متلبس بالمتعة. الفنان فيصل علوي

. مقالات

  رفيق سعد العكوري

مدير مركز التراث الموسيقي اليمني

 

لايأتي ذكر الفن في لحج إلا ويذكر اسم الفنان فيصل علوي. ولا يأتي ذكر فيصل إلا ويدور الحديث عن الفن في لحج.

وفيصل علوي من الفنانين الكبار التي ارتبطت اغانيهمبأفراح اليمنيين في معظم ارجاء اليمن؛ إذ أنه احد أشهر مطربي حفلات الزواج (الأعراس) أو مايعرف في أغلب المناطق الساحلية المنية بـ"المخادر" (جمع مَخْدَرَة) والتي يمكن اعتبارها مسرحا شعبيا جماهيريا،غنى وتنافس فيها كبار فناني اليمن أمثال الفنان أبراهيم الماس ومحمد عبيد القعطبي فضل محمداللحجي وصالح العنتري، وغيرهم من عمالقة الفن في فترة الخمسينايت والستينيات، ومضى على نهجهم الفنان فيصل علويوالذي غنى أروع أغانيه في تلك (المخادر) وسط جمهوره ومحبيه.

مع ظهور أشرطة الكاسيت انتشرت اغاني فيصل في حفلات الزفاف والأعراس في اغلب مناطق اليمن،فلا تكتمل الأفراح إلا بصوت فيصل وهو يشدو ويطرب الحاضرين بأغنية (ياورد يا كاذي) التي كتب كلماتها ولحنها الأميراحمد فضل القمندان، فقبل أيام من العُرستصدح أصوات المكبرات من منزل العريس والعروس بالأغاني الراقصة وعلى رأسها أغاني فيصل علوي التي تنال من تلك الأغاني نصيب الاسد.يجتمع الرجال في منزل العريس والنساء في منزل العروس وما ان يرتفع صوت فيصل حتى تبدأ الأجساد في الاهتزاز والتمايل طربا، وينهض بعضهم لأداء رقصة الشرح اللحجية بحماسة، قل أن تجدها في الرقصات الأخرى؛ وحتى حين يحيي حفلة  العرس فنانا آخر، فأنه وفي سبيل تحميس الضيوف يؤدي احدى أغاني فيصل علوي محاولا تقليد أسلوبه المتميز والفريد.

شق فيصل درب نجاحه، بكل صبر،وبجهد كبير؛حتىصار أحد أهم فناني الاغنية في لحج و اليمن، مبدعا أسلوب خاص به، ذاع صيته في كل ارجاء اليمن وخارجها، وأصبح له عشاق وجمهور من كل ارجاء الوطن العربي. أحيا حفلات كثيرة في معظم الدول العربية، كما بُثت أغانيه في الكثير من القنوات والإذاعات. برع فيالعزف على آلة العودالذيعزف عليهبإصبعين أو ثلاث أصابع بطريقة مميزة وفريدة.حتى انه يراقص العود و يكاد يُنَطِّقُه؛ كان فيصل يمزج ألحانه بأحاسيسه، حتى  يبلغ ذروة الانتشاء، فيعزف وهو يضع العود على رأسه،وكأنما تلبسته المتعة، وسمت بروحه فراح يدور كمريد صوفي في حفلة زار، باعثا المتعة في كل من حوله.

ترقى الفنان فيصل علوي في مراتب الفن حتى ليعده البعض خليفةالقمندان، بل أنه أفضل وأشهر من غنى الفن القمنداني، كما ويعده الكثيرون خليفة الفنان الكبير فضل محمد اللحجي ويستدلون على ذلك بتأثر أبو باسل الواضح بعزف فضل اللحجي، وبأنه كان يقلده في بداية مشواره الفني حيث أهداه الفنان اللحجي عوده الخاص،قائلا هذا سيكون خليفتي؛ لكن الواضح الجلي بأن فيصل شق لنفسه درباً خاصا وُكوّن مدرسته المتفردة (ذاعت باسم الفيصلية) وصار له مريدين وتلاميذ، منتهجين أسلوبه وطريقته في الغناء والعزف.

فيصل علوي أو أبى باسل كما يكنيه محبيه ومعجبيه فنان متفائل محب للحياة مكافح نشيط مثابر، يتبدى كل ذلك من خلال أغانيه وأسلوب عزفه الفريد على آلة العود؛ فلا مكان للحزن والتشاؤم في حياته، رغم المآسي التي عاناها منذ رأى النور, ولد فناننا الكبير في العام (1949م) في أسرة بسيطة في قرية "الشقعة" بلحج، وتوفي جميع أفراد أسرته في عام واحد  بمرض الجدري، حينما كان لا يزال طفلا، وربما هذا هو ما دفعه للزواج في سن مبكرة، مبقيا على نسل والده الفنان علوي مستمرا؛ فسمى أحد أبنائه بعلوي تيمنا بوالده الذي لم يعرفه والذي نهج نفس نهج ابيه وجده في الفن والغناء. تزوج وهو في الخامسة عشرة من العمر، من امرأة اختارها لتكون رفيقة حياتهفانجبت له خمس ابناء اولهم باسل ابنه البكر الذي اصبح ابو باسل هو احب الالقاب اليه ، ومن ثم ابنه فهيم و فارض وعلوي وابنة وحيده اسماهاعهود

عشقابو باسل الغناء منذ نعومة أضافره،إذ التحق بالندوة اللحجية وهو في سن التاسعة من عمرة في ِالعام 1958م، وأعجبت لجنة التحكيم بصوته وأدائه،و كان يرأسها حينها صلاح ناصر كرد الذي يعود له الفضل الاول في دعمه وتشجيعه؛وقد غنى له فيصل فيما بعد الكثير من الأغاني.

