خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

ثلاث محطات طبعت شخصية زكي ناصيف الفنية

. مقالات

أكرم الريس

 

يعرَف الباحث محمد عمران في كتابة "الموسيقى الشعبية المصرية : تأسيس نظري وتطبيقات عملية"، المحنرفين الموسيقيين بأنهم "تفرغوا للعمل الموسيقي ويتعيشون من وراء مزاولته في مناسبات ومجالات أداء بعينها.  ومن مميزاتهم أن لديهم إمكانات وقدرات فنية حظيت – في نطاق تقاليد الاحتراف-  برعاية خاصة، لا سيما تلك الرعاية التي هيأت للأفراد فرص التدريب واكتساب الخبرات".

احترف زكي ناصيف الفن وتفرغ له في العام 1953 عندما كان في السابعة والثلاثين من عمره، واستمر في العمل الفني قرابة خمسين عاما حتى رحيله عن دنيانا.  وبرأيي ثمة ثلاث محطات طبعت شخصيته الفنية.

بدأ زكي دراسته التخصصية قبل سبعة عشر عاماً من ذلك التاريخ، واستحوذت الموسيقى على فكره ووجدانه قبل ذلك بكثير. ونلاحظ في تلك المرحلة الانتقالية من عشرينيات إلى أربعينيات القرن الماضي في لبنان ثلاث محطات رئيسية كان لها الدور الحيويّ في رعاية مسار ناصيف نحو الاحتراف على مستويات عدَة، هي، بحسب تسلسلها الزمني، تعرفه إلى حبيب الشماس، وانتسابه إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، ولقاؤه بصبري الشريف.

حبيب الشماس والهواية الفنية

لفت زكي ناصيف انتباه أحد مدرسي مدرسة المخلّص حبيب الشماس حين كان يؤدي الصلاة كل يوم أحد، ويشترك غناءً وعزفاً على العود في الحفلات السنوية مع نهاية العام الدراسي (محمد أبي سمرا: زكي نصيف... فوق جبالنا، ملحق النهار).  كانت الموسيقى الرابط الذي جمعهما وعزز التعارف والتواصل الفني بينهما، وخصوصا أن الشماس كان معروفاً آنذاك في الوسط الغنائي والموسيقي في بيروت.  

صار ناصيف يغنّي على مسرح مدرسة البطريركيّة في المصيطبة (فيكتور سحاب "زكي ناصيف: الموهوب العالم"، دار نلسن)، وكانت هذه التجربة نافذته إلى المجتمع الفني المحترف.  واشترك كمغنِّ وعازف عود مع الفرقة الفنية التي أسسها نجيب الشلفون، وكانت تضم مجموعة من الفنانين الشباب: خليل مكنية، سامي الصيداوي، ألكسي اللادقاني، محيي الدين سلام، وإيليا بيضا.  وجالت الفرقة في المصايف اللبنانيّة لمدة شهرين في صيف 1933، وقدمت مجموعة حفلات انطلاقاً من بكفيا، فحمّانا في نبع الحصى، تبعتها حفلات في إهدن، وبشري، وحصرون، وحدث الجبة.  وكانت غالبية أعضاء الفرقة تنتمي إلى فئة عمرية لا تتجاوز منتصف العقد الثالث، ما عدا مكنية والشلفون، أما أصغرهم سناً فكان زكي ناصيف.  

