خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

بضاعتنا ردت إلينا.. التدوين الموسيقي إبداع عربي

. مقالات

أبدعت الحضارة العربية والإسلامية في كافة المجالات، خصوصاً في العصر الذهبي بعد انطلاق الفتوحات الإسلامية التي كانت عامل التقاء بين الثقافة العربية وثقافات الشعوب الأخرى التي دخلت الإسلام.  وبما أن العلم من توابع الاستقرار والحضارة، فبعدما استقرت الدولة العربية الإسلامية ازدهرت بطبيعة الحال العلوم والفنون والآداب والموسيقى.

وقد كان للعرب فضل السبق في وضع قواعد السلم الموسيقي وتحليله ودراسته بفضل جهود الكندي، والفارابي، والأرموي، وإخوان الصفا الخ.  ولذا في هذه الدراسة سوف نبرز الدور الريادي للعرب في علم التدوين الموسيقي ونبوغ الكثير منهم فيه، حيث سبقوا الغرب في عملية التدوين والسلم الموسيقي بقرون عدة

ويؤكد المستشرق والمفكر الإسكتلندي الكبير هنري جورج فارمرHenry George Farmer في مقدمة كتابه حقائق تاريخية عن التأثير الموسيقي العربي: "لولا الاكتشافات والتطورات التي قام بها العلماء العرب خلال ازدهار حضارتهم العلمية في البحوث الثلاثة الرياضيات والهندسة والفلك، لواجهت هذه العلوم الكثير من البطء والتخلف في تطورها وتقدمها في القارة الأوروبية.  وفي ما يخص آخر علوم الرباعية وهي الموسيقية، للأسف لم يقم أحد بتحديد دور العرب وعلمائهم في ما لحق بها من تطور."


التدوين الموسسيقي عند العرب

لقد عرف العرب المسلمون فن الموسيقى وأبدعوا وصنفوا فيه منذ وقت مبكر من تاريخ دولتهم العربية الإسلامية. ومن ضمن ما نبغوا فيه كان التدوين الموسيقي

.
قال الشيخ أبو منصور الحسين بن محمد بن عمر بن زَيْلَة (ت 440هـ / 1048 م): "علم الموسيقى يشتمل على بحثين، أحدهما يبحث عن أحوال النغم، من حيث الاتفاق والتنافر ويسمى بعلم التأليف، والآخر يبحث عن مقادير الأزمنة المتخللة بين النغم ويسمى بعلم الإيقاع."

وذكر يحي بن المُنَجّم (ت 300هـ/ 912م): "وأول ما يحدده اسم المقام تلك الأبعاد أو المسافات التي تدخل تركيبه وتسلسل حدوثها وتواليها في الاتجاه الصاعد والاتجاه الهابط للنغم وذلك وفقاً لما توافق عليه أهل الصناعة وتناقلوه سماعاً دون الحاجة إلى تدوين، وارتباط اسم المقام بتلك الأبعاد أو المسافات التي تكونه شرطاً أساسياً ليكون لاستعمال أسماء المقامات قيمة تطبيقية في ممارسة العزف والغناء وصياغة الألحان."

ويرجّح سليم الحلو في كتابه تاريخ الموسيقى الشرقية: أن أول من أوجد علم الموسيقى العربية سعيد بن مسجح. وابن محرز. المتوفيان عام 79هـ/ 715م. وقد كان لهما عدد كبير من التلاميذ الذين تتلمذوا عليهما في الموسيقى.  ومن أبرز تلاميذهم يونس الكاتب الذي يُعد أول كاتب معروف للموسيقى العربية، وتبعه إسماعيل بن جامع السهمي (ت 192هـ/ 808 م) الذي كتب مجموعات كبيرة من الأغاني وكان من كبار المغنين الملحنين، ثم جاء من أحمد بن يحي المكي (ت 205هـ/ 820م) وإسحاق الموصلي (ت 235هـ/ 850م).

ويؤكد بعض الباحثين، ومنهم سعد الله أغا، أن بعض الكتابات العربية القديمة، وبخاصة كتابات الكندي، وصفي الدين البغدادي، وكتاب الأغاني، تتضمن ما يشير إلى أن أسماء السلم العربي كانت أسماء عربية، ومنها ما هو مرقم، ثم تحولت تلك الأسماء إلى فارسية بالتأثير الفارسي، مع بقاء الأصوات كما هي.

