خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الربابة في وسط الجزيرة العربية

. مقالات

صالح الحسن


ارتبطت الآلات الشعبية بحاجة الإنسان إلى الإيقاع والموسيقى، بدءا من التصفيق والتوقيع باستخدام الأيدي والأرجل، ثم الاستعانة بسطح يصلح للنقر والتوقيع، وسعي الإنسان الدائم في أن يجعل موسيقاه معبرة عن حالاته النفسية المختلفة.

وإذا كان استخدام الأيدي والأرجل هو الصورة الأولى لتحقيق الإيقاع، فإن الإنسان بلا شك قد بدأ يطور آلاته الموسيقية مستخدما خامات بيئته، فسكان المناطق المنتجة للقصب سوف يعمدون إلى صنع الآلات النفخ من خلال نحت أعواد القصب ، ولعل من أولى هذه الآلات المزمار، في حين أن البيئات التي يكثر فيها الرعي تستخدم الجلود في صنع آلاتها الأبرز، وهي الآلات الإيقاعية المعتمدة على جلود الحيوانات الضخمة بما تحققه من مساحات كبيرة للضرب عليها ، وتعنى تلك الشعوب بالإيقاعات الصاخبة أكثر من غيرها من الشعوب.

ولعل هذا التفسير لوجود الآلات الموسيقية الأولى وتنوعها حسب البيئات الناشئة بها، يفسر لنا وجود آلة الربابة في صحراء الجزيرة العربية، فهي آلة بسيطة مثل غيرها من الآلات الشعبية البدائية، لكنها آلة وليدة للبيئة الصحراوية، بما توفره من إمكانيات وما تهيئة من أجواء.     
والربابة اسم يطلق في العربية على آلة ضرب بسيطة من الآلات الوترية ذات القوس. تتكون من صندوق صغير يعتمد في تكوينه على خشب الأشجار، مغطى بجلد الحيوان، وقوس مصنوعة من أغصان الأشجار أيضا، ووتر وحيد مأخوذ من شعر الحصان، رفيق الإنسان العربي في صحرائه.    
تصدر الربابة عند عزفها صوتا يحاكي الأنين الصادر من الكبد المكلومة، والذي يستطيع بتهدجه الانسياب في أعماق الصحراء، مناغما الآهات التي يطلقها العربي خلال إنشاده في ليالي الصحراء المظلمة. وهي بصوتها موافقة لمزاجه، ومتآخية مع لغته في بنياتها الصرفية، وكذلك موافقة لأوزان الشعر العربي فصيحه وعاميه.

كل هذا يجعلنا نجزم بأن آلة الربابة بصورتها المعروفة هي آلة عربية صرفة نشأت بين العرب وفي أحضان صحرائهم، بل لعلها الآلة الموسيقية الأولى للعرب، بعد آلات النقر البسيطة. وهذا يدفع أي قول بمزاعم أخرى يمكن القول بها عن منشئها الأول.

وتصدر الربابة صوتا يصهل، ويدوي في العنان بتشكل في النغمات بعلو وانخفاض، وهي في ذلك تشابه من بعض الوجوه صوت الرعد في علوه وامتداده ثم انخفاضه، ولعل هذا هو مرجع تسمية هذه الآلة بالربابة، إذ إن الربابة في اللغة هي السحابة التي قد ركب بعضها بعضها، وجمعها رباب. وهذا النوع من الرباب أو السحاب هو ما يصدر عنه أصوات الرعد الشديدة المدوية في الآفاق.

وتروى عن اختراع هذه الآلة الموسيقية الصحراوية بعض القصص التي يشك في صحتها؛ ولعل أشهرها القول بأن امرأة غضبت من زوجها بسبب اتهامه لها بفعل مشين، وعند ندمه ومحاولته مصالحتها أرادت تعجيزه؛ فطلبت إليه شرطا لرضاها وعودتها له أمرا لا يستطيع تحقيقه؛ فقالت له: لن أعود حتى يتكلم العود.

