أول فتاتين اعتنقتا الغناء في السعودية

. مقالات

 

عبد الله المدني

تاريخ الغناء في المملكة العربية السعودية يحفل بأسماء مطربين وملحنين كبار حملوا على عاتقهم مهمة صعبة في وسط اجتماعي محافظ ومقيد بألف قيد وقيد، فنجحوا، بشق الأنفس، في المحافظة على التراث الشعبي الغنائي في الحجاز ونجد والأحساء وتهامة، وتطويره ونشره محليا وخليجيا وعربيا. الأسماء الأولى التي لعبت دورا في هذه العملية الشاقة كثيرة يأتي على رأسها طارق عبد الحكيم، ومحمد علي سندي، وفوزي محسون، وعمر كدرس، وجميل محمود، وغازي علي، وطلال مداح، وعبد القادر حلواني، وعبد الله محمد، وسلامة العبد الله، ومطلق الذيابي، وسعد إبراهيم، وغيرهم.

غير أن حظ الفتاة السعودية في الانطلاق في عوالم الموسيقى والطرب ظل محدودا بسبب التقاليد الاجتماعية إلى أنْ استطاعت «توحة» أنْ تكسر القاعدة، فعُـدّت بذلك أول مطربة وملحنة سعودية على الإطلاق.  وتوحة هي الاسم الفني لـ «فتحية يحيى حسن» التي ولدت في الأحساء في عام 1934 لأسرة حجازية محبة للفن والأدب والتراث والغناء.  وكان والدها يعمل مفتشا للجمارك في الأحساء، ويكتب الشعر ويغني لأصدقائه في البيت ويحتفظ بمكتبة من الأسطوانات لعمالقة الطرب العربي، أما والدتها فكانت هي الأخرى تعشق ترديد الأغاني التراثية الحجازية في البيت. وعن ظروف انتقالها من الأحساء إلى الحجاز تقول توحة إنها جاءت إلى مكة لأول مرة في سن السادسة بسبب انتقال عمل والدها إلى وزارة المالية هناك، وأنها انتقلت للسكن في حي النزلة بجدة مع والدتها بعد وفاة والدها في الطائف حينما كان عمرها 12 سنة.

في جدة بدأت توحة، التي كانت قد تعلمتْ الغناء من حفلات الأفراح، وتعلمت العزف على العود وكتابة النصوص الغنائية على يد أخيها المرحوم الدكتور محمد أمين حسن يحيى (ملحن وشاعر ومؤلف وأول من فتح معهدا خاصا للموسيقى بجدة)، تطورت موهبتها الغنائية قبل أن تقوم بتسجيل بعض الأغاني من ألحان طارق عبد الحكيم وفوزي محسون على الأسطوانات الحجرية. ومما يجدر بنا ذكره في هذا المقام، طبقا لما روته بنفسها في إحدى المقابلات المنشورة في موقع «ملتقى حضرموت للحوار العربي» أنها سافرتْ مع أخيها إلى مصر في سن الرابعة عشرة، وبقيتْ هناك لمدة أربعة أشهر على أمل تلقي دروس في الموسيقى، وحاولت أنْ تعزف وتغني أغاني أم كلثوم وتتعلم التدوين الموسيقي، لكنها لم تستطع لأنها كانت معتادة على الغناء الحجازي وكانت تفضل التعليم السماعي.

قدمتْ توحة في بداية مشوارها ثلاث أغنيات هي: «دعاني مرة وقال لي»، و«راعيني ولا تكابر»، و«صحيح مني انتهيت»، وكلها من كلمات ثريا قابل وألحان فوزي محسون. لكن الأغنية التي كانت سببا في شهرتها وانطلاقتها هي أغنية «أشر لي بالمنديل» التي ترسخت في أذهان محبي الطرب، ومطلعها هو:

أشر لي بالمنديل .. آه .. وقال أنا ماشي

فستانه كحلي طويل .. يا هوه .. في الدرب أهو ماشي

بالله على هونك .. ياه .. يا سيد كل الحي

محلى غمزة عينك .. آه .. تكوي فؤادي كي

قدمتْ توحة منذ عام 1949 أكثر من 450 أغنية أشهرها (خلاف ما ذكرناه آنفا): أستحلفك بالله، ياحمام البين، تدلع يا حلو حالي، أنا المسكينة، أنا يا طير الأخضر، مكحول العين، أسألك بالله هل هذا صحيح، شجاع في الحب، على كف القدر، بين مكة وجدة أنا عقلي رايح، على العقيق اجتمعنا، يا بديع الجمال، قال الفتى بن معجب. كما كتبت نحو 3000 نص غنائي بعضه تم غناؤه، والبعض الآخر ينتظر الدور.

