موسيقى النوبة : الخصوصية والتحولات

. مقالات

باسم توفيق

في الموسيقى لا يوجد أكثر خصوصية من خصوصية المكان؛ فالمكان هو الذي يشكل الذوق الموسيقى، ومن ثم تكون الموسيقى جزءاً من تراث المكان.. لهذا يمكن استخدام تعبير الجغرافيا الموسيقية، إذا جاز هذا التعبير كأساس لتصنيف الموسيقى حسب الأبعاد المكانية. ومن هذا المنطلق فإن موضوعنا اليوم هو موسيقى مكانية لمكان وتراث متميز للغاية، بل ونستطيع أن نقول إنها تقترب من مصطلح حضارة مستقلة، على الرغم من صغر مساحتها.. موضوعنا اليوم موسيقى "بلاد الذهب".. النوبة المصرية وعمق الجنوب وحفيف النخيل.. بمناسبة إعداد بلدية سالزبورغ بالنمسا ليوم الموسيقى النوبية الذي سوف يكون في الثاني من مايو هذا العام، وتحتفي فيه بموسيقى النوبة ضمن خمس موسيقات إفريقية شهيرة.

 وليس غريباً أن يطلق أهلها عليها "بلاد الذهب"؛ فهي في الماضي كانت مصدراً للعديد من الثروات والخيرات في جنوب مصر؛ حيث يتدفق منها النيل في رحلته الطويلة آتياً من عمق إفريقيا السمراء، وحيث يهدأ عند شلالاتها وجنادلها، وحيث تنمو أشجار النخيل وينمو أيضاً الذوق والفن في سمرة الأرض والوجوه

نشأت الموسيقى عند شعب النوبة منذ أكثر من 4000 عام؛ حيث كانت مملكة النوبة والتي كان يحكمها فراعين الجنوب، وحيث نمت وتقدمت وكان منها فراعين حكموا مصر الموحدة كلها مثل الملك شاباكو. وهناك بدأت الموسيقى القبلية التي كانت تميز موسيقى الفراعنة في منطقة الجنوب بداية من الأقصر وحتى الجندل الثاني، واختلطت بموسيقى الشمال وتطورت واستخدمت نفس الآلات الحديثة مثل الهارب إلى جانب الآلات الشعبية، واستمر هذا التطور حتى العصر البيزنطي، فدخل الإنشاد القبطي إلى النوبة، ودعمه تلك الآلات الإيقاعية التي لم تفارق هذه النوعية من الموسيقى مثل الدف والصنج النحاسية، وكان لعصر الإنشاد تأثير استمر طويلاً في غناء وموسيقى النوبة لأنه بعد الفتح العربي أصبح هذا الإنشاد باللغة العربية ولغة أهل النوبة وهي لغة خاصة يهم، يتكلمون بها، ويطلقون عليها "اللغة النوبية غير أنها لا تكتب.

ويعتبر السلم الخماسي أهم ما يميز موسيقى أهل النوبة مثلهم كمثل معظم الموسيقات ذات الأصول الإفريقية، حتى أن البعض يعتبر الموسيقى النوبية جزءاً من موسيقى الريجي أو العكس، لكن لنا تحفظا على هذا الاعتقاد؛ فموسيقى الريجي تختلف اختلافاً كبيراً عن موسيقى النوبة، لكن ما يقارب بينهما هو السلم الخماسي والاتكاء على آلات إيقاعية بعينها.

تعتبر الموسيقى النوبية موسيقى فولكلورية بشكل كبير؛ لأن النوبة كما قلنا آخر أجزاء مصر التي دخلها الإسلام متأخراً فأصبحت إسلامية بشكل كامل في نهاية القرن الرابع عشر الميلادي؛ لذلك يعتبر تأثر الموسيقى النوبية بالموسيقى العربية تأثراً طفيفاً جداً حتى قبيل منتصف القرن العشرين، وهذا السبب أيضاً الذي جعلها في سياقها أقرب للموسيقى الإفريقية منها إلى الموسيقى العربية.

 وعندما صنفت الموسيقى النوبية كنوع من أنواع الموسيقى العربية في ستينيات القرن العشرين ــ وكان ذلك بسبب مجهودات العديد من الملحنين، أواخر السبعينيات ــ أصبحت مسموعة في كل البر المصري سواء جنوبه أو شماله، ويعود ذلك كما قلنا لمجهودات ملحنين وموسيقيين بعينهم مثل الرائد حمزة علاء الدين والمعروف بحمزة الدين وعبقرية الموسيقى النوبية الفنان العظيم أحمد منيب والذي كان له الفضل في أن تصدح موسيقى النوبة بالصوت العربي والموسيقى المهجنة بين التراث النوبي والموسيقى العربية.

