الغناء العراقي بين تاريخ المدن والرائدات

. مقالات

 

يُعدّ الغناء العراقي الأغنى في العالم فناَ وعمقا عاطفيا شجيا حتى أنَّ الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب كان قد قال فيه في إحدى مقابلاته:

"كل الغناء العربي يدور في فلك الموسيقى المصرية عدا الغناء العراقي فانه يدور في فلك خاص به".

وتميَّز الغناء العراقي بالتنوع فقد غنى مطربوه "المقام العراقي" باختلاف أنواعه وغناء "البستات" القديمة والحديثة، و"الأبوذيات" و"المربعات" و"العتابة" و"النايل" و"الركباني" و"المنولوجات" و"الموشحات" وأغاني الزفة، الزورخانة، الجوبي (الدبكة)، وأغاني رمضان، وأغاني الأطفال، والكسلات وأغاني الأعياد وغيرها.

خصوصية المحافظات الفنية:

ولكل مدينة عراقية او مجموعة مدن لون غنائي يتقدم على بقية الألوان: ففي مدينة الموصل نجد الأغاني الموصلية التي تحمل طابع الحدباء، ومما اُشتهر فيها السويحلي والليالي والمقامات الخفيف.

وفي غرب العراق نجد غناء النايل والعتابة والهوسات والأهازيج الشعبية الأخرى.

بينما نجد في كركوك تلونا وطيفا واسعا من الأغاني المنتمية لمجموع الطيف القومي والعرقي الإثني الذي يسكنها ومن ذلك نجد الأغاني التركمانية والمقامات الخفيفة مثل مقام "القوريات" والمخالف كركوك..

في جنوب العراق نجد الغناء الريفي العربي الأصيل.. من أبوذيات ومربعات وموشحات وأغاني الرقص الشعبي العربي. ومن أعذب ما في هذا الغناء ما نجده في مدن الناصرية والديوانية والكوت والعمارة وفي البصرة الفيحاء كغناء المنكَّر وغناء الهيوة والخشابة والأغاني الريفية وبعض المقامات العراقية بنمط البحارة...

وتميز تراث الغناء العراقي  بأسماء رائدة نسوية عديدة منذ عشرينيات القرن الماضي سواء من العراقيات أو من العربيات اللواتي سكنّ العراق، وهي أسماء لامعة طال بعضها النسيان وعلقت أخرى في ذاكرة محبيها وما كان سبة وعارا في ذلك الزمن صار تراثا فنيا نفتخر به بين الأمم.

صديقة الملاية (1909 - 1969):

صوت رنان عميق قوي يعتبر كنزا من الكنوز أجادت على نحو عجيب غناء بعض المقامات العراقية السهلة وأَلَمّت بمعرفة خبيرة بجميع الأغاني العراقية القديمة، فهي تغني بأقصى الطاقة ما بين القرار والجواب، بنبرات غليظة فخمة وحادة. اشتهرت بعدة أغان منها "يا كهوتك عزاوي بيها المدلل زعلان" وهي مقهى معروفة في منطقة الميدان.

زكية جورج (1900 - 1966):

المطربة التي تملك رقة وجاذبية، وصوتها يدخل اعماق القلوب فيبعث فيها شجىً وغراما على الرغم من كونها حلبية، فهي لم تغن سوى الأغاني العراقية وفي بغداد نشأت وتعلمت الغناء وأحبته وأبدعت فيه فصارت من اشهر المطربات العراقيات.

سليمة مراد (1905 - 1974):

الفنانة الوحيدة التي نالت الباشوية.  مطربة بغدادية شهيرة من الطائفة اليهودية يقع قصرها في محلة كنكيجة وهي محلة تسكنها غالبية يهودية.  في قصرها كانت تعقد صالوناً أدبياً وسياسياً في أوقات محددة من كل أسبوع وتجالس سياسيين معروفين بينهم وزراء ورؤساء وزارات ورؤساء أحزاب ووجهاء، إضافة إلى عدد من الأدباء والشعراء وكتاب الأغنية والموسيقيين، كما كانت تقيم الحفلات الغنائية وتشرك معها بعض المطربات المعروفات والمطربين المعروفين منهم ناظم الغزالي الذي نشأت بينه وبينها علاقة حب سريعة تزوجا على أثرها ويلقبها المقربون منها سليمة باشا بسبب نفوذها القوي على الساسة العراقيين آنذاك وثرائها حتى قيل إنها كانت تقرض الباشا نوري السعيد ما يحتاج من أموال بين الحين والآخر. ولم تكن سليمة وحدها نجمة المجالس التي كانت تقيمها في قصرها بل هناك أيضاً شقيقتاها روزة وبارعة الجمال ريجينا.

