مراحل مميّزة في الموسيقى العربية

. مقالات

بهيج جبيلي

عندما اشتغلَ العرب بنقل العلوم في العصر العباسي، كان من بينها كتب الموسيقى اليونانية والهندية والفارسية، فتناولوها ودرسوها، حتى إنَّ العالِم الرياضي الخوارزمي اعتبر الموسيقىفي كتابه مفاتيح العلوم من العلوم الرياضية الأربعة وهي: الحساب والهندسة والموسيقى والفلك، كما إنَّ الكندي (توفي عام 834م) كتبَ سبع رسائل في الموسيقى.

وقد كان للعرب والفرس نظريات في الموسيقى كعلم وفنّ قبل أن يتأثروا بترجمة الكتب اليونانية في العصر العباسي. ولم يكن تطوّر الموسيقى العربية وليدَ المصادفة بل سبقه روّادٌ أوائل وضعوا اللّبـِنات الأولى لهذا الفنّ، وقد توافـرت له الرعاية والاهتمام، ففي العصر العباسي استطاعت الموسيقى العربية أن تتطور وتصل إلى أعلى مستوى بسبب ما حظي به الفنانون من الرعاية من قبَل الخلفاء العباسيين. ولما بنى المنصور (754 – 775م) مدينة بغداد أصبحت مقرّ الخلافة العباسية ومركز الشرق ومدينة الثراء، وموطن الفنون والعلوم وفي مقدّمتها الموسيقى, ووالى الخلفاء عنايتهم بالموسيقى حتى عُدَّ هذا العصر بحق العصر الذهبي للموسيقى العربية.

كان الغناء يزداد إتقاناً ويزداد نبوغ المغنّين والمغنيات منذ أواخر الدولة الأموية. وقد اشتُهر منهم عددٌ كبير. ولقد رعى الخليفة العباسي المهدي (775 – 785م) هذا الفن وأحضر إليه المغني سِياط المكّي (739- 785) صاحب الصوت الشجي الجميل.

ابراهيم الموصلي

من أشهر المغنين إبراهيم الموصلي (742 – 804م) وُلد في الكوفة ثمَّ رحل إلى مدينة الموصل حيث تعلَّم الفنون الأولى للموسيقى، ثمَّ سافر إلى فارس وهناك اطّلعَ على الفن الفارسي ثم قصدَ مدينة بغداد حيث تتلمذ على يد معلّمه سياط. لقد غدا إبراهيم الموصلي، بعد أستاذه، إمامَ الموسيقى الكلاسيكية عند العرب. ويقال إنه أول مَنْ ضبط الإيقاع بالقضيب لإرشاد الموسيقيين، وقامَ بتلحين وغناء ما يقرب من 900 لحن.  جاء هارون الرشيد (786م) بعد المهدي فاستلحق الموصلي به واتخذه نديماً ومنحه 150 ألف درهم وكان يصله بعشرة آلاف درهم كل شهر.

اسحق الموصلي

أما إسحق بن إبراهيم الموصلي (767 – 850م) فقد كان من نـُدماء المأمون والمتوكّل، وكان عميدَ أهل الموسيقى في عصره، وقد برعَ في الفقه والشعر والأدب. ومن شدة براعته في الغناء يقال إنه حضر يوماً في مجلس الرشيد، وأقيمت بينه وبين فناني البلاد مناظرة في الغناء وكان بينهم إبراهيم بن المهدي وإبراهيم الموصلي والد إسحق وابن جامع وغيرهم.  ولما جاء دور إسحق أفرحَ القلوب وأطربَ النفوس لدرجة أنَّ هارون الرشيد قال عنه: "ما الغناء الذي يُليّن العريكة ويُفسح في الرأي والصدر ويُحدث في النفس طرباً إلا غناء إسحق".

أما آثاره في مجال الموسيقى، فقد أكملَ سيرة والده واكتشف القواعد الدقيقة للغناء.  وقد ادّعى إسحق كما ادّعى أبوه من قبل، وكما ادّعى زرياب في ما بعد أنَّ الجنّ كانت تلهمه الألحان.  ومن أساتذة إسحق الموصلي منصور زلزل وقد اشتهر ببراعته في العزف على العود.

