أزمة الإنتاج الموسيقي والغنائي في سوريا

. مقالات

عندما عُرض عليّ العمل على ملف الموسيقى في منطقة الفرات، باعتبار أن لي علاقة مباشرة بالموسيقى عزفاً وكتابة، اعتراني شعور بالحيرة فيما ستكون كتابتي، هل أتناول أنواع الغناء وأطواره في وادي الفرات كله، أم أنواع الكتابات الشعرية المصاحبة للغناء، أم تاريخ المغنين الذين مروا على المنطقة وكان لهم التأثير الكبير، أم الآلات الموسيقية وتفرّد المنطقة عن غيرها ببعض الآلات؟‏  لكنني وجدت أن هذه المواضيع، ورغم أهميتها، قد يقوم بها كثير من كتابنا.  يضاف إلى ذلك، أنني أردت أن أهرب من ملاحقة المادة الأرشيفية والتاريخية إلى مادة لها طابع نقدي يقترب مني ومن روحي.  فاخترت موضوعة الإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي لكونها أكثر تخصصا وأكثر حرفية، وأستطيع أن أقدم إضاءة نقدية على الواقع الحالي لهذا الإنتاج في منطقتنا "فرات سورية".‏

وجاء التشديد على أن الملف يتناول العزف أكثر من الغناء، ولكنني وبعد تأمل بسيط وجدت أن تاريخ الموسيقى في منطقة الفرات ملتصق بل متطابق مع غناء هذه المنطقة وذلك بسبب غياب التأليف الموسيقي الآلي العربي " السماعي واللونغا والبشرف " والغربي " الكونشرتو والسوناتا والسمفوني .....الخ" وهذا ربما بسبب ندرة المحترفين المشتغلين بهذا النمط من الموسيقى.  بالرغم من وجود بعض المؤهلين الذين درسوا في معهد موسيقي محترم ومشهود له، إلا أنه لم يظهر لهم أي نتاج موسيقي آلي.‏  لذلك آثرت أن أكون واضحا بنتيجتي الأولى: " التاريخ الموسيقي لمنطقتنا مرتبط بشكل لصيق بتاريخ الأغنية، بل أجزم أن ليس لنا في تاريخنا القريب أي تاريخ موسيقي منفصل عن الأغنية".‏

ومن هنا تنطرح أسئلتي: هل تعاني أغنيتنا المحلية من أزمة ما؟‏أم أنها معافاة وبصحة جيدة؟‏ وهل أزمتها هي نفسها أزمة الأغنية العربية؟ أم أنها تعاني من أزمة أكبر تعصف بها؟‏  وهل أزمتها الخاصة، هي أزمة إبداع ومبدع؟ أم أنها تفتقر إلى كل مستلزمات الإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي؟‏

 

كإضاءة على هذا الموضوع أحاول أن أتلمس أهم مستلزمات الإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي التي هي برأيي:‏

1-    الإبداع البشري‏

2-    التقنية‏

3-    القاعات والمسارح‏

4-    الإعلام (الميديا) وشركات الإنتاج‏

 

أولا . الإبداع البشري :‏

قبل التكلم على الإبداع يجب التكلم على الإنتاج الذي يدعم الإبداع بكل فصوله.  ببساطة شديدة، تفتقر الأغنية في سورية إلى جهة إنتاج تموّلها ، فكيف في دير الزور؟ أو في منطقة الفرات السورية؟‏

لو أخذنا الإبداع البشري المرتبط بالأغنية لوجدنا أنه يطال الشاعر، والملحن ، والموزع ، والمؤدي.  فهل لدينا أزمة شعراء؟ أو بدقة أكثر:‏أزمة شاعر أغنية؟‏

برجعة إلى التاريخ القريب والواقع الحالي نجد أن النصوص الجيدة متوافرة، بل نجد أن أكثر ما يغنّى نصه أجمل من لحنه وأدائه.‏

أما اللحن والملحن فعلينا أن نعترف بأن الغالبية منهم هواة. ولو آمنّا أن مسألة الإبداع في تاريخنا الموسيقي هي الأساس، وتكون البقية في سلم الدرجات الأدنى، لتطلب منّا هذا جملة من المستلزمات الضرورية التي تغطّي هذا النقص، من بينها : الموزع المحترف ، والعازفون المؤهلون ، والاستوديو المختص.  ولكن من الممكن التغلب على هذا النقص بالذهاب إلى أماكن الاحتراف كما يفعل كل الفنانين الكبار.  فهل هذا ما يحصل بالفعل؟‏  الجواب ببساطة : لا، إذ أن تسجيل أحسن سي دي لا يتطلب من الزمن أكثر من يوم واحد ومن المال ما بين المجان والـ/5000/ ليرة سورية (للتنبيه، هذه المقالة نشرت في مطلع شهر آذار من سنة 2008).‏