زهور حسين (1924 - 1964):

البارعة في الأداء وذات الصوت الرخيم العذبرجل أحبته حبا شديدا هو الذي أقنعها بالتحول إلى الغناء حتى صارت حصة أغانيها في خمسينيات القرن الماضي من أكبر الحصص في إذاعة بغداد وانتشرت أغانيها في المقاهي عن طريق أجهزة التسجيل مع انتشار أجهزة التسجيل الحديثة إلى جانب الجرامفون والراديو المضبوط على مؤشر إذاعة بغداد، وانتشرت صورها على جدران المقاهي التي كانت لا تمل من تكرار أغنيتها الرائعة "لو للغرام حاكم" أو "غريبة من بعد عينك ييمه" بصوتها الشجي الشاكي الباكي.

وحيدة خليل (1914 - 1994):

أميرة الغناء الريفي.  مريم عبد الله جمعه بنت البصرة الفيحاء التي لقبت نفسها في ما بعد وحيدة خليل واشتهرت بهذا اللقب.  صوت صافٍ وانسيابي جميل تميز عن باقي الأصوات العراقية بقدرته على التفاعل مع الكلمه واللحن الريفيين.  أول من اكتشف موهبتها الملحن ناظم نعيم وقدمها للجمهور بأغنية يا يمه ذاك هواي ثم الفنان الرائد الراحل جميل بشير بأغنية من وصلك من دلاك، ثم جاءت القفزة الكبيرة على يد الفنان الرائد عباس جميل والعديد من الألحان العذبة، عين بعين ..جا وين أهلنه.. وغيرها.  وتعاونت أيضا مع روحي الخماش ومحمد عبد المحسن.  أجادت أطوار الابوذيه ببراعة الحياوي.. المستطيل..الغافلي..الدشت..العنيسي. وأجادت أيضا ألوانا أخرى غير الابوذيه مثل السويحلي والنايل والبسته

لميعة توفيق (1937 - 1992):

الهجع وطربية الغناءصوت قوي النبرات ريفي النكهة مدني الصدى وطبقتها الصوتية عالية جداً سجلت للإذاعة والتلفزيون العراقيين العديد من الحفلات وتحتفظ لها الإذاعة بـ35 عملا فقط، ولها بعض التسجيلات المحفوظة في خزانة التلفزيون، ويرجع ذلك إلى تفضيلها الغناء على المسارح على الغناء في الاستوديوهات.

عفيفة اسكندر(مواليد الموصل 1927):

فن وجمال وثقافة وسياسةنجمة الغناء العراقي لما يقارب الخمسين عاما قدمت فيها كل ألوان الغناء بجمال وإثارة. فنانة شغلت الناس دهرا طويلا بعذوبة وحلاوة صوتها وفطنتها ودرايتها وتذوقها الموسيقي لكل شيء جميل وأصيل. ولدت من أم يونانية وأب أرمني، ودخلت الفن بعمر ثماني سنوات، كانت البداية في أربيل في منتصف الثمانينات حيث أحيت أول حفلة وهي صغيرة.

مثقفة ومحبة للشعر والأدب. وكان مجلسها في منزلها في منطقة المسبح في الكرادة.. وهو يضم ابرز رجالات السياسة والأدب والفن والثقافة في البلاد.. ولا يخلو من المناظرات السياسية والشعرية والفنية والأدبية، ويضم كبار الأدباء والسياسيين والفنانين منهم نوري السعيد وابنه صباح والوصي عبد الإله وتوفيق السويدي وسعيد قزاز وخليل كنة وفائق السامرائي عضو حزب الاستقلال وعضو مجلس الأمة، عملت لمدة طويلة مع فرقة بديعة مصابني في مصر، وكذلك مع فرقة تحية كاريوكا، وأبرز مشاركاتها العربية هي التمثيل في فيلم "يوم سعيد" مع الفنان الراحل الكبير محمد عبد الوهاب وفاتن حمامة وغنت فيه، لكن لسوء الحظ لم تظهر الأغنية عند عرض الفيلم بسبب المخرج الذي حذفها لطول مدة العرض، ومثلت في أفلام أخرى في لبنان وسوريا ومصر.

