الموسيقى التّونسيّة في أعمال المنّوبي السّنوسي

. مقالات

رشيد السلامي

 

"لم يحظ الغناء و الموسيقى التونسيّان بعناية تضاهي تلك التي خصّ بها الباحثون الموسيقى العربيّة على وجه العموم، إذ كانت الدراسات فيهما ضنينة، إلى أن أتى المنّوبي السّنوسي فكتب ما نعتبره موسوعة الموسيقى التونسية."

 ولد المنّوبي السّنوسي بتونس في الخامس من فيفري (شباط) 1901، و زاول تعلّمه الابتدائي بمدرسة قرآنيّة أوّلا، ثمّ بالمدرسة التطبيقيّة، فرع دار المعلّمين بتونس ومنها نال شهادة انتهاء الدروس الابتدائيّة سنة 1915، ثمّ التحق بالمعهد العلوي مدّة خمس سنوات نال إثرها مؤهّل التّعليم الثانوي، و نجح في مناظرة دخول معاهد ترشيح المعلّمين سنة 1920، ولكنّه التحق، لظروف خاصّة، بخدمة البارون ديرلنجي كاتبا خاصّا به، و قال في جذاذة في سيرته الذاتيّة، و العهدة عليه، «إنّه في هذه الخدمة واصل بحوثه في الموسيقى التونسيّة، وجمع عناصر كتاب البارون الضّخم «الموسيقى العربيّة» بأجزائه الستّة، ثمّ طفق يدرس نظريّات موسيقى اليونان القديمة بين سنتي 1920 ـ 1939 حتّى تهيّأ له فهم مصطلحات المنظّرين العرب القدامى ذوي النزعة الهلينيّة في الموسيقى، و أتمّ بالتالي ترجمة أهمّ الكتب العربيّة الموسيقيّة إلى الفرنسيّة» كما ذكر أنّه بين سنتي 1959 و 1962 كتب عدّة مقالات في الموسيقى الفولكلوريّة و الأزياء التونسـيّة باللغتين العربيّة و الفرنسيّة.

عاش المنّوبي السّنوسي في قصر البارون منسّقا لكلّ أعماله، إلى أن توفّي البارون في سنة 1932، فتابع في خدمة البارونة، زوجته، مشرفا أساسا على تتبّع نشر أجزاء كتاب البارون الضّخم «الموسيقى العربيّة» إلى أن ماتت بدورها سنة 1961، ثمّ شرع المنّوبي في نشر دفق من المقالات و الدّراسات، و لعلّ أهمّها على الإطلاق برنامجه الإذاعي (طريقك إلى الموسيقى التّونسيّة)، وهو مائة وستّ وثمانون حلقة إذاعيّة أسبوعيّة ضمن برامج الإذاعة التونسية الدولية باللغة الفرنسيّة، امتدّت على ما يناهز الأربع سنوات (من جانفي أي كانون الثاني  1963 إلى فيفري أي شبط 1967).

وقد مثّل مجموع هذه البرامج ما يربو على اثنتين و ستين ساعة من الوثائق المسموعة، وألفٍ و خمسِمائةِ صفحة من الوثائق المكتوبة.  وعليه فهي دائرةَ معارف في الموسيقى التونسيّة وما يحـــوم حولها من المعارف الاجتماعيّة و الثقافيّة علاوة على أنها مدوّنة هامّة من المؤلّفات الغنـــائيّة الصّوتيّة جــــاءت ضمن مختلف الحلقات مدعّمة لمضامينها ومــوضّحة لهــا.

قسّمت حصص هذه البرامج إلى ستّ مجموعات هي:

-       الموسيقى الكلاسيكيّة أو المتقنة

-       الموسيقى الشعبيّة

-       المحطّ

-       إنشاد المسلمين الديني

-       الإنشاد الديني الشعبي

-       الموسيقى العسكريّة

 

المجموعة الأولى

أعني الموسيقى الكلاسيكيّة أو المتقنة فهي في ستّ وعشرين حلقة تضمّنت تمهيدا في التعريف بها ثمّ عرضا لأهمّ مكوّناتها:

-       النظام اللّحني العربي

 

-       المالوف أو الموسيقى الاتباعيّة [الكلاسيكيّة] الموجودة في التقاليد الأندلسيّة.

-       السلّم.

-       المقامات :

-       التعريف بها

-       مقامات الموسيقى التونسيّة [الأصليّة]: الرصد، الأصبهان، رمل الماية، الذيل، رصد الذيل، الماية، الحسين، الإصبعين، الرمل، النوى، العراق، الصيكة، المزموم.

-       مقامات الموسيقى التونسيّة [الفرعيّة]:الحسين صبا، المحير، عراق، المحير سيكاه، العرضاوي.

-       النظام الإيقاعي في الموسيقى العربيّة.

-       آلات الموسيقى المتقنة: العود، الرباب، القانون، الناي.

-       آلات الإيقاع: الطار، النقرات، الدربوكة.

-       أشكال مؤلّفات الموسيقى المتقنة.