فما كان من الرجل إلا أن فكر ودبر، واستشار من يجد لديه الرأي في جعل العود متكلما، فاهتدى إلى صنع آلة الربابة ليحقق ذلك الأمر المعجز الذي جعلته امرأته في طريق العودة له. ولكن هذه القصة وغيرها لا تصمد للبحث العلمي، ولا إلى ما تمليه طبائع الأمور من حتمية التدرج في صنع الأشياء، وتطوير الإنسان لها على حسب حاجاته، وليس الأمر بغريب ، فقد جرت العادة باختلاق مثل هذه القصص لوضع سبب لوجود بعض المظاهر المدنية في حياة الشعوب. ولا أحسب أن آلة الربابة إلا قد صنعتها حاجة الإنسان العربي إلى آلة موسيقية تناجيه ويناجيها في فلوات الصحراء الواسعة الممتدة عبر الأفق.

وقد عرف العرب إبان حضارتهم وتنقلهم بين أرجاء الوطن العربي سبعة أشكال من الربابة وهي المربع، المدور، القارب، الكمثرى، النصف كروي، الطنبورى، الصندوق المكشوف. وقد انتقلت آلة الربابة مع كثير من مظاهر الحضارة العربية إلى أوروبا إبان الفتح العربي للأندلس وصقلية. ويذكر أنها قد احتفظت ببعض ملامح اسمها العربي الأول ففي فرنساتسمى رابلا، وفي إيطالياريبك، وفي إسبانياتسمىرابيل أو أربيل.

تصنع الربابة في صورتها الأصلية من جلود الحيوانات الصغيرة من ماعز أو غزال. وتتألف من صندوق خشبي يصل في طوله إلى أربعين سنتمترا، وعرضه إلى عشرين سنتمترا، وعمقه إلى خمسة عشر سنتمترا.

وفي منتصف الجانب الأعلى للصندوق ثقب واسع يوافقه ثقب آخر في الجانب المقابل. ويكسى هذا الصندوق من جميع جوانبه بالجلد الذي يخاط بإحكام على الصندوق بخيوط من الجلد أيضا. على أن يبقى الثقبان ظاهرين، ويترك الصندوق بكسائه الجلدي حتى يجف.

ومن ثم تولج عصا أسطوانية بطول يصل إلى خمسة وسبعين سنتمترا في الثقبين من الأعلى إلى الأسفل، على أن ينفذ طرفها السفلي خارج الصندوق بحوالي خمسة سنتمترات، في حين يبقى أربعون سنتمترا منها خارج الصندوق من جهته العلوية .