الكندي

الكندي (توفي عام 874م) ولد في البصرة وتلقى علومه في بغداد حيث تمكّن من دراسة العلوم المنقولة من الكتب المترجمة من اليونانية والسريانية والهندية. اشتهر في مجال الأدب والفلسفة والطب والهندسة والفلك ولقـِّب بفيلسوف العرب. وقد ظهر في كتبه أول معالم الأثر اليوناني. وفي مجال الموسيقى له مؤلّفات عديدة مثل كتاب "رسالة في الإيقاع".

الفارابي

الفارابي (المتوفى عام 950م في دمشق) ولد في مدينة فاراب ثم انتقل إلى بغداد وتعلّم الفلسفة ثمَّ العلوم الإغريقية على يد معلّم يسمى (يوحنا بن خيلان).  ظهرت براعته بشكل واضح في العزف على العود بمهارةٍ كبيرة. سمع عنه سيف الدولة الحمداني، أمير الدولة الحمدانية، في ذلك الوقت فدعاه للإقامة هناك. ومن أشهر مؤلفاته الموسيقية "كتاب الموسيقى الكبير" وكتاب في "إحصاء الإيقاع" وهو أول مَنْ خصَّص دراسة مفصَّلة للآلات الموسيقية.  تُرجمت معظم كتب الفارابي إلى اللغة اللاتينية وقد أطلق عليه العرب لقب المعلّم الثاني بعد أرسطو. بحثَ الفارابي في الموسيقى من الوجهة النظرية،

إبن سينا

ويمكن أن نعدد بين الموسيقيين الكبار الشيخ الرئيس الفيلسوف أبا علي الحسين بن عبد الله ابن سينا، فعدا عن كونه عَلمَاً من أعلام زمانه في جميع العلوم، فقد كان من كبار علماء الموسيقى في زمانه وأوسع معاصريه عِلماً بها.

زرياب

ثمّ نصل إلى زرياب الذي يُعتبَر أشهر الموسيقيين في الدولة العباسية. وسبب تسميته بهذا الاسم يعود إلى الشبه الكبير بينه وبين طائر أسود يغرّد تغريداً جميلاً، إضافة إلى أنه كان أسودَ اللون. ويُعدّ أحد موالي الخليفة العباسي المهدي.  عاش زرياب في بغداد وتتلمذ على يد إبراهيم الموصلي وابنه إسحق الموصلي، كما تأثر بزلزل أشهر عازف على العود في الدولة العباسية.لقي اهتماماً كبيراً عند هارون الرشيد بسبب ما يتمتع به من المهارة في العزف والغناء وفصاحة اللسان، مما أثار حفيظة أعدائه وكان أولهم معلّمه إسحق الموصلي وقد صرَّح له بكرهه وأنه يجب عليه اختيار إما الرحيل وإما توقع أن تناله يد الغيلة ، فقرر الرحيل متوجِّهاً إلى المغرب الأقصى ثم إلى الأندلس.

وفي الأندلس قام زرياب بتحسين صناعة العود، فقد أضاف للعود وتراً خامساً واستخدم ريشة في العزف على العود مأخوذة من ريش النسر، ثم قام بجمع الكثير من الآلات الموسيقية مثل آلات الإيقاع والرّبابة التي طوّرها الغرب فيما بعد وعُرفت باسم الكمان. ثمَّ قام بافتتاح معهد موسيقى في مدينة قرطبة. وتقديراً لجهوده، قام الأمير الأندلسي ببناء دار سُمِّيت باسم دار المدنيات والتي تعتَبر معهداً موسيقياً في مفهومنا الحديث.

واشتهر في الأندلس عددٌ كبير من الشعراء والموسيقيين ومنهم الموسيقية والأديبة والشاعرة ولاّدة بنت المستكفي كما ابتدع بعض الشعراء في تلك الفترة ضروباً جديدة من الفنّ الشعري وفي مقدمتها الموشحات التي اشتهرت كثيراً وانتقلت إلى المشرق العربي في ما بعد.