يدور نقاش كثير حول نقطة النقل والتحول الشديدة في الموسيقى النوبية، وهي إدخال العود للموسيقى النوبية؛ حيث إن إدخال هذه الآلة العربية كانت نقله نوعية وتقنية بكل المقاييس، وتبعها إدخال آلات أخرى، لكن ظل العود هو محور تعريب الموسيقى النوبية.  والنقاش دائر حول من كان أول من أدخل هذه الآلة للموسيقى النوبية هل هو حمزة علاء الدين الموسيقى النوبي العالمي أم هو أحمد منيب عبقري النوبة الأشهر؟

الحقيقة أن محاولات حمزة علاء الدين لتدجين الموسيقى النوبية بالموسيقى العربية مجهولة التاريخ؛ فالبعض يرجعها لأوائل دراسته الموسيقى العربية في القاهرة في أربعينيات القرن العشرين.  لكن الحقيقة أن وجود حمزة علاء الدين – كما يعرف في أوروبا وأميركا معظم حياته جعلنا نجهل العديد من مجهوداته الموسيقية، لكن أحمد منيب علامة ظاهرة ومحلية للغاية مما يجعلنا نميل إلى تصديق الرأي الذي يقول إن أحمد منيب هو أول من أدخل العود للموسيقى النوبية، والدليل على ذلك أن معظم الألحان الشهيرة - المعاد تلحينها على العود - تعود لأحمد منيب.

ولد أحمد منيب في 4 يناير عام 1926. وقد عاش مخلصاً لذلك الشجن النوبي الصافي، فكان من أوائل من أهتم بإدخال العود في النوبة، وقدم مع الشاعر محيى الدين شريف أغاني نوبية تتكون من قالب الأغنية الحديثة - مذهب وكوبليهات- حيث كانت الخميرة الموسيقية النوبية قبل هذا التعاون وليدة الممارسات الاجتماعية لدى أهل النوبة وجزءاً من طقوسها الشفاهية، فهي مجرد أغان تتوارثها الأجيال بتنويعات لحنية ثابتة في الأفراح وحفلات الميلاد وأغنيات العمل.

وكانت عين الشاب أحمد منيب في هذا التحول متجهة نحو الشمال، بحثاً عن توليفة تمزج الموسيقى النوبية التي لا يفهمها أهل الشمال بالموسيقى الشرقية المسيطرة شمالاً. وهل هناك أفضل وأنسب من العود كآلة قابلة لهذا التوليف، فالنوبة عرفت الطنبور، وهو آلة وترية قديمة ذات جذور فرعونية، أما العود وهو أساس القالب الشرقي، فكان مهمة العازف الشاب الذي ابتدع من خلاله وصلة مزجت الخماسي الإيقاعي الإفريقي بالشرقي الطربي، وكان المفتتح لذلك هو الشجن الذي حوّل الخماسي الراقص في نسخته الإفريقية إلى موسيقى حزينة ذات إيقاعات شرقية.  وانضم الملحن الشاب لفرقة زكريا الحجاوي؛ حيث استمرت جولته معها عامين جاب فيها كافة أنحاء مصر، فاجتمعت له ناصية الثقافة الموسيقية الشرقية وتلوناتها الشعبية إلى ما يكتنزه أصلاً وتختزنه أذنه وذاكرته الموسيقية من موسيقي النوبة.

لكننا نقول إن أحمد منيب ظل مغموراً نوعاً ما حتى السبعينيات ــ وهي الفترة التي غابت فيها شموس الفن الكبرى مثل عبد الحليم حافظ وأم كلثوم ــ حتى يبحث المستمعون عن مساحة حرة للاستماع مما هيأ لأحمد منيب فرصة للظهور كملحن ومغنٍ أيضاً.  حينها التقى أحمد منيب مع الشاعر عبد الرحيم منصور، ذي التجارب الناجحة مع عفاف راضي ابنة السبعينيات المدهشة، ليمتزج اللحن الحزين بالكلمة الثرية المهمومة القادمة من عمق الصعيد المجهول لأهل القاهرة خصوصا وللمصريين غير النوبيين عموماً، فيما عدا مؤسسة عبد الرحمن الأبنودي التي داعبت أحلام مطرب الثورة (عبد الحليم حافظ) وزعيمها الخالد (جمال عبد الناصر).