أصبح خليل مكنية من أقرب أصدقاء ناصيف، وقام بتعريفه إلى العديد من وجوه الوسط الفني في الإذاعة والمعهد الموسيقي، وإلى وجوه أخرى في الحزب السوري القومي الاجتماعي، بالإضافة إلى ابن أخته توفيق الباشا (1924-2005)، الذي أصبح بدوره لاحقاً رفيق دربه الفني. وما لبث زكي ناصيف أن عرف خلال فترة دراسته في الجامعة الأمريكية في بيروت كمغنِّ على مسرح الوست هول.  تذكر نشرة "الكلية" الصادرة عن الجامعة أنه غنى للمرة الثانية في الأول من نيسان 1936 في احتفال جمعيّة المتخرجين إلى جانب عمر الزعني وآخرين. وتابع ناصيف هواياته الفنية على هامش عمله التجاري، وقام بأنشطة فنية عدة  كالمشاركة في مسرحية "المجنون" (نبيل أبو مراد، المسرح اللبناني في القرن العشرين،2002)، في العام 1942 إلى جانب المطربة لور دكاش مع فرقة "جمعية الأدب التمثيلي". وكان هذا العمل من كتابة ميشال هارون، وبطولته، وإخراجه، وهو بحسب الكتيب الإعلامي للمسرحية، "أروع مسرحية عربية ستظهر في درس اجتماعي أخلاقي". اتّسمت أعمال هذه الفرقة وزميلاتها التي ازدهرت خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي بطابع الفروسية الأخلاقية وأحياناً  الدينية في حاضرة كانت لا تزال مترددة في إعطاء الفن المسرحي المحلي شرعيته الاجتماعية خارج إطار المدارس والجامعات والجمعيات الخيرية، رغم احتفائها بالأعمال المسرحية الوافدة من فرنسا ومصر ووفرة دور العرض والمسارح.

سعادة والحزب السوري القومي الاجتماعي

انتسب زكي ناصيف إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي على الأرجح في العام 1943، أي بعد إحدى عشرة سنة من تأسيس أنطون خليل سعادة (1904-1949) لهذا الحزب. وتهدف عقيدة الحزب إلى بعث "نهضة سورية قومية اجتماعية" تقوم على "مواهب الأمة السورية" في " سوريا الطبيعية" وتعيد إلى هذه الأمة استقلالها وحيويتها وقوتها. 

تذكر السيدة هيام نصر الله محسن إحدى السهرات في منزلها في منطقة الحدت، قدم فيها ناصيف مجموعة من الأغاني الإسبانية والروسية والإيطالية بالإضافة إلى نشيد الحزب.  "انتحى سعادة بزكي جانباً على الشرفة الغربية للبيت، المطلة على بحر من أشجار الزيتون وخلفها المطار فالمدى الأزرق، وتحدث إليه ونصحه بان تكون أغانيه فرحة وتحكي الحب والقرية والطبيعة ..." وأسست النصيحة للنهج الجديد الذي ابتدعه زكي فنياً (لبيب ناصيف، هيام نصر الله محسن في حديث شيق عن سعادة، موقع الحزب القومي السوري الاجتماعي، 22 تموز 2015) وهي تتطابق مع أطروحات سعادة، لأن "التجديد في موسيقانا حتمي يجب الأخذ به، فعلينا العودة إلى الأصوات القديمة لتسليط فكرنا وفهمنا عليها من جديد، ونستخرج  منها موسيقى تغذي كل عواطفنا، ونظهر بواسطتها قوة نفسيتنا وجمالها (أنطون سعادة، فاجعة حب، ص 70)... ومطامحنا ومثلنا العليا".

وقد استحوذت هذه "النظرة الجديدة إلى قضايا الحياة الإنسانية الكبرى" على اهتمام زكي ناصيف، وتجلت لاحقا في أعماله، فالأرض "ليست وحدها المهمة، بل الإنسان أيضا في تفاعله مع الأرض والطبيعة".  من هذا المنطلق يؤكد ناصيف أن النهضة الموسيقية والفنية التي ازدهرت في لبنان، وخصوصا مع انطلاقة "الليالي اللبنانية" في مهرجانات بعلبك الدولية العام 1957، "من العلامات على نهضة العقيدة السورية القومية وشيوعها بين الفنانين والمتعلمين آنذاك ..  إن الحس القومي الذي تبعثه الأرض والطبيعة في الإنسان قائم وموجود قبل وجود الحزب قيامته" (محمد أبي سمرا: زكي ناصيف فوق جبالنا ملحق النهار).

