خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

نادين الخالدي مغامرة موسيقية شابة

. مقالات

طفلة بين حربي الخليج الأولى والثانية، مراهقة في مصر، ثم شابة في عراق ما قبل الغزو الأميركي، إلى محترفة موسيقية ناضجة في السويد، هي نادين الخالدي، الفنانة العراقية التي استطاعت جذب موسيقيين غربيين إلى ملعبها الشرقي، وتأسيس فرقة ذائعة الصيت أسمتها “طرب باند”.

ولدت نادين الخالدي في بغداد عام 1980 نصف عراقية نصف مصرية، والدتها عازفة بيانو تعرف عليها الأب الممثل والمخرج العراقي كنعان وصفي عندما ذهب إلى القاهرة للمشاركة في مشاريع سينمائية خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.

قضت نادين سنوات طفولتها ومراهقتها في بغداد حيث درست الموسيقى الكلاسيكية والباليه، في ظروف صعبة آنذاك.  كانت طفلة في الخامسة من عمرها تقف أمام المرآة وتمسك مشط الشعر بيديها، متقمصة شخصية مغنية أو ناشطة سياسية أو مقدمة برامج أو مغنية أو فنانة، حيث نشأت بدايات أفكارها في اعتلاء منصات الأداء، وكان الزمن كفيلا ببلورة تلك الأفكار وتحديد مسارها في الموسيقى والغناء.

تحت الحصار

أتمت نادين سنّ الثامنة بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، وأكملت عامها العاشر بالتزامن مع اجتياح العراق للكويت، وفُرضت حينذاك على العراق عقوبات اقتصادية وسياسية عدّة، ثم شُنّت عام 1991 حرب جوية وبريّة بقيادة أميركية دولية.

انتظرت أسرة الخالدي قرابة السنة قبل أن تنتقل إلى بلد الأم مصر، كانت نادين مراهقة في الثانية عشرة من عمرها، ولم تكن جنسية الأم المصرية تُمنح إلى الابن في ذلك الوقت، فقضت نادين نحو ستة أعوام مواطنة عراقية في مصر. التحقت بمدرسة الأهرام الثانوية في الجيزة، التي كانت تعزف فيها على الأكورديون كل صباح أمام التلامذة والمدرسين.  تعلمت اللهجة المصرية وتعاملت معها، إلا أن لهجتها العراقية كانت تظهر بين الحين والآخر في حديثها، حالها حال العديد من العراقيين الذين نزحوا إلى مصر بعد حرب الخليج الثانية.

حقيبة اللجوء مليئة بالموسيقى

كانت نادين طالبة أجنبية لا تتمتع بامتيازات المواطن المصري حينذاك، فلم تستطع حتى الاستمرار كحارسة مرمى في فريق كرة اليد.  وحين حاولت الانضمام إلى الكونسرفتوار لتكمل دراسة آلة “الكمان”، التي بدأت تعلّمها في العراق، لم يقبل بها المعهد العالي للموسيقى في القاهرة، على اعتبار أنها طالبة أجنبية. فاهتمت بالدراسة الاعتيادية حتى أكملت الثانوية العامة، وعادت إلى العراق عام 1998، شابة تبلغ ثمانية عشر عاما، كلها شغف بمتابعة دراسة الموسيقى، وكان لها ذلك على مدار أربعة أعوام.

حملت نادين حقيبة وضعت فيها البعض من الملابس وبدأت رحلة اللجوء متجهة إلى السويد، وصلت إليها عام 2002 وقضت نحو عام في غوتنبرغ في أحد منازل اللاجئين، وفي العام التالي انتقلت إلى الجنوب، وبالتحديد إلى مدينة مالمو حيث عاشت لاجئة عشرينية.  عملت في مطعم للوجبات السريعة وتعلمت اللغة السويدية، وصدفةً سكنت في منزل تملكه مغنية أوبرا معتزلة، وأصبحتا صديقتين مقربتين.

استكملت نادين دراسة الموسيقى وتعلمت العزف على الغيتار، غنت في مطاعم كبرى بالعربية والإنكليزية، وعملت في الإذاعة السويدية، حيث قدمت برنامجا من إعدادها عن الموسيقى الفولكلورية والكلاسيكية الغربية، وبما أنّ البرنامج يستلزم بحثا، استفادت نادين كثيرا ووسعت أفقها في ما يتعلق بالموسيقى الفلكلورية، كما تعرفت إلى موسيقيين سويديين مهتمين بالفولكلور السويدي.