مائدة نزهت (ولادتها كانت في 1937):

اعتزلت الغناء في تسعينيات القرن العشرين، صوت نسائي جميل وحضور طاغ.  نشأت في بغداد وتعلمت في مدارسها، وبعد أن ختمت القرآن، انتقلت إلى المدرسة الابتدائية، حيث برزت مواهبها الغنائية منذ طفولتها عندما كانت تحفظ وتردد أغنيات أم كلثوم وفريد الأطرش وأسمهان وليلى مراد، اعتزلت الغناء وهي في أوج انتشارها الفني.

أنوار عبد الوهاب:

إبداع غنائي آخر آثر الاغتراب على مهادنة واقع مر.  من الناصرية جنوب العراق وابنة احد أشهر الكتاب السياسيين في عهد الجمهورية 1958، الاستاذ عبد الجبار وهبي الذي استشهد في انقلاب 8 شباط 1963.  ما ترك تلك الندبة الواضحة في نفسية أنوار التي شعت وارتسم على سحنتها ذلك الألم الواضح المعالم في الصورة والصوت معاً.  ولدت نادية عبد الجبار وهبي (وهذا هو اسمها الحقيقي) سنة 1943، انتمت الى فرقة الإنشاد أواخر عام 1971، وأمضت ما يقرب من الثلاث سنوات وهي تتصدر المرتبة الأولى في الغناء الانفرادي (صولو) في فرقة الإنشاد. يقول المختصون صوتها "سبرانو" حاد قوي ذو دفع شديد، وتؤدي جواب الجواب وقرارها سليم، وصوتها إجمالاً يؤدي سلمين أو أوكتافين أي من الدو إلى الدو صعوداً ونزولاً.  تسيدت الساحة الغنائية في سبعينيات القرن الماضي وغادرتها مكرهة بداية الثمانينات بعد أن كادت تتربع على عرش الغناء خليفة لمن سبقها من رائدات الغناء العراقي، وتعيش اليوم مغتربة في كندا بعد أن اعتزلت الغناء.

أمل خضير:

طرب بصري أصيل. هي أمل خضير داود سلمان، مواليد سنة 1950.  ولان نشأتها كانت في أسرة فنية فقد تأثرت مبكرا بالغناء ومطربات الزمن الاجمل؛ وحيدة خليل، سليمة مراد، وسلطانة يوسف، وبدرية أنور، ومنيرة الهوزوز وزكية جورج.  شهدت سنة 1963 انضمامها إلى كورس فرقة الإنشاد بعد مشاركتها ببرنامج ركن الهواة.  أما سنة 1973 فشهدت انطلاقتها الفنية مع مجموعة من ألحان فاروق هلال وفرحان محسن.  تربعت على عرش الغناء الرومانسي ذي الطابع الحزين الشفاف المحافظ على الأصالة في فترة نهاية السبعينيات والثمانينيات. وكانت لها أغان جميلة طبعت في أذهان وقلوب محبيها، ومنها:(يا ألف وسفه ويا حيف - وفدوه فدوه- وتعال) (واتوبه امن المحبة) و(يا يمه آثاري هواي).

سيتا هاكوبيان:

ذكريات الصبا والشبابصوتها الدافئ يأخذك بعيدا إلى تنويمات الأم الحنون أيام الطفولة ، رقتها تبكيك ولو كان قلبك من حجر، في أغانيها تسافر في ماضيك إلى حبك الأول أيام الصبا والانتظار والمواعيد وتشرين فيروز، معها تغادر لحظتك إلى السنين التي راحت، يعود لك البكاء المفرح والألم الجميل مع أول لمسة ليد الحبيب أو همسة خفية.  في أغانيها سحر الحب ولوعة المحبوب.  غادرت ساحة الغناء باكرا تاركة وراءها حبيبها المجهول وهو يجتر ذكريات الصبا ، لها ما يناهز العشرين أغنية هي من أجمل ما سمعت الإذن المحبة العاشقة.

المصدر: صحيفة نرجس الألكترونية