فكيف سيكون حال هذا السي دي؟ على الرغم من وجود خامات صوتية مشهود لها بالعذوبة والقدرة والجمال، إلا أن تلك الخامات بقيت على فطرتها ولم تتطور أو يجر أيّ تدريب لها " كمعالجة الأصوات، والتمارين الصوتية (vocalize)، وتمارين النفَس ، وطرق أداء الغناء الصحيح، "بل كان دائما يساء لها من قبل أصحابها، بالسلوك غير الصحّي الذي يمارسونه على أصواتهم" كالسهر اليومي، والتدخين، والكحول، وشرب الماء البارد.  ونتيجة لقصور الإنتاج بقي الغناء حبيس اجتهادات لناس غير مؤهلين أو تتقاذفه أهواء ناقصي المعرفة.

وعندما وصلت بعض الأسماء إلى دمشق لم تستطع أن تقدم أكثر من بعض الأغنيات الفولكلورية المعدودة ثم تتحول إلى عملها الفني داخل المرابع والعلب الليليّة.  ومن هنا تأتي النتيجة الثانية: " إن من قام على الأغنية الفراتية لم يكن لديه مشروع كامل يشتغل عليه، فإمّا نقص في الإنتاج أو نقص في بقية عناصر الأغنية".‏

 

ثانياً . التقنية :‏

وأقصد هنا كل ما وصلت إليه التقنيات الصوتية من استوديوهات مجهزة، إلى لواقط عالية الحساسية، أو أجهزة صوت عالية الدقة، إلى أجهزة المكساج، إلى الحاسوب والبرامج الملحقة بالصوتيات.‏

وبنظرة بسيطة نجد أن المنطقة الشرقية كلها ليس فيها استوديو مختص. وأن تسجيل سي دي يكون في غرفة وعلى جهاز صوت مونتاربو 200 أو 400 في أحسن الأحوال، مع كي بورد أو أورغ، مع مشرف على جهاز الصوت (غالبا ما يفتقر إلى تقنيات توزيع الصوت وهندسته) كل إمكاناته ا أنه صاحب الجهاز الذي يستثمره في عرس على السطوح أو مولد في خيمة أو تسجيل شريط لمطرب.  ومن هنا النتيجة الثالثة : " الأغنية الفراتية تعاني من شبه أميّة على مستوى التقنية".‏

 

ثالثا . القاعات والمسارح :‏

منذ التاريخ القديم كان بناء المسارح والمدرجات موضع عناية خاصة لكونها تعطي الانطباع الحقيقي عن تطور مجتمع ما ورقيّه.  فكانت تستخدم أمهر المعماريين والفنانين لهذا الغرض.‏

بقيت هذه المسارح تعبر عن نفسها بروعة بنائها المعماري، وحضورها الجمالي الأخاذ، بالإضافة إلى احتضانها فنون تلك المجتمعات، وقيمها الجمالية، فكان ينبثق من رحم تلك المسارح الأنشطة المسرحية والرياضية والغنائية.‏

انسحبت تلك القيم الحضارية للمسارح حتى وقتنا الراهن، فعنوان كل مدينة هو قاعات مسارحها وما يقدم عليها من فنون " كالسينوغرافيا ، والايماء ، والعزف الموسيقي الآلي ، والكورال ، والغناء المنفرد "، بل ظلت هذه المسارح تشكل قيمة حضارية، وحضورا ثقافيا وإعلاميا حتى جاء الغزو السمعي البصري "غزو التلفزيون" ومن ثم عولمة التلفزيون أو ما يسمى عصر الفضائيات والصحون اللاقطة، لتتراجع المسارح بالتعبير عن الواقع الجمالي والاجتماعي والثقافي لمجتمع ما إلى الدرجة الثانية بعد التلفزيون.‏

ذلك أن التلفزيون بدا كاسحا للفنون الأخرى في بداياته ومن ثم حاضنا لها في فترة ثانية من تاريخه إلى أن بدأ يحورها ويفتح لها صيرورة أخرى:‏ فالمسرح أصبح مسرحا تلفزيونيا، والسينما أصبحت سينما تلفزيونية، والأغنية فيديو كليب.  كما سنوضح ذلك في ما بعد عندما نناقش موضوع الإعلام (الميديا).‏

