خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الأغنية المغربيَّة من الانغلاق إلى الانفتاح

. مقالات

 

 

نادية حوّات


تعيش الأغنية المغربية، منذ سنوات قليلة، فترة ازدهار ونجاح، تجاوزت حدود المغرب العربي، لتصل إلى مصر ولبنان ودول الخليج.  هذا اﻹقبال غير المسبوق، لم يتمكن السابقون في مجال الفن في المغرب من تحقيقه.  فكانت العادة تقول: أن من يريد النجاح على المستوى العربي عليه أن يغني باللهجة المصريّة أو الخليجيَّة أو اللبنانيَّة.

 

أما اللهجة المغربية، فلم يكن لها مكان هناك، رغم وصول أصوات قوية إلى مسامع الجمهور العربي، أمثال: عبد الوهاب الدكالي، نعيمة سميح، فؤاد الزبادي، عايشة الوعد وغيرهم... فهؤلاء اختاروا غناء الكلاسيكيات العربية من أجل التعريف بهم، وبعضهم احترف لهجات أخرى، لتجاوز عائق اللهجة في الانتشار، وبحجّة أنّ اللهجة المغربية صعبة في الوصول إلى المستمع العربي. لكن، يبدو أنَّ هذه الأخيرة تغيَّرت، لتنفَتِح على الجمهور العربي، أوَّ أنَّ الجمهور هو من انفتح على المغرب ليفهم لهجته وفنّه.  على العموم، تبقى النتيجة واحدة، إذ أنَّ اللهجة المغربيّة تحفر لنفسها مكاناً في العالم العربي، بل وأصبحت موضة يركضُ خلفها نجوم كبار، من أمثال: أحلام، عاصي الحلاني، ميريام فارس، يارا، فايز السعيد، حسين الجسمي.  فما هو سرّ هذا اﻹقبال؟ ولمَ لم يحدث إلا في هذه الفترة؟ وهل هو نجاح مؤسَّس، أم موضة قابلة للزوال؟

 

بالنسبة للملحن المغربي، محمد الرفاعي، فإن "اللهجة المغربية أصبحت مُبَسَّطة أكثر، وهذا ما كان ينقصا بالمقارنة مع  لهجات المشارقة.  فالنجوم العرب كانوا يستعملون البساطة في الكلمات، مهما كانت اللهجة التي يغنون بها، لذلك أصبحوا معروفين في الوطن العربي، واستطاعوا الوصول لجمهور من فئات مختلفة. إضافة إلى اعتمادهم على إيقاعات بسيطة بدورها، في الوقت الذي كان فيه الفنان المغربي متشبّثاً بنوعية من الأغاني الكلاسيكية، لم تكن تواكب الجيل الجديد آنذاك.  فيمكن القول إننا كنا منغلقين على أنفسنا ونعيش على اﻷطلال.  وهذا معروف، وواجهه الشباب حتى في مسابقات الهواة التي لم تكن تتقبَّلُ التجديد، وكانت تجبرُ المشاركين على غناء أغاني قديمة."  ويضيف محمد الرفاعي، الذي يُعدّ من أبرز الملحنين الشباب في المغرب: "الشجاعة والجرأة التي تحلت بها بعض الأصوات المغربية، على مستوى التجديد في الكلمة واللحن، أمثال أسماء لمنور، سعد لمجرد، حاتم عمور، وغيرهم.. هي التي أوصلت اللهجة المغربية إلى النجاح الذي تعرفه اليوم في العالم العربي.  الحقيقة أنها كانت مغامرة لم تعرف نتائجها، لكنها تكللت بالنجاح كما نراه اليوم."


اشتهر الرفاعي بتلحين "أنت باغية واحد" لسعد لمجرد، "حسبني طماع" لحاتم عمور، "بلاش بلاش" لجميلة البدوي، وغيرها من الأغاني المعروفة.  وهو هنا يُثمِّن ما وصل إليه الفنان المغربي في العالم العربي، مؤكِّداً أن "الفنان المغربي أصبح رقماً صعبًا في الخارج، وله مكانةٌ كبيرة، كما أنَّه سفير لبلده من خلال فنه، لكون أي كلمة مغربية يحفظها ويتداولها مواطن عربي، هي بمثابة ترويج وتعريف بالمغرب وثقافته."