-       النوبة، تركيبها: الاستفتاح، الأبيات، البطايحي، التوشية، المشدّ، البرول، الدرج، الخفيف، الختم.

-       الأشكال الملحقة بالنوبة: الأشغال، الفوندوات، العروبي، القصيد، البشرف.

المجموعة الثانية تتعلّق بالموسيقى الشعبية، وهي في اثنتي عشرة حلقة توزّعت على أربعة محاور:

-       الاحتفالات العائليّة بحاضرة تونس: احتفالات الزّواج وأغانيها الشعبيّة، الاحتفال بالولادة، التنويمات، الاحتفال بالختان.

-       الموسيقى الريفيّة: الغناء المصاحب بالقصبة، الغناء المجرّد، الغنّاية والأُدبة.

-       موسيقى الهواء الطلق: الثنائي طبّال/ زكار، و الثنائي بندير/ مزود.

-       ألحان الرقص الشعبي: السعداوي، الزقارة، الغيطة و الحِلّة، و رقصات أخرى: العلاجي و الجربي و بونوّارة و الفزّاني.

ونتبين ممّا سبق أنّ الموسيقى الشعبيّة خصّها المؤلّف بما يتعلّق بأغاني المناسبات في حاضرة تونس، وأنّ ما ورد فيها من الغناء الشّعبي الرّيفي، لا يمثّل عيّنات قليلة من جملة النماذج المتنوعة جدّا من الغناء الشعبي التّونسي، وربّما مثلت منتخباته ما أمكنه مشاهدته في الأرياف القريبة من حاضرة تونس.

المجموعة الثالثة:

المحطّ وهو برنامج حفل موسيقي «قعدة»، و قد قدّم لنا السّنوسي  إحدى و عشرين حلقة، أمثلة لنماذج من هذه الحفلات التي كانت تقام خاصّة في بعض المقاهي بتونس الحاضرة أواسط القرن العشرين، والملاحظ أنّ بعضها مشرقي تمثّل في وصلات من الموشّحات، وبعضها تونسي ضمّ بعض الأشغال و الفوندوات وبعض الموشّحات وجميعها في طبوع تونسيّة.

المجموعة الرّابعة:

تعلّقت بإنشاد المسلمين الديني، و تعتبر هذه المجموعة أهمّ المجموعات من حيث كمّها (89 حلقة) و محتواها، إذ تناولت مختلف أوجه التنغيم الذي يرافق الطّقوس الدينيّة عند مسلمي تونس الجاد منها كالأذان و الابتهالات و ترتيل القرآن، أو إنشاد مختلف الزوايا والأحزاب الدينيّة (الشاذليّة والقادريّة والعيساويّة والطيبيّة والتيجانيّة والسلاميّة والرحمانيّة والعلويّة والحشانيّة والعزوزيّة والمدنيّة)، وفيها وصف دقيق لمختلف ممارساتها وأمثلة لمدائحها غاية في الطرافة.

المجموعة الخامسة:

 خصّت الإنشاد الدّيني الشّعبي وهي من عشرين حلقة تحدّث فيها صاحبها عن:

-       الغناء الشّعبي المجرّد من الآلة (مجموعة أغان في الموقف، والمسدّس والقسيم).

-       الغناء المصاحب بالآلات الموسيقيّة: قصائد في مدح سيدي أبي سعيد، وسيدي صالح، والسيّدة المنوبيّة.

-       الأحزاب الدينية ذات النزعة الشعبيّة: الاسطنبالي، والربابيّة، ورجال الحمادة.

-       مجموعة من الغناء الشّعبي ذي النزعة الدينيّة كسلّاك الواحلين (المطربين الجوّالين المتسوّلين) أو المدّاحين عازفي الرباب.

و الملاحظ أنّ هذه المجموعة وإن وصفت بالشعبيّة، فهي تمثّل رصيدا لا يتعلّق بفئة اجتماعيّة معيّنة و إنّما هو رصيد لكلّ الفئات، إن ممارسة أو تقبّلا.

المجموعة السّادسة وموضوعها الموسيقى العسكريّة

وهي في ثلاث عشرة حلقة، وفيها تطوّر مجموعات النفير عند العرب.   وقدّم المنّوبي السّنوسي على هامش هذا البرنامج حصصا في إنشاد المناسبات الدينيّة، وهي ستّ حلقات تمثّل الأعياد الدينيّة التي يحتفل بها المسلمون في تونس:

-       عيد ميلاد السيّد المسيح

-       عيد الفطر

-       الحجّ

-       عيد الأضحى

-       رأس العام الهجري

-       عاشوراء

و قد بثّت كلّ حلقة في مناسبتها متضمّنة ما يناسبها من الإنشاد.

هذه نبذة موجزة عن موسوعة المنّوبي السّنوسي التي رأى فيها سبيلا إلى التعّريف بالموسيقى التونسيّة، وهي موسوعة جديرة باهتمام الباحثين ولا غنى لأحد عنها تعلّقت همّته بمعرفة هذه الموسيقى ودراستها.

المصدر صحيفة ليدرز