موسيقى الروح والعقل

. مقالات

بقلم خديجة سبيل

هل توجد موسيقى روحية وأخرى غير روحية؟ وهل تسود لدينا هذه الثنائية في المغرب؟ وهل لهذا الفن متلق خاص؟ وهل يمكن اعتبار القصائد التي تخاطب الذات الإلهية هي وحدها القصائد الروحية؟ ولماذا تتعارض الآراء بين مؤيد ومعارض لهذا التصنيف؟ وهل مخاطبة الوجدان تعني الإسلام فقط؟.

مخاطبة الروح

أثارت الأغاني الروحية جدلا كبيرا، خاصة بظهور العديد من المهرجانات التي تتخصص فيما يسمى الموسيقى الروحية، وقد اختلفت الآراء حول هذا النوع من الموسيقى، واعتبرها البعض نوعا من الاختزال للإبداع الموسيقي الإسلامي، وذلك لأن لها العديد من التسميات، كالتصوف الذي يرى الكثيرون أنه يخص الإسلام فقط والمسلمين، ولا ينبغي للمطربين « الكفار » أن يصنفوا في خانته، ورغم ما (ل) في هذا الرأي من قسوة، إلا أن الغناء الروحي هو خطاب للروح أولا، أيا كانت عقيدتها، لأن الروح تسمع أيضا وتتغير لسماع الفن الأصيل رغم اختلافه. ولتفادي كل هذه الإشكالات، فقد ارتأينا أن كلمة تصوف تثير العديد من الحساسيات المختلفة لارتباطها بالمنظور الديني ولتخوف العديد من حمولات هذه الكلمة التي بدأت تتخذ مدى آخر غير المدى الروحي المخصص لها، ولذلك فإن الحديث عنها يثير إشكالات أخرى بعيدة كل البعد عن الفن والموسيقى والكلام الروحي الخاص جدا، والذي يثير لدى المتلقي تعالقا من نوع آخر.

أيها الناظر

تمثل الفنانة المغربية سلوى الشودري نمطا خاصا في الأداء، فهي تنتقي قصائدها من العديد من الشعراء المختلفين كأبى الحسن الششتري الذي غنت له قصيدة « أيها الناظر» والتي يقول فيها :

أيها الناظر في سطح المرى

أترى من ذا الذي فيه ترى

هل هو الناظر فيه غيركم أم خيال منك فيه قد سرى

فهذه القصيدة وحدها تثبت أن نصوص هذا الفن ليست في متناول الجميع، أداء ومقاما وكلمات، ولذا يتوجه هذا النوع من الطرب للنخبة المثقفة التي تستطيع فهم ما وراء الكلمات الظاهرة، فلها جمهورها الذي يبحث عنها، ولذا تشكل المهرجانات  ـــ رغم اختلاف الكثير حول هذا النوع من التسميات ــ ظاهرة خاصة لمن يهمه البحث عن هذا النوع من الطرب الأصيل الذي يبحث في أصول الكلام، ويعود إلى قصائد تصل إلى الروح ولمخاطبتها عاطفيا.

الوجدان والرقة

تمثل القصائد التي تختارها سلوى الشودري نوعا له ميزته، فهي قصائد تنحو ذلك المنحى الروحي الرقيق، الذي يرقى بالوجدان إلى نوع من الصفاء في الأحاسيس، ولذا فإن الكلمات لها دور كبير في هذا النوع من الأغاني، تغني سلوى الشودري من شعر محمد الحراق :

أماطت عن محاسنها الخمارا

وغادرت العقول بها حيارى

وألقت فيه سرا ثم قالت

أرى الإفشاء منك اليوم عارا

وهل يَسْطِيعُ كتمَ السر صَبٌّ

إذا ذكر الحبيب لديه طارا

به لعب الهوى شيئا فشيئا

فلم يشعر وقد خلع العذارا

فالقاموس المستعمل في هذه القصائد هو قاموس الوجدان والأحاسيس، وهو يتحدث عن الصب والخمار والمحاسن والعذارى، والهوى والسر، وهي كلها كلمات تنتمي لمعجم واحد يجمع بين الوله والعشق كنوع من السر الذي لا ينبغي البوح به، ولكن العشق يصير صعبا لأنه كما يقول الشاعر : « الصب تفضحه عيونه »، ففي قصيدة الحراق، نجد نفس المعنى وكأن الصب فاضح نفسه، فهو السر المعلن للآخرين دون أن ينطق المحبوب، لأنه سمة بارزة في حياة العاشق.

