.‏‏حوارات العود والأوركسترا لغة جمالية وحداثية مغايرة

. مقالات

علي الأحمد

يقول الفيلسوف الكندي: “إن آلة العود ليس فيها شيء إلا وفيه علة فلسفية، إما هندسية وإما عددية، وإما نجومية”.  قلة من الموسيقيين العرب، التمسوا مكامن الجمال المخبأ في أسرار هذه الآلة المهمة، التي تعتبر ركيزة أساسية في الكتابة والتلحين في موسيقانا العربية، وباقي موسيقات الشرق.

وهذا يعني فيما يعنيه، وجود فرق كبير بين أن تكون عازفاً جيداً على هذه الآلة، وبين أن تكون مبدعاً فيها، تمتلك ناصيتها بكل اقتدار وحرفية، وتستثمر قيمها الصوتية والتعبيرية لكتابة جديدة تقفز عن إرثها الطربي العتيد، وتعيد لها حضورها ومكانتها التي تستحق.  هذا يفسر أيضاً، وإلى حد كبير كيف بقيت هذه الآلة رهينة وحبيسة للبُعد الطربي العتيد وطقوسه المغلقة، تجتر آهات وعذابات المغني وبطانته حتى يأذن شهريار بالاستئذان والانصراف.‏‏

نعم لقد غُيّب دور هذه الآلة الساحرة طويلاً وطويلاً جداً، إلى أن قُيّض لها من حسن الحظ، مبدعون حقيقيون، اجترحوا لغة غير مسبوقة في العزف والأداء، والتقنية المتقدمة، في نقلة نوعية من متاهات الطرب إلى مناخات التعبير والتصوير الوجداني، من التقاسيم البدائية إلى رحاب الارتجال والأداء الحر من مخزون الذاكرة، وبالتأكيد من تلك الأماكن المغلقة المنغلقة، إلى مسرح الحياة المشرقة، النابضة بلغة الموسيقى الحقة، وتوقها الدائم إلى الفرح والجمال.‏‏

ولم يكن هؤلاء وحدهم في هذا المسار الإبداعي العظيم، فقد عرفت العديد من البلدان الأوربية إبان عصر النهضة، سحر وجمال هذه الآلة، وكانت البداية كما هو معلوم مع الموسيقي الثائر “زرياب” الذي تمرد على تلك اللغة القديمة في العزف، والتي لقنه إياها أستاذه في المشرق موسيقي العصر العباسي “إسحاق الموصلي”، كما تمرد أيضاً على طرق الصناعة القديمة التي وجدها قاصرة لا ترضي طموحه وجموح خياله التجديدي.‏‏

نراه هنا يغير في مقاييس صناعة هذه الآلة، وهو العالم المتبحر فيها، في حسابات رياضية معقدة أفضت إلى مدى صوتي أعمق والى اجتراح “رنين” ساحر توجه بزيادة وتر خامس بغية زيادة مدى الآلة التعبيري، لتصبح آلة قادرة على أداء أدق وأصعب النغمات، ليضع لها منهجاً (ميتوداً) متقدماً، نهل منه طلابه الكثر في قرطبة وبلاد الأندلس، ومنهم كما تؤكد المصادر الغربية أبناء ملوك وأمراء من البلاد الأوروبية التي تعرفت بدورها على هذه الآلة الساحرة، من خلال الفتوحات الإسلامية، وارتحال الآلات الموسيقية العربية إلى تلك البلاد القصية، حيث كتب لها أعلام كبار في الموسيقى الغربية مؤلفات هامة كما نرى مع مؤلفات المشاهير فيها: “أنطونيو فيفالدي 1714 وهاندل 1759 ويوهان سباستيان باخ 1750 وفرانز جوزف هايدن 1809”، وغيرهم من مؤلفين موسيقيين رأوا بهذه الآلة إمكانات صوتية وتعبيرية مذهلة، لتخصيب موسيقاهم بألوان وإشراقات موسيقية مغايرة.‏‏

