت شيَّا
فعالجه على طريقته حتى أصبح:
أعطني حريتي، أطلق يديَّا
أصلي نازل في المحطة اللي جاية

ولم تنج منه القصيدة الأخيرة الشهيرة لعبد الحليم حافظ (ونزار قباني ومحمد الموجي) قارئة الفنجان، فتناول المقطع الذي مطلعه:

بحياتك يا ولدي امرأة
عيناها، سبحان المعبود
وأجرى عليه التعديل الساخر فأصبح:
بحياتك يا ولدي امرأة
بهواها حتطب يا محمود

وظل محمود شكوكو يمارس هذا الفن الساخر حتى آخر يوم في حياته الفنية.

 

صـلاح جـاهيـن:لـون عميـق مـن السخرية
تجدر الإشارة في هذا الموضوع إلى أن دخول الفنان الشامل صلاح جاهين ميدان الشعر الغنائي في النصف الثاني من القرن العشرين، بمواهبه المتعددة، خاصة في فن الكاريكاتير، قد طعم الشعر الغنائي في مصر بلون فيه الكثير من خفة الظل، لكن فيه أيضاً ملامح السخرية المريرة حيناً، المبتهجة حيناً آخر، كما هي الحياة تماماً.
وقد ظهرت براعة جاهين في هذا اللون، عندما شكل مع الملحن كمال الطويل ثنائياً يزود صوت سعاد حسني بلون من الأغنيات السينمائية والتلفزيونية المتميزة بالملامح المشار إليها. من ذلك، مثلاً، أغنية يا واد يا تقيل في الفيلم الشهير خلي بالك من زوزو ، التي فيها عبارات جديدة على الكلام الغنائي العربي، مثل:

عنده برود أعصاب اسم الله
ولا جرَّاح بريطاني
أو مثل
ما تقولش أمين شرطة اسم الله
والا دبلوماسي

أو أغنية الجو ربيع، في فيلم أميرة حبي أنا ، التي يقول فيها:

الدنيا ربيع، والجو بديع
قفّلي على كل المواضيع

كما يقول في موقع آخر من الأغنية نفسها:

قلّك فرفشة اليومِ
ما تأجلهاش للغد

وقد برزت عبقرية صلاح جاهين في هذا اللون بالذات في أغنيات سعاد حسني في المسلسل التلفزيوني الشهير "هو وهي" خاصة في مقدمة البرنامج الغنائية، التي يتحدث فيها صلاح جاهين في مشاهد ساخرة عبقرية من الحياة اليومية عن الصراع الأزلي بين الرجل والمرأة، كما يبدو في المشاهد الشعبية الساخرة التي صاغتها عبقرية صلاح جاهين في أوبريت الليلة الكبيرة التي لحنها سيد مكاوي.

 

الفكاهة والسخرية في الأغنية اللبنانية بقلم إلياس سحّاب

تتميز الأغنية في لبنان، عنها في سائر الأقطار العربية الأخرى، بعلاقة لافتة مع الفكاهة والسخرية، وذلك لأسباب تاريخية تتعلَّق بظروف ولادة الأغنية المحترفة في لبنان في أواخر النصف الأول من القرن العشرين.

فإذا استثنينا الغناء الشعبي القديم، فإن الغناء في المدن اللبنانية الكبرى كان يتلقى ويتداول الغناء العربي الكلاسيكي الوافد من القاهرة.

إضافة إلى ذلك، جاء انتشار الأفلام المصرية الغنائية وغير الغنائية، وظهور إذاعة القاهرة، كأول إذاعة رسمية عربية في عقد الثلاثينيات ليؤدي إلى اعتماد اللهجة المصرية في الغناء اللبناني، من ذلك الزمن المبكِّر.

