خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

أهمية آلة القانون في موسيقانا العربية

. مقالات

د. أحمد منصور

عندما تعجز وسائل التعبير الإنسانية من آداب وعلوم تنهض الموسيقى لتعبر بطلاقة وإحساس عن أدق المشاعر والتي تجيش في الصدر والروح مهما كانت مرهفة وشفافة، وبذلك تنمي في النفس الإنسانية مشاعر أسمى وأكثر ثراء.

يعزى إلى الفارابي إبداع آلة القانون ويحكى أنه عندما حضر إلى بلاط سيف الدولة في حلب حوالي سنة 334ه/946م أبدع في عزف ألحان أضحكت الموجودين ثم أبدع في عزف نغمات أشاعت الحزن بينهم.‏

تطورت هذه الآلة الوترية فزاد عدد أوتارها وتغير هيكلها الخشبي خلال العصور واعتبرت النغمات التي تصدرها من أجمل الألحان وأشدها شجناً وتأثيراً في عواطف الإنسان. وتختلف النغمات التي تصدرها باختلاف نوع الوتر وثخن قطره ودرجة شده بواسطة المفاتيح.‏

وهذه الآلة منتشرة في إيران وتركيا؛ وتعتبر القاسم المشترك في روائع الألحان الخالدات لتراثنا الموسيقي العربي. والأغنيات التي برز فيها القانون لا تزال تعيش في عواطفنا عندما نسمعها‏. من مثل أغنية  (وحقك أنت المنى والطلب) للملحن أبو العلا محمد، وأغنية (هل تيم البان) لمحمد القصبجي، وأغنية    (يالي كان يشجيك انيني) لرياض السنباطي، وكلها من أغنيات أم كلثوم التي بنت مجدها عليها، ونغمات أوتار القانون فيها تزيدمن روعة الغناء وتتغلغل بدون استئذان إلى أعماق الروح فتثير الشجن والشفافية في نفس المستمع.

إن معظم المغنين أسسوا أمجادهم بإتقان ألحان الأغنيات التي يقدمونها، وهكذا فعل فريد الأطرش في معظم أغنياته كأغنية (أدي الربيع عاد من تاني) أو تلك الأغنية التي لحنها لشقيقته اسمهان (يابدع الورد). ورغم أنه يعتبر من المجددين في الأغنية العربية، إلا أنه حافظ في مجمل إنتاجه على الإيقاع الأصيل مستخدما آلة القانون مع عوده الذي أبدع في عزفه.‏

أما محمد عبد الوهاب فقد استعان بنفحات القانون الشجية في مواويله وآهاته أكان ذلك في (يالوعتي ياشقاي) أم في (سبع سواقي بتنعي) أم أيضا في(يا وردة الحب الصافي) فوصل إلى أعماق عواطف مستمعيه. وبلغ حد الروعة في أغنية (يا شراعاً وراء دجلة يجري).‏

ونستطيع أن نلمس أثر نغمات القانون في نفسنا عندما نقارن قصيدة أبي فراس الحمداني الخالدة (أراك عصي الدمع) التي غنتها أم كلثوم بلحنين مختلفين الأول لزكريا أحمد حيث استعان بأنغام القانون فنجحت ولا تزال تسمع منذ ثمانية عقود وحتى يومنا، والثاني لرياض السنباطي حين استعان بأنغام البيانو فجانبها التوفيق ورجع إلى اعتماد القانون في جميع ألحانه.‏

إن معظم الأغاني الرائعة هي التي رافقتها نغمات القانون السحرية , فمن ينسى أغنية اسمهان (اسقينها بأبي أنت وأمي) وموال (يا ديرتي مالك علينا لوم) وأغنية أم كلثوم( يا مجد ياما اشتهيتك). ولكن الرياح التي عصفت من الغرب لم تأت لنا دائماً بالخير والسلام.. فقد جاءت بالآلات الموسيقية الكهربائية الصاخبة والمبهرة للتغطية على صوت المغني أو المغنية الضعيف والتركيز على الإيقاع السريع لاستقطاب مشاعر المستمع وأبعاده عن ملاحظة قيمة الصوت الذي يستمع له !‏

إن جمالية أغنية ما وروعتها وديمومتها في الوجدان العربي ترتبط ارتباطاً عضوياً ببقائها تراثياً أو نسيانها بمجرد الاستماع إليها.‏

فأغنية (محلا الحبيب بين الميه) تأخذ نغمات القانون بأروع المشاعر الإنسانية و لا تزال عندما نسمعها تأسرنا وتشعرنا بجو الحب الجميل.

إن آلة القانون آلة تراثية، والألحان الممتعة والمطربة في تراثنا من إنشاد ديني وموشحات وقصائد وقدود هي التي تستعين بأنغام القانون لإيصال المستمع إلى دنيا الطرب والمتعة الروحية النبيلة والى عوالم وآفاق التذوق الشجي. وكم نحن اليوم بحاجة إلى هذا التراث الفني العريق.

المصدر: جريدة الجماهير (بتصرف)