كما تم تطوير صناعة هذه الآلة لتصبح أقرب إلى الكمال الموسيقي، خاصة مع زيادة عدد أوتارها وصلت إلى سبعة عشر وتراً، بغية عزف ــــــ كما أسلفنا ــــــــ أعقد النغمات خاصة في الدواوين (الأوكتافات) العالية، إضافة إلى مواكبة التعدد الصوتي الذي حصل في تطور الموسيقى الأوروبية آنذاك. وقد ساهم العود في عزف البوليفونية الغنائية والمتتابعات (suites)والأغاني الشعبية وقوالب الموسيقى الآلية.‏‏

تذكر المصادر هنا أنه تعددت أحجام وأنواع هذه الآلة لأداء طبقات صوتية أكثر اتساعاً، كما نرى على سبيل المثال مع “عود الكونسرت” (Theorbo).  لتبقى صور ونماذج هذه الآلة في المتاحف والكنائس والمكتبات والمخطوطات وغيرها تعطينا فكرة واضحة عن دور آلة العود ومكانتها في ارتقاء وتجميل موسيقات الشعوب في الغرب والشرق على حد سواء.‏‏

من هذا الإرث الناجز، كان على الموسيقي العربي قراءة هذه المسارات الإبداعية لآلة مهمة، شهدت نتاجات موسيقية قيمة، على مدار أزمنتها الإبداعية، وكان عليه بالتالي الخروج النهائي من سلطة وسلطنة الطرب والتطريب التي لازمت هذه الآلة مئات السنين لأسباب معلومة.  وهذا ليس بالأمر الهيّن، خاصة مع ذاكرة جمعية وذائقة عربية اعتادت على الطرب الحسي العتيد وتخدرت في مخدعه. وكانت الخطوة الأهم هنا في كيفية إقناع الأذن العربية وتهيئتها لاستقبال موسيقى بديلة للعود، تفصح عن إمكانات عظيمة لآلة لم تكتشف بالشكل الأمثل في عصرنا الحديث إلا مع مدرسة بغداد في العود التي أسسها الشريف “محي الدين حيدر” عبر منهاجها المتقدم الذي جمع التقنية المشرقية خاصة التركية منها مع الروح والمزاج التلحيني العربي. هذه اللغة البديلة تحتاج بالتأكيد إلى خبرة سمعية مديدة، وذائقة مدربة مطواعة، وثقافة موسيقية واسعة تستقي مرجعيتها من قراءات نقدية معرفية معمقة

وهكذا كانت أولى المحاولات الجريئة بكل المقاييس في الحوار المنشود ما بين العود والأوركسترا مع المؤلف الموسيقي المصري “فؤاد الظاهري” في كتابة “بدئية” لاستخدام العود في الأوركسترا أداه العازف البارع “جورج ميشيل 1915 - 1996، فيما كتب لاحقاً الباحث الدكتور “يوسف شوقي” كونشيرتو للعود، سجله للإذاعة المصرية، لتتوالى المحاولات لنقل هذه الآلة إلى عوالم ومناخات حداثية، مع المؤلف الموسيقي “شريف محي الدين” في مؤلفه المهم “كونشيرتو غروسو للعود”، قدمه على مسرح دار الأوبرا المصرية عام 1996 ومنها إلى العديد من البلدان الأوروبية، بمشاركة عازف العود “ممدوح الجبالي”، الذي قام أيضاً بعزف موسيقى “باسيكاليا للعود” تأليف “راجح داود” بداية على مسرح دار الأوبرا المصرية كما في افتتاح مكتبة الإسكندرية ومنها إلى فرنسا وألمانيا، ومن تأليف “سيد عوض” قدمت “فانتازيا للعود” على مسرح دار الأوبرا عام 1997 وساهم “عمار الشريعي” بدوره في كتابة “كونشيرتو العود” بمصاحبة الفرقة السيمفونية العُمانية في محاولة جريئة ومهمة، لكتابة موسيقى عربية معاصرة بالصيغ الغربية الكلاسيكية المعهودة، وبالتالي البحث عن لغة إبداعية جديدة تعبر بشكل أو بآخر، عن الثورات الموسيقية العظيمة التي جاءت بحقائق موسيقية غير مسبوقة كان على الموسيقي العربي أن يتكيف معها ويستفيد من نتائجها المبهرة وتأثيراتها العظيمة على القيم الذوقية والجمالية.‏‏