الاستقلال.. وريادة عمر الزعنّي

بعدما ولدت دولة الاستقلال في لبنان عام 1943م، اتخذ رياض الصلح، أول رئيس وزراء لبناني في عهد الاستقلال، إجراءً مهماً بضرورة تشجيع الشعراء اللبنانيين على كتابة الشعر الغنائي، باللهجة اللبنانية المحلية بدل اللهجة المصرية. وكانت دار الإذاعة اللبنانية الوليدة التي تأسست في العام 1938م، ميدان تطبيق القرار على يد لجنة من بعض شعراء العامية اللبنانية، كان من أبرز أعضائها الفنان اللبناني الانتقادي المعروف عمر الزعني.

في هذا الإطار التاريخي انطلقت الأغنية اللبنانية المحترفة بين الثلاثينيات والأربعينيات، لكن لا بد من الإشارة إلى أنه قبل ولادة الألوان ذات التعبير الرومانسي والدرامي والكلاسيكي، كان الظهور الأول للغناء باللهجة اللبنانية، محصوراً في عقد الثلاثينيات بالأغنيات الخفيفة التي تدور مواضيعها على النقد الاجتماعي المستند بالضرورة إلى اللون الفكاهي الساخر. وكان من نجوم تلك البدايات الأولى فنان لبناني من آل قرانوح إلى جانب الفنان السوري الانتقادي عبدالله المدرس.

النقد الاجتماعي
لكن من الممكن القول إن دخول عمر الزعني إلى هذا الميدان، شاعراً وملحناً ومؤدياً غنائياً، كان الأساس الصلب لرصيد الفكاهة والسخرية في الأغنية اللبنانية، نمثل على ذلك بنماذج مختلفة من أغنيات عمر الزعني الانتقادية.

النموذج الأول ينتمي إلى النقد الاجتماعي، الذي يسخر من المفارقة بين المستوى المزري لحياة محدودي الدخل في لبنان، والمستوى المرفه لحياة الخيل في إسطبلات الطبقة اللبنانية الميسورة التي كان بعض أفرادها من هواة تربية خيول السباق.

يقول عمر الزعني في أغنيته الشهيرة لو كنت حصان:

لو كنت حصان، في بيت سرسق
باكل فستق، باكل بندق
ماكنت بسرق مثل الزعران
لو كنت حصان

ويقول عمر الزعني في نقد الحياة الزوجية غير المتوازنة بين سلطة الزوج وسلطة الزوجة في بيت الزوجية:

رخاوة الديك
في القن يا شريك
هي بتعمل من الديك فرخة
وهي بتعمل من الفرخة ديك

الضحكة..قناع المواجهة السياسية

طبعاً، لم تقتصر أغنيات عمر الزعني الفكاهية الساخرة على النقد الاجتماعي، بل تجاوزتها بشكل موسع وجزئي إلى النقد السياسي الحاد والمباشر، في عهدي الانتداب الفرنسي، والاستقلال الوطني، الأمر الذي أدخله السجن في أكثر من مناسبة. ولعل أشهر أغنياته الانتقادية في عهد الانتداب الفرنسي، هي الأغنية التي انتقد فيها السلطة الصُوَرية لرئيس الجمهورية اللبنانية شارل دباس. وقد استعار الزعني في هذه الأغنية المقارنة بين قبطان السفينة (الريّس، باللهجة العامية) ورئيس الجمهورية، كما استعان في اللحن والغناء، باللحن الشعبي الذي يخاطب به البحارة قبطانهم. يقول مطلع أغنية عمر الزعني، الواضح الإسقاطات السياسية:

بدنا بحرية يا ريّس
صافيين النية يا ريّس
بزنود قوية يا ريّس

ومن المقاطع الشهيرة في الأغنية:

البحر جبال يا ريّس
قطّع الحبال يا ريّس
ما كان عالبال يا ريّس
تتنصّب ريّس يا ريّس

ومع أن الزعني كتب وغنّى كثيراً في مديح العهد الاستقلالي الأول، وزعيمه رئيس الجمهورية بشارة الخوري، فإنه لم يتأخر في النقد اللاذع لسلبيات العهد الاستقلالي الأول، خاصة عندما قرر الرئيس بشارة الخوري مخالفة الدستور، وتجديد ولايته في رئاسة الجمهورية، فغنى له إحدى أشهر أغنياته في النقد السياسي:

جددلو ولا تفزع
خليه قاعد ومربع
بيضل أسلم من غيره
وأضمن للعهد وأنفع

استمراريتها إلى جانب الأنماط الرصينة

ولكن هذا النمط من الفكاهة والسخرية الذي كان يحتل المساحة الأوسع في بدايات الأغنية اللبنانية، ما لبث أن تراجع أمام تدفق نماذج الأغنية اللبنانية الوليدة ذات الأنماط الكلاسيكية، الرومانسية والوصفية والوطنية، فأصبحت هذه النماذج الرصينة تحتل الساحة وتتصاعد، حتى بلغت ذروتها في عقدي الخمسينيات والستينيات. غير أن هذا لم يمنع بعض المغنين والملحنين والشعراء الجادين من استحضار الفكاهة والسخرية في الأغاني، كلما استدعى الموقف ذلك.

من أوائل هؤلاء، الفنان والمخرج السينمائي محمد سلمان، الذي ظهر مغنياً إلى جانب ليلى مراد في فيلمها الشهير قلبي دليلى في العام 1947م، حتى أنه كان (محمد سلمان) يُعتبر مطرباً بارزاً في لبنان قبل ظهور نجم وديع الصافي، وكانت طبيعة سلمان المرحة ومواهبه المحدودة في التلحين والغناء، تدفعه إلى إتقان لون الأغنية الخفيفة المعتمدة على الفكاهة والسخرية.

لكن هذه البدايات الخفيفة المتواضعة لم تمنع اقتحام اللون الفكاهي الساخر، ألحان بعض كبار الملحنين وكبار المطربين، خاصة بعض المواقف التي كانت تحفل بها مسرحيات الأخوين الرحباني. ولعل أشهرها الحوارية الغنائية الشهيرة بين المطرب نصري شمس الدين والمطربة فيروز، في المسرحية التي كان نصري شمس الدين يؤدي فيها دور جد فيروز (أبو ديب)، وكان يهوى الصيد، لكنه مثل كثير من الصيادين يحب المبالغة في الحديث عن غزواته كلما عاد من رحلة صيد، حتى ادعى لحفيدته أنه اصطاد تمساحاً، وهو في الغابة، فاضطرت حفيدته فيروز إلى تذكيره بأن الغابة ليست نهر الأمازون.

فيلمون وهبي.. موزِّع الفكاهة في كل اتجاه

الغريب أن فيلمون وهبي، الملحن الكبير، الذي زوَّد فيروز وصباح بعدد وافر من أعظم أغنياتهما في عصر النهضة الموسيقية الغنائية اللبنانية، قد لجأ إلى اللون الفكاهي الساخر، عندما تعاون مع وديع الصافي، فكانت حصيلة هذا التعاون أغنيتين من لون الدعابة الساخرة، تقول أولاهما:

بترحلك مشوار
قلتلها يا ريت
قالت لكن أوعى تغار
حواليي العشاق كثار
قلتلها بطلت، خليني بالبيت

وقد اشتهرت هذه الأغنية كثيراً في دول الخليج العربي، عندما نُفذت منها نسخة جميلة في الكويت.

أما الثانية فتقول كلماتها:

حلوة وكذابي، (أي كذابة)
يا أغلى حبابي
والأكذب منك
حضرة جنابي

ومن الأغنيات الساخرة التي لحنها فيلمون وهبي للمطربة الكبيرة صباح، أغنية شهيرة بعنوان عالعصفورية ، والعصفورية في بيروت هو الاسم الشعبي لمستشفى الأمراض العقلية، تقول صباح واصفة تخلّي الحبيب عنها:

عالعصفورية، عالعصفورية
وصلني بإيدو، وما طل عليِّ

كما عالجت أخرى لصباح (من ألحان فيلمون وهبي) عتاب المحبوبة لإفشاء المحبوب سر العلاقة بينهما، بدل الحفاظ على سريتها.

