تحليل لأغنية قارئة الفنجان لعبد الحليم حافظ

. مقالات

د. اسامة عفيفي

إجمالا نستطيع القول بأن لحن قارئة الفنجان عبارة عن تشكيلة من الألحان، فيها الحديث والتقليدي والسريع والبطيء والشرقي والغربي والمطرب والتعبيري، كل منها لها شخصيتها المستقلة وطابعها الخاص. وقد مزج محمد الموجي كل ذلك في لحن طويل يصعب أن يحتفظ بنفس النسيج من التناول اللحني والمقامي والإيقاعي والتعبيري، لكنه نجح في ربط المقاطع بطريقته الخاصة بحيث تكون عملا واحدا.

 

 

وكما فى اللحن الغنائي جاءت المقدمة الموسيقية المكونة من أربع حركات أيضا مصطبغة بنفس الصبغة .. “التشكيلة”.

 

على الرغم من تتابع حركات المقدمة، لم تشر أي حركة منها إلى طابع ما يليها أو إلى طابع عام يربط الحركات الأربع، خاصة أن كلا منها تقريبا في مقام موسيقي مختلف، ولذا تُسمع وكأنها أربع موسيقات مستقلة، وهنا يظهر الاختلاف التام عن تلك المقدمة المترابطة البناء في "رسالة من تحت الماء"، وعلى هذا لا يمكن أن تصنف تحت الأعمال الموسيقية الآلية.

 

المقدمة الموسيقية

تنقسم إلى أربعة مقاطع رئيسية:

 

الحركة الأولى، من ثلاثة أجزاء:

-       جمل حرة تمهيدية بسيطة على مقام الكرد المصور على النوا (مشتق من النهاوند)

-       جمل بسيطة موقعة على نفس المقام.

-       جمل حرة تعبيرية غير ميلودية قصد بها الإيحاء بجو السحر والسحرة باستخدام أصوات غريبة تصدر من الأورغ والغيتار.

 

 

الحركة الثانية:

تبدا بجمل لحنية تصاعدية إلى قمة السلم تتبعها جمل متتابعة تنازلية تقليدية على مقام النهاوند بإيقاع بسيط.

 

الحركة الثالثة:

هذه الحركة من أجمل ما قدم محمد الموجي كموسيقي، فهي في غاية الحداثة ليس فقط بالنسبة لجو الأغنية السائد بل لجو ألحان الموجي نفسه وألحان الشرق بصفة عامة، فهي تتخلى عن وضوح الميلودي لصالح التعبير عن الموقف النفسى للنص، ومع تغيير المقام إلى الماجير المرتكز على أساس المقام الأصلي، تستخدم إيقاع 6/8، بالإضافة إلى استخدام تآلفات هارمونية مصاحبة وهي حالة نادرة في الموسيقى العربية، ولا أدرى لماذا تذكرني هذه الحركة بموسيقى عتاب التي ألفها عبد الوهاب في ثلاثينيات القرن الماضي لكنها تحمل نفس الروح في بعض لفتاتها.

 

الحركة الرابعة:

حركة تقليدية تماما، وهي إن كانت راقصة ومبهجة فإنما تنفصل تماما عن سياق اللحن وتدخله الشرقية المطربة، ولا يعفيها من ذلك استخدام الأورغ في أداء الميلودي.

 

يعود لحن المقدمة بعد هذا إلى استحضار جو الشعوذة بإعادة نفس المقطع التعبيري والجمل غير الميلودية من نهاية الحركة الأولى،وهي من الأدوات التعبيرية الناجحة التي استخدمها الموجي ببراعة، ومهدت بالفعل إلى موقف النص الدرامي والنفسي: قارئة الفنجان تقرأ المجهول.

 

وكما ذكرنا فعلى الرغم من تتابع هذه الحركات لم يربطها طابع عام، وباعد بين أجوائها اختلاف مقاماتها وإيقاعاتها.

 

اللحن الغنــــائي

المقطع الأول:

يبدو أن الموجي قرر إرجاء استخدام الدراما اللحنية إلى بداية الغناء حيث أن النص يقدم صورة درامية واضحة في بدايته.  في المقطع الغنائي الأول جزءان أولهما هرمي البناء على مقام النهاوند (صاعد هابط):

“جلست والخوف بعينيها .. تتأمل فنجانى المقلوب .. قالت يا ولدى لا تحزن .. فالحب عليك هو المكتوب”.

والثاني تقليدي على بيات النوا:

“يا ولدي قد مات شهيدا من مات فداء للمحبوب” ويتدرج بعدها إلى الهدوء لينتهي في أعلى مقام النهاوند بكلمة يا ولدي.