ومن هنا تبقى تجربة “عطية شرارة”، برأينا المتواضع، من أهم المحاولات التي نقلت آلة العود إلى مكانات تعبيرية باذخة بجمالها الموسيقي فجاء “كونشيرتو العود والأوركسترا” 1983-1984 كمحاولة جادة لاستغلال إمكانيات علوم التأليف الموسيقي الغربية وتطويعها لإثراء النسيج اللحني العربي عبر إبراز إمكانات آلة العود الدفينة التي استنطقها هذا المبدع كتابة وعزفها إبداعاً “حسين صابر”، ومن خلالها ترسخت آلة العود كآلة عربية قادرة على مرافقة الأوركسترا ومحاورتها حضارياً وثقافياً، بما يؤكد على أن هذه الآلة لم تكن آلة للطرب فحسب، بل كانت أيضاً بيد الحكماء والفلاسفة وعباقرة العزف والتأليف بمثابة روح جديدة في العزف واستنطاق سرها المكنون الذي لم يقدر كما أسلفنا إلا قلة نادرة من فرسانها المبدعين من أن يصلوا إلى كنهه وجوهره النبيل.‏‏

ولعل أهمية هذه الكونشيرتو التي أبدعها “شرارة” تكمن في جوانب عدة من أهمها استلهامه الموفق للألحان الشعبية مع إضافة نسيج متعدد التصويت في ألحان مقامية، تناول عبرها المقامات ذات أرباع الصوت وخاصة في الحركة الثانية التي بناها على فكرة رئيسية (ثيمة) اللحن الشعبي المشهور “أيوب المصري” استخدم فيها مقام الراست على درجة الجهاركاه، ومن ثم تحول بأسلوب ذكي إلى جنس النهاوند على الجهاركاه، وهذه التحويلات تبرز خبرته الموسيقية الكبيرة في روح المقامات العربية وأبعادها النفسية على المتلقي الذواق، كما تبرز إمكانات آلة العود وطابعها الصوتي المميز بنفس تميّز الروح الغنائية مع استخدام للقواعد الهارمونية بعيداً عن التنافر وعدم الانسجام.‏‏

ولم تتوقف المحاولات الجريئة في كتابة مؤلفات موسيقية لهذه الآلة النبيلة، فقد قدم “جميل بشير”، أحد تلامذة الشريف محي الدين حيدر، “كونشيرتو العود”، وأدت هذا العمل إحدى الفرق السيمفونية في الاتحاد السوفياتي السابق، عكس تاريخ هذه الآلة وحضارتها، وتنوعت الإسهامات والحوارات في هذا المجال. ويمكننا أن نذكر أسماء مبدعين آخرين حاولوا البحث عن لغة إبداعية جديدة للعود بمرافقة الأوركسترا أو مع آلات غربية ومشرقية كالبيانو والغيتار والسيتار الهندي وغيرها من آلات، نذكر منهم الباحث العراقي “منذر جميل حافظ”، في “كونشيرتو العود والأوركسترا الوتري، في مقام ري الكبير”، قدمته الفرقة السيمفونية العراقية سنة 1978، وإسهامات مرسيل خليفة، وأحمد مختار، وأنور ابراهام، ومحمود سعد جواد، وسالم عبد الكريم، وشربل روحانا وعبد الله المصري وصفوان بهلوان.  والأخير وضع عملاً سماه “الربان والعاصفة” أدته أوركسترا برلين بقيادة “نوري رحيباني”.‏‏

وتبقى، أخيراً وليس آخراً، تجربة المؤلف الموسيقي “نوري اسكندر” كمحاولة عربية مهمة استحدثت لغة موسيقية مغايرة لآلة العود تتبنى العلوم الغربية بشكل فيه الكثير من الانسجام والتناغم والخبرة المعرفية في تعدد التصويت والتوافق: بوليفينياً وهارمونياً.  ووضع هذه الخبرة في كتابة “كونشيرتو العود” الذي تنوعت عبره مناخات التعبير التي تمتلكها الموسيقى العربية مع إبداع غير مسبوق في التوافق بين أرباع الصوت وإغنائها بتآلفات هارمونية بديعة وساحرة. 