 

صبري الشريف وإذاعة الشرق الأدنى

بقيت أعمال زكي ناصيف في حقل التجارة تستأثر بالجزء الأكبر من وقته في تلك الفترة.  وكان حينها يتابع دراسته الموسيقية خفية (محطات في حياة زكي ناصيف ومسيرته، كتاب "من أوراق زكي ناصيف" منشورات الجامعة الأميركية في بيروت، 2014)، مع مدرس الموسيقى الفرنسي برتران روبيار (1905-1964) حيث درس عليه قواعد الموسيقى والهارموني والكونتربوينت وأساليب التأليف (فرحان صالح وعصام الحوراني، "حوار مع الموسيقي زكي ناصيف: ليس هناك من فولكلور في المدينة،" المؤتمر الثاني في الثقافة الشعبية اللبنانية – العربية، دار الحداثة، 1999).   وقام شريكه في التجارة بمساعدته في تخصيص قسم من وقته للدراسة حين كان يعمل تاجرا في سوق الأرمن في بيروت من سنة 1939 إلى سنة 1943، وهو الأمر الذي لم يتح له عندما عاود العمل في متجر العائلة لبيع الجلود في شارع الأوروغواي في وسط بيروت. 

نوهت مجلة الإذاعة اللبنانية في تشرين الأول 1946 بصوت ناصيف الجميل وموهبته في العزف على التشيلو، والبيانو، والعود، وأيدت رأي بعض الموسيقيين في أنه "لو انصرف بكليته إلى الفن لكان له مكانة أولى".  لذلك ناشدت هذا الفنان "المحب جدا للجو الموسيقي" والمتخرج المعهد الموسيقي في الجامعة الأمريكية أن "يصحو من مشاغله التجارية ليعود إلى تغذية نفسه ونفوس سامعيه ....أن مشاغله التجارية تكاد تقضي على موهبته الفنية".  لعل النكسة المالية التي تعرضت لها العائلة مع بدء خمسينيات القرن العشرين ساهمت في قطع الخيوط الأخيرة التي كانت تربط ناصيف بعالم التجارة.  ولعله كان لا يزال منهمكا في جمع نغمات خبأتها الغيوم المهاجرة وحكايات تبدأ وتنسى ولا تنتهي.

هذه الوثبة المنشودة نحو الاحتراف احتاجت إلى خطوة أخيرة تحققت في العام 1952 عندما تعرف ناصيف عبر خليل مكنية إلى صبري الشريف (1920-1999) الذي كان آنذاك مدير القسم الموسيقي في "إذاعة الشرق الأدنى" التي أسستها الحكومة البريطانية في يافا.  وكان صبري الشريف قد بدأ في يافا جهوده لجمع الأغنيات الفولكلورية في بلاد الشام، واستقدم الشاعر اللبناني المتعدد المواهب أسعد سعيد (1922-2010) لتنفيذ العمل الميداني.  وشيدت هذه الإذاعة بعد نكبة فلسطين إستوديوهات للإنتاج الفني في بيروت في بداية خمسينيات القرن العشرين، وتابع الشريف سعيه لاكتشاف المواهب الجديدة ورعايتها، ومنها زكي ناصيف.  ووظف إمكاناته الإدارية والتقنية في بعث التراث الشعبي في النهضة الغنائية في لبنان ضمن رؤية موسيقية حداثية ترتكز على الفرقة الموسيقية الموسعة وتبتعد عن جماليات "التخت" والارتجال المقامي.  وأذيعت أول أعمال ناصيف في تلك المرحلة من مسيرته في 12 كانون الأول 1952 وكانت أغنية "كي أنسى" من نظم محمد يوسف حمود ولحن وغناء ناصيف نفسه.

يقدم كتيب مهرجانات بعلبك الدولية في "الليالي اللبنانية" الأولى زكي ناصيف على أنه "شغف بالموسيقى صغيرا فتعلم العزف على منوّع الآلات الشرقية والغربية، ولكنه كان في ذلك كله هاويا لا محترفا.  وشاءت العناية أن يلتقي صبري الشريف ويرى فيه القائد الصلب في معركة إبراز الشخصية الفنية للموسيقى اللبنانية، فآمن برسالة صبري وانضم إلى الفنانين الشبان الذين يعملون معه، وزكي ناصيف هو الآن من الطلائع في إنماء ثروة الفلكلور اللبناني (لجنة مهرجان بعلبك الدولي، مهرجان الفن الشعبي اللبناني، منهاج بعلبك الدولي الثالث، 1957). 

 

جريدة "النهار" اللبنانية