إن اختيار هذا النوع من القصائد للأداء هو اختيار لمخاطبة الوجدان ورقة الأحاسيس، وهو في نفس الوقت نهج مختلف يمنح للطرب مكانته الخاصة، ولا تقف سلوى الشودري عند أداء هذا النوع من القصائد، بل تتعداها إلى نمط آخر من الشعراء الذين أثروا في المكتبة الشعرية وغيروا في القصيدة وعمقها مثل قصيدة أبي الطيب المتنبي.

وَاحَرَّ قلباهُ

تنتقي سلوى الشودري من هذه القصيدة أبياتا خاصة تؤديها بعد أن لحنها لها الملحن العربي علي عبد الله، يقول أبو الطيب المتنبي :

وَاحَرَّ قلباهُ مِمَّن قلبه شَبِمُ

ومن بجسمي وحالي عنده سَقَمُ

إن كان يجمعنا حبٌّ لِغرّتِهِ

فليت أنّا بقدر الحب نقتسم

يا من يعز علينا أن نفارقهم

وجداننا كل شيء بعدَكم عَدَمُ

فهذه القصيدة رغم أنها قيلت في سيف الدولة، إلا أنها تحمل العديد من الحكم، ومفردات خاصة بها مثل « الشبم » بكسر الباء وهو ما يعني البارد، أو « السقم » بمعنى المرض، فهذه القصيدة يصبح لها معنى آخر وهي منتقاة في أبياتها لمخاطبة الإنسان بشكل عام، كالحديث عن الحب الذي ينبغي أن يكون صادقا، وأن يكافأ الإنسان عن صدقه لا نفاقه.

إن هذه القصائد تخلق نمطا خاصا في الأداء، فهي أولا غير متداولة بكثرة وينبغي معرفة سياقها الذي أوجدها، وهي ثانيا تخاطب الصدق وتبحث عن الأخلاق والحب والوجدان أيضا، ولا تتوقف القصائد التي غنتها سلوى الشودري عند هذا المنحى، بل تتعداه إلى أداء قصائد عن القهر الطفولي أو الإنسان بشكل عام، ويبرز ذلك في أدائها قصيدة « النائمة في الشارع » لنازك الملائكة إلى غيرها.

سيدة الحزن الجميل

تقدم هذه القصيدة التي كتبت كلماتها الشاعرة المصرية شريفة السيد، عالما آخر من الأحاسيس والمشاعر، تقول بعض أبياتها :

أنا ياسيدي امرأة تعلمت ارتداء الصبر

بريق ضوء أعينها ملامحها قصيدة شعر

ترى الأيام عصفورا تبلل في مياه العمر

أنا امرأة يعذبني بكاء الطفل في شجني

ويأسرني الندى المذبوح لو مرت به مدني

طربت فخانني زمني وطيف الحب خادعني

هذه القصيدة هي قصيدة تتحدث عن الإنسانية جمعاء، فهي لا تتحدث عن وطن بعينه، ولذا فهي تنتمي للأحاسيس المشتركة، لأنها إحساس عام يخاطب الروح الجماعية لا الفردية، ومن هنا فإن النصوص التي نتحدث عنها هنا لا علاقة لها فقط بالمنظور الديني والابتعاد عن الآخر، رغم أن سلوى الشودري غنت الأغاني الدينية والثقافية والصوفية باختلافها إلا أن مخاطبة الوجدان الإنساني تحتل لديها المقام الأول دون هذه التفرقة.