وقد قام المستشرق والباحث الإسكتلندي الكبير هنري جورج فارمر، بإنتاج دراسات وبحوث قيمة أنصفت الموسيقى العربية ومنها كتاب تاريخ الموسيقى العربية وبحث بعنوان: "دلائل التأثير العربي في نظرية الموسيقى،" أورد فيهما عدداً من الأدلة الموثقة بعناية على تفوق العرب على غيرهم في هذا العلم.

وله دراسة مهمة أيضاً بعنوان: حقائق تاريخية عن التأثير الموسيقي العربي، تناول فيها دلائل التأثير العربي في كل من: الآلات الموسيقية وتركيب الألحان بطريقة الديسكانت وأول أنواع تركيب الألحان (الأورغانوم) وقوانين التوافق والصولفائية والتدوين الجدولي للآلات.  يضاف إلى ذلك، أنه من خلال الاتصال الأدبي والعقلي أخذت أوروبا أول أفكارها عن التدوين المحدد لدرجة النغم، وهي بالتأكيد قد أخذت جزئياً، إن لم يكن كلياً، نظامها الموسيقي الموزون والمقاس، ومن المحتمل أيضاً طريقة تدوين تلك الموسيقى الموزونة والمقاسة من العرب.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن السلم الغربي قد أخذ من السلم العربي الشيء الكثير. فالأصوات الأساسية في السلم الغربي سبعة وهي: دو، ري، مي، فا، صول، لا، سي. وتتوسطها أصوات كالتي تتوسط السلم العربي. وقد أثبت هذه الحقيقة كثير ممن كتبوا عن الموسيقى العربية والغربية.
 
وهناك نظرية تقول بأن أصل حروف السلم الموسيقى(DO-RE-MI-FA-SOL-LA-SI) مشتق من حروف السلم الموسيقى العربي (درر مفصلات/ دُ رَر مَ فَ صَ لا تِ). وهذه النظرية قدمها كل من المؤلف الفرنسي فرانسيسكي مينينسكيFranciszekiMeninski في كتابهThesaurus Linguarum Orientaliumعام 1680م، وكذلك أيدها بعض الباحثين الموسيقيين اللاحقين مثل: بنيامين دي لابوردBenjamin de LaBorde في كتابهEssai sur la Musique Ancienne et Moderne  عام 1780.  وكذلك وافق عليها المستشرق هنري جورج فارمر.  ويشير فارمر في كتابه القيم مصادر الموسيقى العربية إلى أن هناك منهجين في التاريخ العربي الإسلامي في مقاربة المواضيع الموسيقية: منهج له صلة بالمشتغلين في الموسيقى وآخر ذو طابع نظري بحت مرتبط بعلم الرياضيات لأن الموسيقى كانت جزءاً من العلوم الرياضية.

ولعل أول وصف واضح لعمل ملحَّن عربياً هو ما جاء في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني (ت 356هـ/ 967م): أن إسحاق الموصلي (ت 235هـ/850م) كتب إلى إبراهيم المهدي بجنس صوت صنعه فوصل خبره إلى إبراهيم المهدي فكتب يسأله عنه.  فكتب إليه بشعره وإيقاعه وبسيطه ومجراه، وتجزئته وأقسامه ومخارج نغمه ومواضع مقاطعه ومقادير أدواره وأوزانه، فعرفه إبراهيم وغناه كما وضع لحنه إسحاق.


الفارابي (ت 239هـ/ 853م)

يعد الفيلسوف أبو نصر محمد بن إسحاق بن طرخان الفارابي أفضل من كتب عن الموسيقى العربية، وهو صاحب كتاب الموسيقى الكبير الذي يعد أكمل ما كتبه العرب عن الموسيقى منذ ذلك التاريخ إلى وقتنا هذا، والفارابي في كتابه الموسيقى الكبير يفتح آفاقاً واسعة لإجراء تركيبات استند فيها إلى أسلوب رياضي يعرف حالياً بالمتوافقات والمتبادلات، في تشكيل مجموعات إيقاعية معقدة استناداً إلى خلايا إيقاعية أصغر.