 

إضافة إلى الجرأة في التجديد في الكلمة واللحن، فإن للإعلام دوراً كبيراً في إيصال الأغنية المغربية إلى العالم العربي. هذا ما يشرحه الشاعر الكويتي-المغربي، مصعب العنيزي، الملقب بسفير الأغنية المغربية، والذي كان وراء نجاح أكثر من 50 عملا فنيا باللهجة المغربية، من غناء فنانين كبار أمثال: ميريام فارس، أحلام، نوال الكويتية، أصالة، عاصي الحلاني، فايز السعيد وغيرهم.


ويؤكد مصعب، في حديثه لـ"العربي الجديد" أن الأغنية المغربية "لم تحظ بدعم اﻹعلام المغربي في البداية، عكس الأغنية الخليجية أو المصرية التي كانت محظوظة بوجود إعلام قوي لمساندتها ودعمها. أما اليوم، فنلاحظ دعماً من الإعلام العربي للمنتج الفني المغربي، هذا الإعلام الذي يبذل مجهوداً للاقتراب منه ومواكبته وتشجيعه.  وأعتقد أن هذا راجع لانفتاح الإعلام في العالم بأسره، بفضل الإعلام الإلكتروني، ومواقع التواصل الاجتماعي، التي أصبحت تُعتبَر إعلاما بديلا للإعلام الكلاسيكي، والتي بدورها أصبحت تُوصِل المعلومة بسرعة وبلا حدود، وهذا ما لم يستفد منه الفنانون المغاربة السابقون، الذين وللأسف لم يأتوا في عصر يعرف إعلاماً منفتحاً بالشكل المعروف اليوم. ومع ذلك، فأسماؤهم معروفة في الدول العربية وتحظى بتقدير كبير."

 

ويستفيض الشاعر الغنائي المعروف متحدثاً، بأنَّه سعى ولا يزال لإقناع عدد من النجوم الكبار للغناء باللهجة المغربية، وأخذ على عاتقه إنتاج تلك الأعمال من ماله الخاص، رغبة منه في التعريف بالأغنية المغربية، وجعلها منافسة للأغاني العربية الموجودة في الساحة، خصوصاً مع تقارب إيقاعاتها للإيقاعات الخليجية.  هذه الخطوة، شجعت فنانين مغاربة آخرين على الغناء بلهجتهم، حسب تعبيره، مفيدا أنَّ "البعض منهم كان يتهرب من الغناء باللهجة المغربية، هاربين إلى الفن الخليجي أو المصري أو اللبناني، لأنَّه كان متسيِّداً. لكن بعد نجاح أعمال مغربية بأصوات عربيّة معروفة، تشجَّع الفنانون المغاربة على خوض التجربة. والآن، نرى أن الساحة مفتوحة لهم والإعلام العربي يدعمهم، كما أن الجمهور العربي بدأ يقترب من اللهجة المغربية ويفهمها، وبالتالي، أصبح هناك اجتهادٌ أكثر من أجل استثمار هذا النجاح، والإبقاء عليه."

 

مصعب يؤكد على "أهمية الترويج لثقافتنا المغربية، وتسليط الضوء عليها والتعريف بها لكي تكون متداولة في العالم العربي، تماماً كثقافات ولهجات أخرى.”  ويضيف مصعب، بأنه يجب الحفاظ على الروح المغربية في ذلك العمل، وعدم إهمال دمج إيقاعات مغربية أو كلمات بسيطة، من أجل الحفاظ على الهوية المغربية.

تتعدد الأسباب حسب المتدخلين، لكن النتيجة واحدة، الجيل الجديد من الفنانين المغاربة يحققون النجاح تلو الآخر في الدول العربية، لكن هذه المرة، بخصوصية مغربيَّة محضة، أكثر انفتاحاً على الشعوب، وأكثر بساطة ومواكبة للأغنية العربية الحديثة.

 

المصدر: جريدة العربي الجديد