كان للحن والكلمة أن يختارا صوتهما الخاص، فكان محمد منير عام 1978 منجز هذه الترويكا المغامرة والغامضة، وأخضع الموزعان هاني شنودة ويحيي خليل تلك الثورة العِرْقِيَّة الموسيقية والغنائية للمسات غنية بالتوزيع الحديث.

وكان هاني شنودة صاحب تجربة غناء فرقة المصريين وثورة آلة الأورغ الكهربائي، ويحيي خليل ملك جاز سبعينيات القرن الماضي الإيقاعي ذو الثقافة العالمية، لتبدأ مسيرة النجم محمد منير ومن حوله جيل الثمانينيات.


استطاع ثلاثي تلك التجربة (أحمد منيب، عبد الرحيم منصور، محمد منير) أن يُدخِلوا، ولأول مرة، الثقافة النوبية إلى كل بيت وأسرة مصرية؛ حيث انتزعوا اعترافاً متأخراً بثقافة عانت قروناً من التغييب والتعالي الرسمي.  وكان ظهور ألبوم محمد منير الشتوي، عاماً بعد عام، ومنذ بداية الثمانينيات هو موعد أبناء جيل واحد للتغني بأحزان المدينة وغربتها، جيل لم يعش يوماً في النوبة وإن توحد مع اغتراب أهلها في القاهرة، جيل ربما لم يعرف الغربة لكنه بألحان أحمد منيب استشعر الحنين للماضي التليد وللوطن وللذكريات؛ فهو جيل لم ير النوبة، لكنه تمثلها في هذه الألحان على العود والدفوف. 

أما بالنسبة لحمزة علاء الدين، القطب الثاني للموسيقى النوبية، والذي بفضله انتشرت هذه الموسيقى عالمياً، إذ كان موسيقياً ومطرباً نوبياً وعازفا على العود وآلة التار النوبية، فقد برع في العزف على العود حتى أصبحت له شهرة عالمية ولكنها للأسف لم تصل إلى مصر بلده بعد؛ فقليل جداً الذين يعرفون حمزة علاء الدين أو حمزة الدين وهو اسم شهرته في الخارج.

ففي بدايات حياته عمل مهندس كهرباء، ولكنه بعد فترة من اشتغاله في الهندسة اتجه بعيداً عنها؛ فبدأ بدراسة الموشحات ثم اتجه لدراسة آلة العود والموسيقى العربية.

وأكمل حمزة الدين دراسته في أكاديمية سانت شيشيليا بروما، حصل بعدها على منحة لدراسة الموسيقى الغربية في الولايات المتحدة الأميركية.

عاد حمزة إلى بلدته وأخذ يعزف لأهله على آلة العود، التي لم تكن مشهورة هناك.  وانتقل من قرية إلى قرية على ظهر حمار يجمع الأغاني النوبية القديمة ويعزف على العود بعضاً من الموسيقى العربية.  لقد اعتبر حمزة الدين أبا الموسيقى النوبية بعد أن أنقذها من الاندثار والنسيان.

استقر حمزة الدين في الولايات المتحدة وجذب أداؤه وعزفه انتباه وإعجاب الكثيرين من المطربين والفرق.  وفي عام 1964، سجل حمزة أول ألبوم له في إطار موسيقى النوبة.  كما قدم أول حفلة بالعنوان نفسه.  وفى العام 1968، سجل ألبومه "إسكاليه" أو الساقية بالنوبية فاكتسب شهرة وصيتاً ذائعاً في الغرب، كما وضع الموسيقى التصويرية لفيلم الحصان الأسود للمخرج فرانسيس فورد كوبولا.

تولى حمزة العديد من مناصب التدريس كمؤلف موسيقى ومدرس للموسيقى العرقية في الفترة من 1980 إلى 1990 في العديد من الجامعات الأميركية ومنها جامعة أوهايو وجامعة واشنطن وجامعة تكساس.  وفى ثمانينيات القرن الماضي، أقام حمزة لفترة في اليابان؛ حيث كان قد حصل على منحة دراسية سمحت له بدراسة أوجه الشبه بين آلة العود الشرقية وآلة بيوا اليابانية التي تشبه آلة العود.

شارك حمزة الدين في العديد من المهرجانات الدولية، وقد أصدر ألبومه الأخير عام 1999م بعنوان أمنية، وكانت زيارته الأخيرة إلى مصر في العام 2000 في ندوة أقيمت في دار الأوبرا المصرية.

 

المصدر : جريدة الوطن القطرية