حاورها عبد الرحمن الناصر في صحيفة الرياض في 10/6/2005 فقدمها بالكلمات التالية: "رمز مهم واستثنائي من رموز الأغنية السعودية القديمة والتي كاد الزمن أن يمحو ذكرياتها في الفن الغنائي وكتابة الأغنية والتلحين أيضا. هي من أوائل الفنانات في الخليج العربي ومرت بصعوبات كبيرة كعادة مراحل التأسيس الصعبة، ومع ذلك ما زالت تقدم في عقدها الخامس فنيا أمتع الأعمال الفنية. إنها الفنانة توحة التي تعيش مرحلة انتكاسة صحية بسبب الأمراض التي هاجمتها. في حنجرة توحة المبحوحة يكمن تاريخ طويل من الغناء والطرب الخليجي. أيام طويلة من الأفكار الإبداعية الفنية، وظروف غير مواتية أبدا، وعناء وإصرار وسعي حثيث، وفي النهاية هناك الكثيرون ممن يحبون توحة التي نقشتْ اسمها في سجل التاريخ".

وفي هذا الحوار شنت توحة هجوما على من سمتهم بـ «مشوهي التراث الغنائي»، وكذلك على الإعلام الذي يتجاهل أصحاب التاريخ الفني الطويل، ويلتفت فقط إلى الجيل الجديد من أنصاف المطربين، وعلى بعض الفضائيات التي بحسب قولها لا تعرف الطرب ولا الفن بل تنغمس في تقديم العري والصور المخالفة للعادات والتقاليد، مضيفة: «وللأسف إن هناك فنانين سعوديين اندفعوا في تقديم أغانيهم بهذا الشكل وأصبحت الأغنية مجموعة من البنات الراقصات كتشويه لجنس حواء بشكل مقزز». كما تحدثت بمرارة عن قصة تعاملها مع قناة"أرت" (Art)لصاحبها رجل الأعمال صالح كامل، والتي، بحسب قولها، أخذتْ منها ستة أعمال غنائية من أبرز أعمالها، ولم تحصلْ منها إلا على هدية تافهة كانت عبارة عن جهاز «ريسيفر» لالتقاط بعض القنوات لمدة ستة أشهر، بل أنّ القناة المذكورة اتصلت بها بعد الأشهر الستة لتخبرها بضرورة الدفع تحت طائلة سحب الجهاز وفصل البث عنه، «فهل هناك جحود وتعالي وأساليب دنيئة أكثر من هذا؟» تساءلت توحة.

وفي 29 يناير 2012، كانت توحة على موعد لتكريمها أثناء أمسية نسائية نظمتها جمعية الثقافة والفنون السعودية بمحافظة الطائف، لكن الأمور لم تسر كما كان مأمولا لأن رجال الحسبة من أعضاء «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» كانوا للأمسية بالمرصاد بحجة وجود تجاوزات.

في لقاء لها مع صحيفة عكاظ السعودية بتاريخ 27/6/1015، أكدت توحة أنها هي التي علـّمت الفنان السعودي المعروف عبادي الجوهر العزف على العود واحتضنت موهبته في البدايات، على الرغم من نكران عبادي لهذا الأمر، قائلة: «كانت والدته زميلة عزيزة عليّ، وكان هو يتردد عليّ بصفة شبه يومية، وتعلم مني العزف وبعض المقامات، حيث كان موهوبا منذ صغره، ويملك أذنا موسيقية جميلة». كما قالت إن «الأغنية السعودية تعاني من شح في المواهب، لذلك قد يصفني البعض بالمبالغة حين أقول إن عبد الله رشاد هو آخر موهبة غنائية أنجبتها الأغنية السعودية». وردا على سؤال حول أوجه الاختلاف بين الأغنية الآن والأغنية في الماضي، قالت: «الأغنية قديما كانت تتميز بالفن والأصالة والإبداع، بعكس الأغنية الآن التي باتت تستقبل كل من هب ودب لدخول ساحتها، الأمر الذي جعل ساحتها بيئة غير مشجعة، فأغلب المطربين اليوم لا يملكون خلفية كاملة عن المقامات، وغيرها من الأسس والقواعد الغنائية».