وتربط خصلة من ذيل الحصان بين طرفي العصا مرورا بظهر الصندوق ، وتشد هذه الخصلة التي تسمى (السبيب) بواسطة عود يثقب له في أعلى العصا ويسمى (المزوي) أو (الكراب)، وتوضع تحت (السبيب) قطعة خشبية صغيرة تسمى (الغزال) أو (الديك) حتى ترفعه فيزاد شده فيكون قابلا لإصدار الصوت. ويكون العزف (الذي يسمى الجر) بالسحب على هذا الوتر(السبيب).    
ويأتي قوس العزف ، المسمى بالذراب، مصنوعا من غصن الرمان، أو من عسيب النحل، بحيث يثنى؛ ليكون على شكل قوس بطول يصل إلى خمسين سنتمترا، ويربط طرفاه بوتر من شعر ذيل الحصان أيضا.
وقبل العزف على الربابة يلزم دعك الوترين (سبيب الربابة، وسبيب القوس) بقطعة من اللبان الجاوي (الجاونية) ويكون من الصمغ والشب، وهو ما يسمى بتطعيم السبيب، إذ بهذا الدعك يشتد الوتران ويزدادان خشونة، فيحصل عند التقائهما بالحركة إصدار الصوت المطلوب.     
ويكون العزف على الربابة (الجر على الربابة) بتمرير وتر القوس (الذراب) على وتر الربابة(السبيب)، وتحتاج الأصوات الصادرة من جسم الربابة إلى التنغيم والتغيير في درجاتها الصوتية؛ ويتم هذا بطريقة التنقيط، أي الضغط على الوتر قرب أعلى عنق الربابة، فتتناسب النغمات المتغيرة بتغير طول الوتر وشده بتلك الصادرة من احتكاك وتر القوس بوتر الربابة، ويكون ذلك على حسب الوزن اللحني الذي يريد العازف تحقيقه؛ ليتناسب مع حالته الشعورية والنفسية، والشعر الذي ينشده. وتوجد ألحان عامة معروفة للربابة، لعل أبرزها الهجيني، والمسحوب،والصخري، والسامري.
وإذا لم تخني ذائقتي الموسيقية -غير المعززة بالمعرفة العلمية في الموسيقى للأسف- فإنني أكاد أجزم بأن آلة الربابة الموجودة في الجزيرة العربية، والأهم من ذلك أسلوب العزف عليها ، والألحان التي تعزف عليها ــ هي الأصول الأولى لآلة الربابة العربية ومعزوفات العرب الأولى في صحراء جزيرتهم، بل لعلها هي ما عرفه العرب في جاهليتهم من لحون، وأترك لأساتذة الموسيقى في الحكم على هذا الرأي بعد سماعهم لبعض المقطوعات المنشدة على أنغامها، لكن ما يعزز هذا الرأي أمور منها:
* تأتي آلة الربابة المعروفة في وسط الجزيرة العربية وشرقها في شكل بسيط، من مكونات ترجع إلى مواد طبيعية من البيئة البدوية الصحراوية كجلد الماعز أو الغزال أو حتى الذئب، ويصنع صندوقها ورقبتها من سعف النخل أو ما شابهه من أشجار، في حين أن الأوتار تؤخذ من ذيل الخيل.
*تتكون الربابة من وتر وحيد للعزف ، وهي بذلك تخالف آلة الربابة الموجودة في بعض البيئات الزراعية والرعوية في الدول العربية الأخرى . كما أنها تعزف لوحدها مع الصوت البشري؛ فكأن الشاعر أو المنشد يناجيها أو يحاورها بوصفها صديقته أو رفيقة دربه، يشكو إليها همومه؛ فترد عليه بنغمها.
* ألحانها بسيطة، وهي لا تخرج عن أوزان معروفة ، وإن كان كل منشد يضيف عليها من رؤاه وطريقته في الأداء، التي تميزه عن غيره من المنشدين.

* أن معزوفات الربابة تتميز بالشجن ، والقرب من الأنين، والدوي المتتابع لأصواتها في صورتها البسيطة التي تتوافق مع أزيز الريح ودوي الرعد في فلوات الصحراء، وهو ما يتسق مع طبيعة الصحراء المقفرة المكلل بالصمت والسكون الذي لا نهاية له. في حين نجد الربابة في أشكالها العربية الأخرى ومعزوفاتها تتميز بآثار الصنعة، والبعد عن البساطة في الشكل، أو في صياغة الألحان التي تكاد تكون خاصية ملازمة للربابة في وسط الجزيرة العربية.      
* لم تكن الربابة آلة لهو ولعب عند العربي في جزيرته ، بل كانت آلة يلجأ إليها في وحدته ويناجيها؛ لكي تعينه على تصوير همومَه وشجونه وما يعانيه من الآلام.

ومن هنا يمكن القول إن آلة الربابة في وسط الجزيرة العربية وشرقها بشكلها الأولي الذي لم يصطبغ بأي تطوير، وكذلك بألحانها المتميزة بالبساطة التي استقتها من صحراء العرب الأولى هي الآلة الموسيقية الأولى للعربي في صحرائه. وما زال الشعراء في وسط الجزيرة العربية ينشدون عليها قصائدهم بألحان تكاد تكون ألحان العرب الأوائل في الجزيرة العربية.       
ومما يؤسف له أن الربابة وألحانها الشجية، يكاد البلى أن يصيبها بمقتل؛ إذ تقابل بتجاهل كبير في الأوساط الشعبية والرسمية. فشعوب الجزيرة العربية في انصراف عنها بسبب زهد فيها بوصفها آلة بدوية بدائية، أو بسبب الزهد العام في الفن بوصفه أمرا غير مستحب، وأنه قرين اللهو والعبث، في حين أن الهيئات الحكومية غافلة عن هذا الجانب كغفلتها عن كثير من أمور الحياة الثقافية.