الآلات الموسيقية في السماع الصوفي

. مقالات

عبد العزيز بن عبد الجليل

يعتبر استخدام الآلات الموسيقية ظاهرة طارئة على موسيقى المديح والسماع بالمغرب. والغالب أن هذه الظاهرة تسربت إليه من أوساط الطوائف الدينية حيث تجد الآلات بأنواعها موقعا رحبا وعلى درجات متفاوتة، فقد كان للتواصل الذي تحقق بين الطوائف وبين أوساط المسمعين في بعض المناسبات والمواسم دور في تقوية هذه الظاهرة التي كانت في البدء موضع انتقاد، ولاسيَّما من طرف الفقهاء المتشددين . ويبدو ذلك في ارتفاع أصوات معارضة من قبيل إنكار المؤرخ الزياني في "الترجمانة الكبرى" لاجتماع فقراء الصوفية بضريح المولى إدريس بفاس على استعمال العود والبندير والطر والبوق والمزامير في أذكارهم.

والواقع أنه باستثناء بعض الطرق الصوفية التي لا تستخدم الآلات الموسيقية إطلاقا كالكتانيين والتِّجانيين، فإن جل الطرق تعتمد في إنشاداتها على المصاحبة الآلية. وهي في هذا على درجات ثلاث من التفاوت:

·       فئة تعتمد بالدرجة الأولى على الآلات الوترية كالصديقية والحراقية والريسونية والشَّقورية والدرقاوية. وإلى هذه الأخيرة أشار التادلي في كتابه "أغاني السقا ومغاني الموسيقا" بقوله: يضربون بالعود.

·       فئة تعتمد على آلات النفخ والنقر كتِهامة وعيساوة واحْمادْشَة وجيلالة (النفيرـ الغيطة ـ العوادة).

·       فئة لا تكاد تستعمل سوى آلات النقر كهَدَّاوَة. وإلى هؤلاء أشار التادلي بقوله: إن نَدْفَهُم في أَكَوال يشطحون ويضربون، والحَسُّونية الذين يستخدمون الطاسَة والطبل والطبلة والطبل الكبير والطارة التي يعنون بها البَنْدير.

ومن الملاحظ أن مجموعات المادحين الشبابية التي تجنح إلى استعمال الآلات الموسيقية تأتي في صنفين:

·       ـصنف يوظف آلات الجوق الأندلسي كاملة (العود والرباب والكمنجة والطر والدربوكة) مما يجعل حصة "السماع" أقرب إلى أن تكون محاكاة للآلة الأندلسية.

·       ـصنف ينفتح على آلات غربية كالأوركَ والبيانو والساكسفون. وذلك بدعوى عديمة الجدوى مؤداها تطوير فن المديح والسماع من خلال التوزيع الآلي، وهو سلوك يتناقض كلية مع روح هذا الفن.

وإذا كانت بعض الزوايا في سياق تبنيها لبعض تقاليد مستعملات النوبة الأندلسية قد أباحت لنفسها استعمال الآلات الموسيقية، فإنها ظلت وفية لخصوصيات فن السماع، محافظة على أصوله، واعية بالمسافة الفاصلة بينه وبين فن الموسيقى الأندلسية. ومن أجل هذا فهي تلتزم بالآتي:

·       الاقتصار على آلات العود والرباب والطر.

·       ـحصر وظيفة الآلات في المصاحبة الخفيفة للمجموعة، بعيدا عن أي هيمنة لها على الأصوات.

·       الابتعاد الكلي عن أسلوب الجوابات والتغاطي الآلية السائد في أداء ميازين النوبة الأندلسية.

·       خُلُوُّ الإنشادات بأنواعها من أية مصاحبة آلية.

·       عدم استخدام الآلات بالمرة في إنشاد المواويل.