قدم نوري اسكندر العمل لأول مرة كرباعي وتري سنة 1983 ومن ثم مع أوركسترا الحجرة التابعة للمعهد العربي للموسيقى في حلب بعد إدخال بعض التعديلات عليه.  وأخيراً قدمه بشكله النهائي سنة 2008، مع الأوركسترا السورية بقيادة “ميساك باغبودريان” وأدى العود المنفرد “عصام رافع”.  

وتتابعت محاولات مبدعين من البلاد العربية لترسيخ هده الحوارات والارتحالات الفكرية والثقافية نحو الآخر، ولنقل آلة العود إلى مكانتها الثقافية والحضارية التي تليق بتاريخها الموغل في الإبداع والجمال الموسيقي النادر، في بحث لم ينقطع عن اللغة المفقودة في الموسيقى العربية المعاصرة، عن لغة إبداعية مغايرة لآلة ظلت إلى حين، مهمشة ومنسية إلى حد الفجيعة، تتحلل بخدر لذيذ في مناخها الطربي العتيد. ومن هنا تبقى هذه التجارب المهمة بمثابة قيامة جديدة للعود، ونهوض منشود من رماد الطرب وفتنة الصوت، نحو أفق تأليفي حداثي ولغة جمالية تحتاج إليها الأذن والذائقة العربية اليوم أكثر من أي وقت مضى.‏‏

‏‏وتبقى، أخيراً وليس آخراً، تجربة المؤلف الموسيقي “نوري اسكندر” كمحاولة عربية مهمة استحدثت لغة موسيقية مغايرة لآلة العود تتبنى العلوم الغربية بشكل فيه الكثير من الانسجام والتناغم والخبرة المعرفية في تعدد التصويت والتوافق: بوليفينياً وهارمونياً.  ووضع هذه الخبرة في كتابة “كونشيرتو العود” الذي تنوعت عبره مناخات التعبير التي تمتلكها الموسيقى العربية مع إبداع غير مسبوق في التوافق بين أرباع الصوت وإغنائها بتآلفات هارمونية بديعة وساحرة. 

قدم نوري اسكندر العمل لأول مرة كرباعي وتري سنة 1983 ومن ثم مع أوركسترا الحجرة التابعة للمعهد العربي للموسيقى في حلب بعد إدخال بعض التعديلات عليه.  وأخيراً قدمه بشكله النهائي سنة 2008، مع الأوركسترا السورية بقيادة “ميساك باغبودريان” وأدى العود المنفرد “عصام رافع”.  

وتتابعت محاولات مبدعين من البلاد العربية لترسيخ هده الحوارات والارتحالات الفكرية والثقافية نحو الآخر، ولنقل آلة العود إلى مكانتها الثقافية والحضارية التي تليق بتاريخها الموغل في الإبداع والجمال الموسيقي النادر، في بحث لم ينقطع عن اللغة المفقودة في الموسيقى العربية المعاصرة، عن لغة إبداعية مغايرة لآلة ظلت إلى حين، مهمشة ومنسية إلى حد الفجيعة، تتحلل بخدر لذيذ في مناخها الطربي العتيد. ومن هنا تبقى هذه التجارب المهمة بمثابة قيامة جديدة للعود، ونهوض منشود من رماد الطرب وفتنة الصوت، نحو أفق تأليفي حداثي ولغة جمالية تحتاج إليها الأذن والذائقة العربية اليوم أكثر من أي وقت مضى.‏‏