ويطلق الفارابي على الأجناس الموسيقية اسم: "البعد الذي بالأربعة" بنوعيه الأسفل والأعلى: الذي يحيط بأربع نغم من المتجانسات اللحنية والنسبة بين طرفيه بالحدين 3/4 وهو أصغر الأبعاد التي تحيط بأقل أبعاد النغم المتجانسة، وفي مكان آخر يطلق عليها اسماً مغايراً هو "الطرائق" وهو مما تنتظم به الألحان التي تتكون من عدة أجناس موسيقية، في اختلاف فكري ومعرفي عن سابقيه.
وقد اخترع الفارابي آلات موسيقية وحسن البعض الآخر، وينسب إليه اختراع آلتي الرباب والقانون، وكان الفارابي يسمى في الغرب الفارابيوس وله تأثير هائل في ثقافة أوروبا في العصور الوسطى وقد سمي المعلم الثاني - بعد أرسطو-  وأكبر فلاسفة المسلمين.

 

الكندي (ت256هـ/ 873م)

أما الفيلسوف يعقوب بن إسحق الكندي فكان غزير الإنتاج في التأليف، لم يترك ناحية من نواحي العلم إلا كتب فيها، وقدمت رسائل ومؤلفات الكندي الموسيقية ذخائر معرفية ونظريات موسيقية غير مسبوقة، ومن هذه الأعمال القيمة: كتاب في خبر صناعة التأليف وكتاب (المصوتات الوترية) وكتاب (الرسالة الكبرى في التأليف) وكتاب (في أجزاء خبرية في الموسيقى) وغيرها من مؤلفات بحث فيها علوم ونظريات متقدمة ساهمت في تأطير الممارسة الموسيقية

ويتناول الكندي موضوع الموسيقى من مختلف النواحي: النغمات، ما يتفق منها وما يتنافر عند التأليف. الإيقاعات وعدد نقراتها وما يوافق كل منها من الألحان، أثر الموسيقى في النفس وما تبعثه الحانها فيها من سرور وحزن وشجاعة.  أثر الألحان المختلفة في الصحة والمزاج، النسبة بين الأوتار والنغمات والأجرام السماوية وغير ذلك، فيضع لكل هذه الأمور، الدساتير التي ينبغي أن يسير بموجبها الموسيقار الباهر، مؤيداً أقواله بالبراهين الرياضية، والأدلة المنطقية.

من مخطوطة الكندي في خُبْر تأليف الألحان وفيها طريقته في تدوين العلامات الموسيقية
ويعتبر الكندي أول من أدخل الموسيقى الثقافة العربية، فأصبحت ضمن المناهج الدراسية العلمية، وجزءاً من الفلسفة الرياضية.  وكان هذا بطبيعة الحال نتيجة التأثر بالمدرسة الإغريقية، بما نقله العرب من العلوم اليونانية إلى العربية في مختلف نواحي المعرفة ومنها الموسيقى فصارت كلمة "الموسيقى" باللغة العربية تعني علم الموسيقى بينما كلمة "الغناء" التي كانت تعني قديماً أداء الألحان والموسيقى بصورة عامة، أصبحت تطلق على الفن العملي فقط.

 والكندي هو أول من دوّن الموسيقى بالأحرف الأبجدية، وذلك من خلال اتباع طريقة تتمثلُ في تحديد الوتر والنغمات المراد أداؤها والمشار إليها بالأحرف الأبجدية العربية وكان يزاوج بين الطرح النظري الموسيقي وبين استخراج السلم الموسيقي حسب الأصوات، والأنغام واللحون المستخرجة ويشهد على ذلك السلم الموسيقي الذي دونه في مخطوطته الموسيقية وذلك نسبة إلى أوتار العود.
وكان من بين إسهاماته موضوع السلم الموسيقي والمنظومة المقامية العربية التي أطلق عليها كما هو مثبت في هذه المؤلفات القيمة اسم "الطنينات"Modes ومفردها طنين وتعني في مصطلحات ذاك العصر (المقام)، وأحياناً كان يسميها (اللحون) مفردها لحن ليخلص في دراسته المعمقة لهذا السلم الموسيقي إلى اعتباره مساراً لحنياً يشتمل على اثنتي عشرة نغمة ذات أنصاف الأبعاد الطنينية، أطلق عليها أسماء الأحرف الأبجدية من الألف إلى اللام (رسالة الكندي في خبر صناعة التأليف) بعد أن أخضعها إلى نظام الأجناس الذي انبنت عليه موسيقات الحضارات القديمة. وهذه الأنغام الاثنتا عشرة التي يتكون منها الديوان الموسيقي العربي كما أورده هذا الفيلسوف متفقة، كما يرى العديد من البحاثة، كل الاتفاق مع نسب الأبعاد التي يتكون منها سلم فيثاغورس (القرن السادس ق.م) في انعكاس قوي وبيّن للأبحاث الموسيقية الإغريقية التي ترجمها وحلّ رموزها بعد أن تبحر في علومها ليمنح النظرية الموسيقية العربية مفردات جديدة غير مسبوقة كان لها عظيم الأثر في ارتقاء الحياة الموسيقية العربية وفي تثوير الفكر الموسيقي بعطاءات مهمة انعكست على الكتابة والبحث في السلم الموسيقي وفي منظومته المقامية رياضياً وذوقياً.