متع حياتك

تمثل المطربة المغربية عائشة رضوان، نمطا آخر من الأداء التراثي، فكيف يتشكل عالمها؟ وممّ تنهل قصائدها أو أشعارها؟

عائشة رضوان مطربة مغربية تنهل من العديد من الروافد القديمة، فهي تغني لأبي الحسن الششتري، ولابن الفارض، والحراق ورابعة العدوية إلى جانب غيرهم، وقد أعادت غناء العديد من القصائد مثل « متع حياتك » وقصيدة « أراك عصي الدمع » التي أضافت إليها مونولوجا خاصا يعود إلى عشرينيات القرن الماضي، وغنت القصيدة بطريقة قديمة، وهي بذلك تؤدي نمطا خاصا بالعودة إلى التخت الشرقي القديم الذي يتألف من القانون والعود والناي والكمان والطبلة والرق، وهي رغبة في العودة إلى أصول الفن ومنبعه الأول.  وتمثل عائشة رضوان نمطا روحيا أيضا لكونها تعتمد على العديد من القصائد الروحية والبعيدة أيضا عن التداول التي لا تهب معناها بسهولة في بعض الأحيان نظرا لصعوبة الكلمات التي تؤديها، غير أن لها عالمها الخاص، وأسلوبها في الأداء.

لا تُخْفِ

تقول القصيدة :

       لا تخف ما فعلت بك الأشواق         واشرح هواك فكلنا عُشّاق

       قد كان يخفى الحبلــــولا دمعك الــــــــــــجاري ولـــــولا قلبك الخفاق

 

تمثل هذه القصيدة علواً في الأحاسيس، فهي دوما تراوح بين السر والعلن، بين الخفاء والتجلي، وهو جدل يعيشه العشق والعشاق.

ولا تقف القصائد التي تغنيها عائشة رضوان عند العشق فقط، بل هي عشق للذات ولله أيضا كما في شعر رابعة العدوية. تقول القصيدة :

               كأسي وخمريَ والنديمُ ثلاثةٌ          وأنا المشوقة في المحبــــــــة رابعْ

               كأس المسرة والنديمُ يُديرها           ساقي المداد على المدى متتابعهْ

               فإذا نظرت فـلا أرى إلا لـــه           وإذا حضــرت فلا أرى إلا مَــــعَــــــــهْ

وفي قصيدة أخرى تقول :

                  أحبك حــبين حب الهـــــوى         وحب لأنــــــك أهــــــل لذاكا

                  فأما الذي هو حب الهوى            فشغلي بذكرك عمن سواكا

                  وأما الذي أنت أهــــل لــــه               فـكشفك للحجب حتى أراكا

وقد تأخذ الأشياء رموزا أخرى، ففي شعر ابن الفارض ليس الخمر الموصوف في القصيدة هو الخمر الذي يعرف، وإنما هو حب الله، ولذا تأتي القصيدة على الشكل التالي:

       شربنا على ذكر الحبيب مدامة                سكرنا بها من قبل أن يخلق الخمر

تشكل هذه القصائد وموسيقاها نمطا خاصا في الأداء، وهي تحمل العديد من المعاني والرسائل إلى الشعوب، ويبقى أنها شكل خاص يخاطب الروح والوجدان ومعرفة ثقافية أيضا ترقى بالمستمع إلى الذوق الرفيع وتمنح للشعر مكانة إضافية عبر الاختيار والتنقيب عن معجم خاص يثري حقل الأغنية الإنسانية بامتياز دون حدود أو حواجز، ورغم أن هناك أسماء كثيرة في هذا الباب، إلا أننا اخترنا اسمين مغربيين لكل واحدة منهما أداؤها واختيارها ونمطها الذي يميزها، ويبقى أن هذه الموسيقى هي حوار للعقل والروح وارتقاء بالفكر إلى أسمى المراتب.

المصدر: مجلة نساء