أما الثانية التي دخلت تاريخ الغناء النسوي في المملكة العربية السعودية فهي «خيرية قربان عبد الهادي كشاري» الشهيرة فنيا باسم «ابتسام لطفي». وهذا الاسم الفني أطلقه عليها صديقها المقرب الفنان الراحل طلال مداح بسبب ابتسامتها الجميلة، ثم بسبب علاقته الوثيقة مع رفيق دربه الفنان السعودي الكوميدي «لطفي زيني» الذي يعتبر صاحب أول مؤسسة إنتاج في السعودية.

ولدت ابتسام لطفي كفيفة البصر في الطائف في سبتمبر 1951، وبدأت الغناء في سن السابعة من خلال الأفراح في مدينة جدة بعد أن كانت قد تمرست على التجويد ومخارج الألفاظ في الكتاتيب، ثم ما لبثت أنْ اشتهرت في عقود الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي محليا وخليجيا وعربيا بسبب صوتها الجميل المشابه لصوت الراحلة إسمهان، وقدرتها على الحفظ، وتميزها بسرعة البديهة والأذن الموسيقية، لكنها آثرت الاعتزال في أواخر الثمانينيات بسبب وفاة والدتها. وقد نزل خبر اعتزالها كالصاعقة على محبي الطرب الأصيل، لكنها عادت إلى الأضواء في نهاية التسعينيات لفترة قصيرة في أعقاب دعم قدمه لها الأمير فيصل بن فهد ( الرئيس العام لرعاية الشباب وقتذاك) تمثل في شراء منزل لها وتأثيثه تأثيثا كاملا. وفي نوفمبر 2013 قررت العودة إلى الساحة الفنية مجددا، بعد جهود لإقناعها بذلك قام بها الملحن محمد المرزوقي مدير إذاعة «صوت الخليج»، وقد تجسدت بداية عودتها في قبولها المشاركة في برنامج «سهرة خاصة» المذاع من «صوت الخليج» ومن تقديم الفنان البحريني الكبير إبراهيم حبيب.

بدايتها الأولى كانت في ستينيات القرن الماضي من خلال أغنية «فات الأوان» من كلمات لطفي زيني وألحان طلال مداح رحمهما الله،  وفي نهاية الستينيات دخلت الإذاعة والتلفزيون بعد موافقة المغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز على ذلك.

وكزميلتها توحة، شقت ابتسام لطفي طريقها نحو الرقي والشهرة بصعوبة، واستطاعت بالصبر والاجتهاد أنْ تذلل كل العقبات التي واجهتها منذ طفولتها، ولا سيما عقبات تسجيل أغانيها وإقناع رواد الفن بالتعاون معها، لكنها اختلفتْ عن توحة في إصرارها على الانطلاق خارج الحدود بعد أن وطدتْ أقدامها فنيا في بلادها ونضج صوتها، متجاهلة حقيقة صعوبة المنافسة في وقت كانت فيه ساحة الغناء العربي تعج بعمالقة الطرب من أمثال أم كلثوم وفيروز وشادية وسعاد محمد ونجاة الصغيرة وفايزة أحمد، ناهيك عن غيرهن من النجوم الذكور.

وهكذا نجحتْ ابتسام لطفي في الوصول إلى مصر، عاصمة الفن والنجومية وعمالقة الغناء والتلحين، بل تمكنت من الالتقاء بأسماء كبيرة مثل إبراهيم ناجي صاحب قصيدة الأطلال الذي تفاجأ بصوتها فقدم لها قصيدته «ساعة لقاء» التي لحنها الموسيقار المغربي عبد الحميد بن إبراهيم. كما التقت بالملحن الكبير رياض السنباطي الذي أطلق عليها لقب «كوكب الجزيرة وشادية العرب» وقدم لها لحنا من ألحانه، والشاعر أحمد رامي الذي ارتبط معها بصداقة وكتب لها كلمات أكثر من أغنية من أغانيها، ووصفها بالمطربة التي «تغني بالدموع قبل الصوت».