ظل فيصل علوي يغني في الحفلات التي تقيمها الندوة اللحجية إلى أن بثت إذاعة عدن في نفس عام التحاقه  أول أغانيه (بسالك عن الحب) من كلمات أحمد عباد الحسيني وألحان صلاح ناصر كرد،لاقت رواجا وصدا واسعا .

ما بين (1963م-1967م)انتدب الى الندوة الفضليةبأبين،بطلب من سالم ربيع علي، حتى إذا ما قرر فيصل العودة الى لحج،أوعز إليه الرئيس سالمين بأن يغني أغاني وطنية فقدم فيصل أول أغانيه الوطنية وعمره لا يتجاوز الخامسة عشر (الاستشهاد غاية كل مدرم). انتقل فيصل بعد ذلك الى ندوة الجنوب حيث التقى بالفنان الكبير فضل محمد اللحجي رئيس الندوة، والذي علم فيصل العزف على العود والكمنجة. وفضل اللحجي يعد بحق أستاذ فيصل، وقد تأثر بأسلوبه لفترة طويلة، قبل أن يشكل لونه الخاص حتى أنه كان عضواً في فرقة تبن الذي أسسها الفنان الكبير فضل محمد اللحجي عام (1962م). استمر الفنان فيصل في فرقة تبن الى ان أصيب الوسط الفني في اليمن بفاجعة مقتل الفنان فضل اللحجي عام (1967م). أخذ فيصل بعد ذلك في الغناء من كلمات وألحان كبار الشعراء والفنانين أمثال عبد الله هادي سبيت وصالح نصيب وصلاح كرد وعلي الكيلة ومحمد سيف ثابت.

  أوائلعقد السبعينات من القرن المنصرم بدأ اهتمامه بالفن القمنداني، وبدأ يبحث وينقب عنه، فذهب إلى الشاعر مسرور مبروك، ومكث معه ردحا طويلا من الزمن، أخذ عنه من خلال جلسات مطولة،استفاضا فيها في البحث والتنقيب عن أغاني المؤسس الأمير أحمد فضل القمندان وغنى مجموعة من أغاني القمندان مثل ياورد يا كاذي ، وسلام مني عليكم, وعلى الحسيني السلام، وغيرها من الأغاني والتي أجاد في إداءها أفضل إجادة، وكان أفضل من غنى للقمندان ، لتكون هي طريقه أيضا إلى الشهرة والانتشار.

فيما بعد إتجه الى التلحين وكانت أولى ألحانه أغنية (فوش له قلبي صبر). بعدها قام بتلحين العشرات من الأغاني.

في السبعينات أنشأ فرقة خاصة، بمرافقة الايقاعيين فضل ميزر وبدر كندش،أحيت الكثير من الحفلات رسمية أوفي "المخادر"داخل الوطن أو في الخارج، خاصة في دول الخليج العربي تميزت بحضور جماهري منقطع النظير، حتى أن الدفاع المدني اضطر الى التدخل في احدى حفلاته في المملكة العربية السعودية لتفريق جمهوره الذي رفض مغادرة القاعة. ومن هنا أصبح له جمهوره العربي والخليجي، وبدأت الكثير من قنوات تلك الدول في إذاعة أغانيه؛ وأجرت معه عدة مقابلات تلفزيونية.

في رحلاته الفنية تلك قابل العديد من عمالقة الفن العربي وكان أحبهم إليه هو الفنان الكبير فريد الأطرش الذي قابله في جلسات فنية خاصة، غنى وعزف فيها أبو باسل أغاني يمنية لحجية انطرب لها فريد كثيرا؛ وربما يكون إعجابه بالفنان فريد الاطرش دون غيره من الفنانيين الذين قابلهم يعود إلى عشق فيصل لآلة العود الشرقي.

بالرغم من تفرده بأداء الأغاني اللحجية إلا أن فيصللم يكتف بذلك، وقام بأداء عدة أغاني من ألوان مختلفة معظمها في جلسات خاصة إذأنه غنى اللون الصنعاني واللون الحضرمي، بل وغنى صحبه معشوقه العود لأم كلثوم، وغنى باللهجة السودانية واللغة الحبشية.

قبل وفاته تعرض لوعكة صحية نقل على إثرها الى المستشفى، وكان الملاحظ في خلال مرضة هو تفائلة وابتسامته الدائمة التي لم تفارقة. توافد لزيارته في المستشفى الكثير من محبيه ومعجبيه من جميع الدول العربية، مما كان له أثر ايجابي على حالته النفسية في أواخر أيامه

توفيفنان اليمن فيصل علويفي (7-2-2010م) في خور مكسر بمدينة عدن اثر جلطة اصابته في الدماغ، لكنه بقي حيا في قلوب جمهوره ومحبيه، وبقى أسلوب فيصل في العزف والغناء مدرسة يتعلم منها معظم فناني الجيل الحالي والأجيال اللاحقة حتماً.