هذا الموجز البسيط يعبر عن حالة موضوعية لما أصاب الأغنية على مسارح العالم من تحوّر نحو التلفزيون . فكيف كان؟ وكيف أصبح في منطقة الفرات؟‏

حقيقة إن المسارح رغم وجودها الفقير فهي لا تعبر ولا تحتضن موسيقى الآلة والغناء في منطقة الفرات. فالغناء كما قُدم قديما في العواصم العربية‏" مسرحا وفرقة ومطربا وحضورا راقيا للجمهور " كان يستعاض عنه بمساحات وفضاءات أخرى ، كالبيوت ، والأحواش ، والأسطح ، والشوارع لتقديم حفلات الغناء، إلى أن بدأت تزحف القاعات المخصصة لحفلات المناسبات والأعراس، والتي لها شكل المطاعم والعلب التي تشبه كل شيء إلا المسرح.‏

أمّا الغناء على المسرح فهو للمناسبات المتباعدة زمنيا. وبالتالي حتى الفرق التي تعبر عن حال الأغنية في هذه المنطقة – رغم ندرتها وشكلها المناسباتي – لم تؤسس لثقافة الغناء وحضوره وتلقّيه، بل ظلت حبيسة مناسباتها التي تسمى وطنية أحيانا ومهرجانية أحيانا أخرى.  وتلك الفرق رغم أن أعضاءها غير محترفين، وأجهزتها الصوتية كأنها من عصر غابر، وحضورها الوافد من المدارس والمعاهد غصبا عنه لم تشكل ظاهرة غنائية تستطيع أن تجلب جمهورا لها، إذ أن الغالب هو في المناسبات والأفراح أو في العلب الليلية التي انتشرت فيها ثقافة أخرى أصوّرها كالآتي:‏طبال، عازف أورغ، جهاز صوت " يعيّره صاحبه " ثم يبدأ كل من المطرب و"الأورغاتي" والطبّال برفع درجة آلته حسب قوة شخصيته، أو كمية الدعم عند صاحب الملهى أو المطعم، مجموعة من البنات شبه العاريات مِمّن اصطلح على تسميتهن "بالاستعراضيات"، ثم المطرب الذي ما إن يبدأ بأول جملة من "الكوبليه" (أي الدور) حتى يقطع على أول إشارة من زبون : أحلى ........ وتبقى هي الأغنية السائدة حتى الصباح.‏

ومن هنا النتيجة الرابعة: "الأغنية الفراتية لم تكن بنت المسرح، بل كانت متنقلة، تنقل القرباط (الغجر) من مكان إلى آخر".‏

 

رابعا . الإعلام (الميديا) وشركات الإنتاج :‏

شركات الإنتاج هي الأدوات التي تنتج منها الأغاني ومقاطع الفيديو "الفيديو كليب" والتحكم فيها. فالعملية ترتبط كلها عضويا بشركات الإنتاج التي تمول عمليا كل تلك التقنية من كتابة الكلمات واللحن والتوزيع والتسجيل والفيديو كليب، ثم عرضها على شاشات التلفزيون التي تملكها على الأغلب، ثم أخيرا الحفلات والمهرجانات واحتكار الفنانين.‏

في سورية، نلاحظ قلة شركات الإنتاج الفني الخاصة بالموسيقى.  وأن المنتج الوحيد هو الفنان نفسه أو مؤسسة الإذاعة والتلفزيون التي هي قطاع عام، والتي تحمل بامتياز كل المزايا التي يملكها ذلك القطاع من شخصية المدير "الذي يبدأ وينتهي عنده كل أمر" حتى آخر الأذنة‏، والتي تشرف على مهرجانات أقصى مدح لها أنها من نكهة هذا القطاع . يندرج هذا الكلام على منطقة الفرات التي لا ترى عربات النقل الإذاعي والتلفزيوني إلا في الاحتفالات الكبرى .‏

وحسبما وصلني فإن إنتاج فيديو كليب لإحدى الأغاني لأحد المطربين المشهورين قد كلف مليون دولار في شركة محترفة، في حين أقصى كلفة عندنا لم تتجاوز مائة دولار، ما يصل بي إلى النتيجة الخامسة : "أغنيتنا تعاني من إفلاس على صعيد الإنتاج".‏

ومن هنا أرى كإجابة عن أسئلة المقدمة : أن أغنيتنا تعاني من صمم وبكم وكساح وربو وحتى أترك أملا للأجيال القادمة أرجو ألا تصاب بالتهاب كبدي.

 

المصدر : جريدة الفرات السورية