والحقيقة أن أحمد رامي التقى ابتسام لطفي لأول مرة في جدة، وعندما غادر جدة عائدا إلى القاهرة في عام 1970 دون أن يودعها (لأنه كان يكره الوداع) أرسل إليها في عام 1974 قصيدة «وداع» التي لحنها لها فيما بعد رياض السنباطي، وتقول كلماتها:

               ردك الـلـه ســـالـمـا لـفــؤادي      وطـوى بـيـنـنا بـسـاط الـبـعـاد

               كيف يهنأ لي المنام وعيني      ملؤها في نواك طيف السواد

 

               كنت لي مؤنساً وكنت سميراً     فـإذا بـي فـي وحـشـة وانـفـراد

               أقــطــع الـلـيـل ساهــراً، وحــرام أن يـذوق المحـب طعـم الـرقاد

 

               هــل إذا هــب من رباك نسيم      تـذكر الغــائـب الـمـقـيـم الـوداد

               وإذا الشـمـس آذـنت بمغيب تـتـمـنـى من حـبـه في ازديـاد

              

وإذا الـلـيل جـن تـذـكر صبّا       ساهراً في هواك ناب الـوساد

كـلـمـا حن لـلـقــاء سـلامــا        الشوق في قلبه مات ينادي

 

يا حبيبي وأنت أغلى من الـروح      وأشهى من الحياة للـصادي

لست أنساك راحلاً ومقيماً               كيف أنسى بالعيش مائي وزادي

 

أما قصيدة «ساعة لقاء» لإبراهيم ناجي فتقول كلماتها:

               يا حبيب الروح يا روح الأماني          لست تدري عطش الروح إليك

               وحنيني من أنين غـيـر فانٍ           للهــوى أشــربـه مـن مـقـلـتـيـك

               وحديث لم يدر لي في ظنون             يـا طـويـل الـهـجـر يا مُرّ الغياب

               آه من ساعة بث وشجون               ولـقـاء لم يكـن لي فـي حسـاب

               مرت الساعة كالحلم السعيد              ومشت نشوته مشي الرحيق

               ذهب العمر وذا عمر جديد               عشتـه في ظـل ألحاني الرقـيـق

               والتقت أرواحنا في ساحة                        كغــريـبـيـن اسـتـراحا مـن سـفــر

               وحططنا رحلنا في واحة                 زانـــنــا فـــيهـا الأمـانـي والــذكــر

               أنا شاديك ولحني لك وحدك              فاقض ما ترضاه في يومي وأمسي

               درج الـدهـر فمـا أذكـر بعدك               غـــيـر أيـامـك يـا تـوأم نــفــســي

كما تعاونت مع الملحن الكبير محمد الموجي الذي قال عنها «إن هناك تميزا وعملقة في إمكانياتها الغنائية».   ففي بداية تعاونهما الفني قدم  لها لحناً تمثل بموشح «بُعد الحبيب» من كلمات أحمد رامي، قبل أنْ يلحن لها أغنية «ساحر إنت يا قمر» من كلمات الشاعر السعودي سعد البواردي، وأغنية «ليلة سهر» من كلمات الأمير بدر بن عبد المحسن.

والحقيقة إنّ أعمال ابتسام لطفي الكثيرة (أكثر من 150 عملا) تميزت بالتنوع، كما يقول عبد الرحمن الناصر في صحيفة الرياض بتاريخ 24/6/2005. فهي غنت الفلكلور الشعبي كما في أغاني: «لا لا يالخيزرانة»، و«يا طير ماذا الصياح»، و«سافروا وما ودعوني»، و«يا سارية خبريني» وغنت الأغنية التراثية كما في أغنيتي «المولع»، و«نالت على يدها»، وغنت الأغاني الوطنية مثل أغنية «اليوم الوطني» من كلمات محمد هاشم رشيد وألحان محمد صدقي، وأوبريت «رائد المسيرة» مع مجموعة من الفنانين، وغنت الأناشيد الدينية مثل: نشيد «إلى بيت الله العتيق»، وأغنية «الله وخلقه» الرمضانية، ونشيد «مكة» الذي شاركته فيه مجموعة من المطربين منهم سعاد محمد وعادل مأمون وعبادي الجوهر.

إضافة إلى ما سبق، غنت الأغنية السامرية «يا هلي» من كلمات الشاعرة ريم الصحراء وألحان سلامة العبد الله، وغنت الأغنية الفصحى كما في أغاني «النجوى الهامسة” من كلمات طاهر الزمخشري وألحان أبو عماد (أبو سعود الحمادي)، و»يا غائبين» من كلمات يزيد بن معاوية وألحان الموسيقي المصري أحمد صدقي، و«أهواك» و«شوف» وكلتاهما من كلمات الزمخشري وألحان جميل محمود. والجدير بالذكر في هذا السياق أنّ أحمد صدقي لحن لها أيضا أغاني «لوعة آه لقلبي» من كلمات أحمد رامي، و«نار الشوق» من كلمات فاروق شوشة، و«عذاب السنين» من كلمات الشاعر أمين قطان، في ما لحن لها الملحن المصري عبد العظيم محمد قصيدتين الأولى «سؤالك سؤال» للشاعر أحمد شريف الرفاعي، والثانية «أقصم فؤادي» للشاعر إسماعيل صبري.