الغرب يغني الجوبي

التقت نادين بداية بغابرييل هيرمانسون وهو موسيقي يعزف الروك والروك التقدمي (progressive) وهو مهتم بالموسيقى الفولكلورية السويدية، كما تعرفت في الوقت نفسه بكل من فيليب رونسون ورومين كوتاما وفيرهات دينيزفورس، الذين لم تكن الموسيقى الشرقية على قائمة اهتماماتهم، إلى أن التقوا نادين الآتية من الشرق بموسيقاها وفولكلورها، وبدأوا جميعهم مرحلة من التجريب ومزج موسيقى البوب والفلكلور والشرقي قبل أن يكوّنوا عام 2010 فرقة “طرب باند”.

فنّ فرقة “طرب باند” المعتمد على طابع ساحر في الموسيقى، يجمع مزيجا غير اعتيادي من الفلكلور الإسكندنافي المصحوب بالتراثيات العربية الأصيلة، والمتأثرة بالشعبيات اللبنانية والعراقية والمصرية والسورية، ينتج تركيبة لم تألفها الأذن من قبل، تترك متابعها في حالة من “النشوة” عند تجربة سماع مقطوعاتها.

تعرّف فرقة “طرب باند” موسيقاها باعتبارها موسيقى عربية من السويد، وكانت أغنيتها “بغداد جوبي” إحدى الأغاني التي حققت انتشارا واسعا على اليوتيوب والساوند كلاود.  والـ”جوبي” رقصة شعبية عراقية تعادل الدبكة الشامية في بلاد الشام، وتتميز بإيقاعها البسيط. وقد جعلته نادين إيقاعا للأغنية، بتوزيع اشترك فيه أعضاء الفرقة الخمسة.

أما كلمات الأغنية فقد أتت من وحي بغداد والعراق والجوبي نفسه؛ تقول “من الخطوة الأولى إيقاعك معروف من ريحة بلدي وتدندن جوبي، من النغمة الأولى علّمني الموال، إيدك بإيديا كإنك محبوبي”. الأغنية تجبر من يسمعها لأول مرة بشكل لا إرادي على إعادتها مرارا، إنه جو من الاستمتاع بالموسيقى الأشبه بالنغمات الخيالية.  وعن أداء نادين الجوبي العراقي، تقول إن ما يشدها إلى هذا النوع من الغناء والموسيقى هو أكثر من أن يكون نغمة حلوة وسهلة فقط، إنها نغمة تتضمن تشبيهات ومحتوى شعريّا.

“طرب باند” تتمكن من خلق قاعدة جماهيرية لا يستهان بها في العالم العربي بشكل عام، ومصر بشكل خاص التي مرت بها من خلال عدة حفلات بين القاهرة والإسكندرية، وتركت عشاقها في مصر في حالة اشتياق لسماعها مرة أخرى.

موسيقى تطرب الشرق والغرب

ترى نادين أن الظروف السياسية والاجتماعية التي عاشتها في العراق في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، أغنت الحياة الفنية، وانعكست نتائجها على أرواح الفنانين، غير أن الأوضاع لم تكن مناسبة لتحقيق طموحاتهم ولم يجرؤ أحد على التخطيط للمستقبل.  إلا أن الأوضاع اختلفت بالنسبة إليها عندما وصلت إلى السويد، بفضل وجود الإمكانيات الضخمة، ولقائها فنانين مهتمين بالفن الشرقي بعامة والعربي بخاصة. وجدت نادين في أولئك الفنانين روح السعي وراء الفن الجدي والحقيقي، عندما كانت تعزف وتغني في أحد مطاعم مالمو لمؤلفين غربيين، من أمثال الشاعر وعازف الغيتار الأميركي بوب ديلان الذي اشتهر بكلمات أغانيه الثورية عن التفرقة العنصرية في أميركا والحرب العالمية الثانية وحرب فيتنام.