المقطع الثاني:

بعد تمهيد موسيقى مميز يستخدم فيه جملا سريعة متتابعة على المقام الأصلي يستمر الغناء على نفس الإيقاع السريع المصاحب للموسيقى، وهذا الأسلوب ليس أسلوبا شائعا في الموسيقى العربية بوجه عام وهو يذكرنا بالكوبليه الثاني في أغنية موعود من ألحان بليغ حمدي لعبد الحليم قبلها بسنوات (تاني تاني .. راجعين للحب تاني).

“بصرت ونجمت كثيرا .. لكني لم أقرا أبدا .. فنجانا يشبه فنجانك”.

“بصرت ونجمت كثيرا .. لكني لم أعرف أبدا .. أحزانا تشبه أحزانك”.

 

اللحن هنا يميل إلى التعبير أكثر من الطرب، وقد سار على إيقاع “الملفوف” السريع، ولا مجال هنا للتطريب مع هذا الإيقاع ولذا تتابع كلمات النص الشعري دون تطويل أو تلوين، وهو هنا يتبع الأسلوب الحديث فى تلحين القصيدة، ولا شك أن الموجي وفق كثيرا في ذلك المقطع بالخروج عن التقليدية، ويحتفظ لحن المقطع الثالث بإيقاعه إلى أن يعود تدريجيا في نهايته إلى الهدوء المثير مع العودة إلى كلمة يا ولدي

 

المقطع الثالث:

بدأ أيضا بلازمة موسيقية خاصة به ومن مقامه ، لكن هذا الجزء يتبع ألحان الموجي التقليدية في مقام شرقى خالص هو الهزام ويستحضر خبرة الموجي القديمة ونجاحاته السابقة في هذا المقام ثم يعود بعد إيقاع راقص بنفس طريقة العودة في المقاطع السابقة إلى الهدوء وإلى المقام الأساسي ، النهاوند.

نلاحظ سير النص على طريقة المونولوغ أي الاسترسال بلا مذهب وكوبليهات، إلا أن الملحن استعمل تكرار كلمة يا ولدي في نهاية المقاطع كبديل للمذهب حيث استخدم نفس اللحن كلما جاءت كلمة يا ولدي وكأنه رجع إلى البداية.

 

المقطع الرابع:

التمهيد الموسيقى يقلب المقام من "مينير" إلى "ماجير" على نفس درجة الركوز وعلى إيقاع سريع أشبه بالسامبا.

 

المفاجأة هنا أن هذا التمهيد لم يوظف عند بدء الغناء وبدا منفصلا تماما عن الجو الغنائي، إذ أن اللحن بعد هذه الموسيقى النشطة إلى حد الصخب يهدأ تماما ويدخل جواً قريباً من الجو التعبيري السابق بصوت الرنين المكتوم لآلة الأورغ ليبدأ غناء هادئاً لا يتصاعد بعدها حتى نهاية اللحن ويتحول إلى إيقاع مركب وجمل طويلة البناء تتماشى مع طول الشطرة الشعرية في تقليدية تامة للحن والأداء تعود بنا إلى أربعينيات القرن العشرين خاصة في الجزء الثاني على مقام بياتي النوا المنتهي بجملة “وستعرف بعد رحيل العمر أنك كنت تطارد خيط دخان” ولا ندري كيف سار اللحن على هذا النحو البطيء حتى تخلص تماما من الإيقاع، هل كان الفاصل الموسيقى غير مناسب للمقطع الغنائي أم أن الغناء هو الذي لم يتناسب مع ما سبقه من موسيقى؟ يخرج اللحن من هذا في النهاية إلى الجملة الحرة ”ليس لها عنوان” أعلى السلم الأساسي النهاوند في نهاية درامية شبيهة بما وصلت إليها المقاطع السابقة.

 

صيغة “التشكيلة” في الميزان:

الحقيقة أن هذا النوع من المقدمات الموسيقية قد انتشر في تلك الفترة وراج لبعض الوقت ومارسه ملحنون آخرون مثل بليغ حمدي، محمد سلطان ، وآخرون من غير الصف الأول من الملحنين ، لكنه لم ينجح في اختبار الزمن، كان الملحنون يميلون إلى محاولة إبهار المستمع بكل الطرق لكن النتائج لم تكن فى أغلب الأحوال جيدة ، بل ويمكن اعتبار أن صيغة “التشكيلة” هي التي مهدت لسقوط الأغنية الطويلة في نهاية المطاف.

المصدر: موقع الموسيقى العربية