قلتلو بحبك بالسر
أوعى تطلّع إشاعة
صار يقر، يقر، يقر (أي يثرثر)
وضل يبر، يبر، يبر (أي يثرثر)
تا وصلت عالإذاعة

طبعاً، وضع فيلمون وهبي بعيداً عن وديع الصافي، عدداً كبيراً من الأغنيات التي تتميز بمستوى رفيع من الدعابة والفكاهة لكنها في معظمها متداولة في الجلسات الخاصة، دون تسجيل رسمي، وكانت في عدد وافر منها من كلمات فيلمون وهبي نفسه. وقد تراوحت هذه الأغنيات الفكاهية الساخرة لفيلمون وهبي، بين اللونين السياسي والغزلي.

أما أغنيات النقد السياسي فتعمَّد فيلمون في صياغة كلماتها الإقذاع في الكلام تعبيراً عن غضبه على المسؤولين عن الحرب الأهلية اللبنانية.

الذروة مع زياد الرحباني

ولا شك بأن ذروة السخرية في الفن اللبناني الحديث، قد تبلورت مع الفنان المتعدد المواهب زياد الرحباني، في كتابة النص المسرحي كما في التمثيل، وفي كتابة كلمات الأغاني وتلحينها. ولعل اللون الفكاهي الساخر قد تحول مع زياد الرحباني إلى فن شامل يعالج شتى المواضيع، من النقد الاجتماعي إلى النقد السياسي، حتى يصل إلى الغزل.

ومن روائع أغنياته في السخرية والفكاهة، واحدة ينتقد فيها الارتفاع الجنوني في الأسعار، عند بداية انهيار العملة الوطنية اللبنانية، والتي يقول فيها:

شو عدا ما بدا
ما بتفرق مع حدا
صرنا بدنا نبيع
ذهب المناجم
وألماس الخواتم
تندفع في المطاعم
فاتورة الغدا

في أغنية ساخرة أخرى يصف الرحباني نفسه الارتفاع اليومي لأسعار الخضار والفاكهة والتناقض بين السعر المنخفض المسجل في الجريدة والسعر المرتفع في الدكان:

الخسّة اللي زارعها بإيدي
وسعرا مقيّد بالجريدة
حطّولا أسعار جديدي
وكل لحظة في سعر جديد
عجّل كُلْها يا رضا

وهو يدعو رضا للإسراع في أكل الخسّ قبل أن يرتفع سعره من جديد. وفي نقده لشاب فاشل في الحب، يقول الرحباني في إحدى أغنياته:

من مَرَة لمَرَة (من امرأة إلى أخرى)
عمترجع لورا
أولاد الحارة كلهم أبداً
عرفوا حبّوا، من عداك

غير أن إبداع زياد الرحباني في هذا المجال لم يحجب الأغنيات الخفيفة المعتمدة أساساً على الفكاهة والسخرية. وكانت آخر نجمات هذا اللون في لبنان الفنانة الكوميدية الشهيرة فريال كريم، التي كانت تعالج في أغنياتها الفكاهية الظريفة مواضيع السخرية من الشباب المنحرف، أو الزوج ضعيف الشخصية.

الملاحظة التي لا بد من الإشارة إليها، أن هذا اللون كان يزدهر في خط موازٍ لازدهار الأغنية الكلاسيكية، فيما بين أربعينيات وثمانينيات القرن العشرين. لكن المرحلة الجديدة في الغناء الاستعراضي التلفزيوني الخفيف ما زالت إلى الآن على الأقل مفتقرة إلى هذا اللون، وهو أمر يدل على فقر الحصيلة الثقافية التي تحرك كتّاب وملحني أغنيات الموجة الجديدة.

المصدر: موقع الشاعر