عوامل موسيقية كثيرة اعتمدت عليها “طرب باند” في تأليف أغانيها، تقول نادين إن من بينها “الارتكاز على الآلات الوترية وعلى إيقاع يحاكي الطبيعة ويتحدث إليها، لذلك تسمع القوة والإحساس في الوقت نفسه، كالساز والمندول الجزائرية والكمان والدربوكة والكاخون. وهذه الآلات تكون أصواتها جميلة وعميقة وحساسة، دوناستخدام تقنيات حديثة لإنتاج الصوت الإلكتروني المبرمج”.

هذا البعد هو ما كان يحفز كل من يسمع الفرقة للاستمرار في البحث عن أغان جديدة لها، فتلك الآلات التي اشتهرت بلدان منطقة الشرق الأوسط باستخدامها، تلقى قبولا واسعا لدى من يجدون صعوبة في تقبل الأغاني السريعة ذات الطبقات الصوتية العالية المُتبعة في الوقت الحديث.

دمج التراث العربي

من يسمع “الجوبي” لطرب باند ينتقل إلى سماع “أشوفك بعدين” و”كلام”، وحتى “يا سيدي”، وهي إبداعات الألبوم الأول الذي صدر عام 2013.  وبحسب نادين، فإن الفرقة دأبت على تأليف أغان عربية من السويد ودمج أغان تراثية عراقية أو أغاني فيروز مع الأغاني التي تقوم الفرقة بتأليفها، تقول في هذا الصدد “لسنا ضليعين بالموسيقى العربية، لكننا بالطبع قادرون على وضع أسس موسيقية صحيحة تشد المجتمعين العربي والغربي، كون العاملين في الفرقة متخصصين في العزف على الآلات الموسيقية وليسوا هواة”.

على المستوى الشخصي تشير نادين إلى أنها ليست على دراية جيدة بالموسيقى العربية، وتشكو نقصا نظريا في أسس الموسيقى العربية، لكنها تسعى لأن تكوّن حالة موسيقية ونفسية للمتلقي، سواء لمن يفهم اللغة العربية أو لمحبيها.

ترفض نادين الفكرة المعهودة عن الفرق الموسيقية التقليدية عندما تتوسطها المغنية فيما يقف خلفها أعضاء الفرقة الآخرون كموسيقيين مصاحبين لها فقط، وتقول “أنا ضد ذلك، فكوني امرأة وأقوم بالغناء، لا يعني أن أكون تحت الضوء وأن تكون لي خصوصية أكبر من الآخرين، حيث نرتقي جميعا في مستوى تقديم الأغنية، لأننا مع بعضنا البعض نُكوّن الشكل والمضمون، وما يهمني وقفتنا على المسرح وأن يرى الجمهور جميع من في الفرقة ويستمع لهم”.

ورغم أن الأغاني التي تؤديها الفرقة بالعربية، فإن موسيقاها تتحدث بجميع اللغات، لذا فهي تلاقي وتلبي جميع الأذواق، وهذا ما يجعل الجمهور يتفاعل مع ما تقدمه الفرقة بشكل رائع جداً.

وتستذكر نادين باعتزاز حديث أحد المعجبين بالفرقة من خلال منشور لها على موقع التواصل الاجتماعي تقول فيه “حدثني رجل سبعيني، من المعجبين بالفرقة، إن هناك من يسعى جاهداً إلى أن يكون لديه انطباع معين لدى الجمهور بفنه، ولكن هناك من يملك في الأساس القدرة على ذلك”.

نادين واجهة الفريق الرئيسية نالت لقب “حاملة الثقافة العربية في السويد”، وتستطيع بكل بساطة أن تخطف الأنظار بأدائها المتسم بالنشاطـ الزائد على المسرح، وإطلالتها المتأثرة بالطريقة الغجرية والبدوية، وهي تهدف من خلال مشاركتها النشيطة في الحياة الفنية والقيام بجولات في السويد وباقي أنحاء أوروبا، إلى التعريف بالثقافة والفن العربييْن، محاولة من خلال العروض والجولات المساهمة في نشر التسامح والتعايش والمحبة بين الشعوب الإسكندنافية والجاليات العربية التي تعيش هناك، بالإضافة إلى ربط الأجيال الجديدة من المهاجرين العرب بإرثهم الموسيقي الفني.

المصدر: جريدة العرب اللندنية