خليجيا، غنت ابتسام لطفي أغنيتي «الله يا قليبي» للشاعر الكويتي فايق عبد الجليل، و«الله لا يحرمني منك» للشاعر ناشي الحربي، وكلتاهما من ألحان محمد شاكر.

وإضافة إلى كل من ذكرنا أسماءهم من الشعراء والملحنين تعاونت لطفي مع الشاعرين الأمير عبد الفيصل (أغنيتا يانور عيني وعساك بخير) والأمير محمد العبد الله الفيصل (أغنية أهلا وسهلا)، ومع الشاعر مطلق مخلد الذيابي الشهير بـ سمير الوادي (أغنية صمت الدروب)، ومع الفنان الكبير عبد الله محمد (أغنية ينام الليل)، والملحن عمر كدرس (أغنيتا لو تسألوني و قصيدة أنا لن أعيش)، والملحن السعودي المعروف سراج عمر الذي ابتعد عنها لاحقا احتجاجا على توجهها نحو أداء أغاني مصرية الطابع.

ومن أغنياتها التي احتلت مكانة عالية في نفسها، وتركت أثرا عميقا في وجدانها أغنية «أمي» التي كتب كلماتها طلال طائفي، ولحنها الموسيقار جميل محمود. والسبب هو أن أمها كانت أعز وأغلى صديقاتها والداعمة الأولى لها في مسيرتها الفنية إلى حين وفاتها.

وتبقى أغنية «سافروا وما ودعوني» هي الأغنية الخالدة في أذهان جمهورها منذ سبعينيات القرن الماضي إلى اليوم. تقول كلمات أغنية الطرب الحجازية الأصيلة هذه:

            سافروا وما ودعوني             سيـّبوني وراحوا

            سيـّبوني للنوى                  أنكوي بجراحه

            يا حمام إرسل سلام               للحبيب الغالي

            خبره إني ما أنام                 ولا شيء يهنالي

            قلله لو طال المطال              ما بإيدي حيله

            إيش أسوي ودمعي سال          وإنحرق منديله

            قلله لو أقدر أجيه                كان جيته الليلة

            بس أنا خايف عليه              من عيون العيلة

وصفها الكاتب حسن النجمي في صحيفة الرياض بتاريخ 4/8/2006 بـ «واحدة من أهم المطربات في الوطن العربي في زمن الفن الجميل»، مضيفا: «لم تسع بفنها في يوم من الأيام إلى جني المال والشهرة، ولم تلتحق بزمن الإسفاف والغناء النشاز في الوقت الحالي». قبل أنْ يقول: «عاشت كفيفة لكن إعاقتها لم تعق فكرها وعقليتها الناضجة وبحثها عن الممتع من الأعمال وما يبقى في الذاكر».

وأخيرا فإنه في نوفمبر عام 2014 قررت الجمعية السعودية للمحافظة على التراث برئاسة صاحبة السمو الملكي الأميرة عادلة بنت عبد الله بن عبد العزيز تكريم ابتسام لطفي كأحد أهم رموز الفنون الأدائية في المملكة العربية السعودية، فسعدت لطفي بهذا التكريم أيما سعادة، خصوصا وأنه تزامن مع عودتها إلى الساحة الغنائية بعد غياب طويل، وطالبت وسائل الإعلام السعودي والخليجي بدعمها. أما الأميرة عادلة فقد قالت في كلمتها أثناء حفل التكريم «من واجبنا في الجمعية لفت نظر الجيل الجديد للفلكلور التراثي السعودي والتعريف به، لا سيما أن المملكة وقعت اتفاقاً مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة يونيسكو لصون التراث الثقافي اللامادي، لأهميته بوصفه منبعاً للتنوع الثقافي وعاملاً معززاً للتنمية المستدامة، وعنصراً مهماً لحفظ الهوية». وفي أمسية تكريمها غنت لطفي أغنية «يا هلا بك» من كلمات الشاعر المعنى، وألحان سعود بن عبد المجيد، لتفتتح بها عودتها إلى الغناء من بعد اعتزال دام نحو ربع قرن.

المصدر: جريدة الأيام