خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

"إضاءات موسيقية وفنية" لهالة نهرا

. مقالات

·        صفوان حيدر

 

تطرح هالة نهرا في كتابها النقدي الأول «إضاءات موسيقية وفنية»، الصادر عن «دار الفارابي»، هاجسها في النقد النظري والعملي.  وتحاول في كتابها لملمة الآراء النقدية التي تتقاطع وتتفاوت، حتى أننا نجد في الأشياء كلها كل الأشياء.


من منظور الأغنية العربية، تتطرق هالة لإشكالية الأغنية في ضوء الحراك العربي الذي تجده أقرب الى الفوضى منه الى المسار الثوري، على الرغم من أن الفن الموسيقي الغنائي عادة يسبر غور الأزمات والاضطرابات السياسية، وطنية كانت أم قومية. ويحتل مكانة خاصة نظراً إلى الحاجة إليه في ظل الانعطافات السياسية – الاجتماعية الكبرى التي يتقاطع ويتداخل فيها التغيير والتعبير كما في فيديو كليب الربيع العربي المهدى الى محمد البوعزيزي (مفجر الربيع العربي). ونشيد الثوار، شعر مصطفى إبراهيم في زمن الثورة المصرية.


في «رسالة حب إلى فيروز» نجد عند هالة عربون محبة لمدينة اسمها فيروز كبيروت، أنزلها زياد رحباني عن عرشها الفيروزي فتحولت إلى امرأة من لحم ودم، في عالم لا يعيش فيه الدجل مع الغزل الصادق ولا يعيش فيه الابتذال والإسفاف والتفاهة مع الارتقاء والشموخ والأصالة.  ومع أن الرعيل الأول من الرحابنة  دثروا مسرحهم الغنائي بغلالة مثالية، فقد نقل زياد الفن الرحباني الى الواقع الأرضي الصاخب بالحياة والذي يتمتع بأسلوب الفن الموسيقي المواكب لزماننا كما في «عهدير البوسطة» وتسجيل «ولا كيف».


ترى نهرا أن أبرز ما صدر في النطاق الفني الغنائي – الموسيقي المحلي الأكاديمي تمثل في عمل «سقوط القمر» لمرسيل خليفة. وتكشف نهرا في كتابها عن إنجاز موسيقي كبير للراحل رياض السنباطي باسم «لونغا رياض» يؤديه رياض على العود أو غيره من ا"إضاءات موسيقية وفنية"  لهالة نهرا

لآلات ويعكس ذهنية جديدة في التأليف الموسيقي العربي لا تقتصر على سرعة القطعة ولا تقوم على التمغط والحشو الطافح بالتوشية.  وقد حثت هذه اللونغا العديد من المؤلفين الموسيقيين على كتابة قوالب عزفية (سماعيات، لونغات، بشارف) تقوم على حرية القالب الموسيقي (صفحة 109).


في حوار هالة مع الفنان أسامة الرحباني نكتشف عند أسامة تقمصاً غيفارياً، فهو يقول إن أحلام غيفارا لا تعرف حدوداً .. ويستثمر أسامة شخصية غيفارا الأسطورية الحية في قصيد سيمفوني أدته الأوركسترا اللبنانية الفلهارمونية في لندن. ويرى أسامة أن الإنسان كغيفارا يذهب الى موته وحيداً، بعد التخلي عن الألقاب والشهرة والمال والمناصب.


أيضاً تعرف هالة مفاصل تجربة الفنان مرسيل خليفة في اعتماده على أسلوب التوزيع المتقشف المرتكز على الهوموفونيا في الغناء، كما يتبدى ذلك في أغنية «عيناها» (ص140). ولا تخلو موسيقى خليفة من تصعيد وتدفق أوركسترالي يختزنان شحنة تعبيرية نغمية عالية تجمع روح الشرق والمدرسة الموسيقية الروسية، وهذا ما تجلى في «الكونشرتو العربي» المتدثر بالبشارف واللونغات السنباطية خصوصاً في عمل خليفة «كونشرتو الأندلس» (ص144).


وتتصدى هالة بجرأة لمسألة شائكة كجمالية الموسيقى العربية، حيث تقرر أن معيار الجمالية الموسيقية هيتروفوني تعددي زاخر بتنوع المقامات والإيقاعات (ص173). وتدرج نهرا الفن الغنائي الاستهلاكي (هيفا وهبي ـ أليسا ـ فضل شاكر) في إطار فن البوب الشرقي، أي الفن الشعبي الشرقي مع ملاحظة أزمته التعبيرية وإشكالاتها الاجتماعية.


في بحثها العملي عن جمالية الموسيقى ترى الكاتبة نهرا أن الأغاني العربية تكاد تنحصر اليوم في سبعة أو ثمانية مقامات: العجم ـ النهاوند – الحجاز ـ الكورد – الرست ـ البياتي ـ السيكاه، والصبا. وثمة مقامات في طور الانقراض كالزنجيران والبستنكار. إضافة الى القوالب الغنائية المهملة كالدور والموشح والطقطوقة والمونولوج والسماعي. وفي مقابل الهرمونيا الغربية تقوم الموسيقى العربية على الهيتروفونيا من دون أن يقلل ذلك من صفاتها الجمالية الخصوصية (ص 184).


يختزن هذا الكتاب تنويرات كشكولية موسيقية وغنائية وفنية متنوعة ومتعددة، إنه ثروة نقدية غنية تنعش تراثنا النقدي الموسيقي المعاصر وتبث فيه حيوية متجددة.

 

المصدر: جريدة السفير