ويعطي الكندي وصفاً دقيقاً للنغمات التي يقدمها في 7 نغمات مطلق البم، وسبابة البم، ووسطى البم أو بنصره، وخنصر المثلث وهي أيضاً مطلقة المثلث، وسبابة المثلث، ووسطى المثلث أو بنصره، وخنصر المثلث وهي أيضاً تعرف بمطلق المثنى.

وكذلك وجدت مخطوطة للكندي سجل فيها لحناً مدوناً يضعه كتمرين أول للتلميذ الذي يتعلم الضرب على العود. وهذا اللحن يعتبر أقدم وثيقة موسيقية للحن مدون، لا عند العرب فقط بل في تاريخ العود الذي كان معروفاً منذ الألف الثاني قبل الميلاد. وقد حلل هذا اللحن ووضع نغماته في إطار إيقاعي حسب السلم الموسيقي الحديث وعلق عليه الباحث زكريا يوسف حيث قال: "نلاحظ من هذا التمرين أن الكندي يبدأ منذ الدرس الأول في تعويد التلميذ على ضرب نغمتين في وقت واحد كي يدرب أذنه على تفهم الاتفاقات وتعويد أصابع يده على وضعها في الأماكن الصحيحة على الأوتار لتخرج النغم من الوتر المزموم بالإصبع متفقة مع النغمة الثانية في الوتر المطلق أحياناً والمزموم أيضاً أحياناً. وهذا أحدث ما يتبع في تدريس الضرب على الآلات الموسيقية. وهذا اللحن مجسداً بالعلامات الموسيقية الحديثة."

هذا الشكل خاص بنموذج لمؤلفات الكندي الموسيقية الخاصة بآلة العود وهذا حسب ما تعرض له يوسف زكريا من تحليل وشرح وتحقيق لرسالة الكندي في اللحون والنغم.      

إخوان الصفا (القرن الرابع الهجري/ الحادي عشر الميلادي)

أما إخوان الصفا فقد أعطوا في رسالتهم الموسيقية مبدأ آخر للتركيب سيكون له تطبيقاته الشعرية بعد مئات السنين، حيث طلبوا إلى الموسيقي الحاذق إذا أحس بملل الناس أن يغير الإيقاع حسب أسلوب فريد، يتلخص في التوقف عند خلية إيقاعية صغيرة من خلايا الإيقاع المركب المتداول (كانت الإيقاعات المتداولة ثمانية إيقاعات)، ثم المتابعة في إيقاع آخر تكون الخلية المذكورة سابقاً موجودة في بداية تركيبه. أليس هذا مبدأ شعر التفعيلة الحديث اليوم حين ينتقل الشاعر من تفعيلة إلى أخرى ضمن نفس القصيدة وقد تحدث إخوان الصفا عن أجناس الموسيقى وأنها ثمانية أجناس هي أصل وقوانين الغناء العربية وألحانها.

 

صفي الدين الأرموي البغدادي (ت 693هـ/ 1294م)

صفي الدين عبد المؤمن بن يوسف بن فاخر الأرموي البغدادي باحث موسيقي عربي، ولد وتوفي في بغداد، وهو فارسي الأصل يعود نسبه إِلى بلدة أرمية (الرضائية- اليوم)، في أذربيجان، وكان صفي الدين ذا ثقافة واسعة، وقد عمل في كثير من العلوم والفنون والآداب، وجاد فيها مثل: التاريخ، وعلم الكلام، والشعر، وأتقن فن الخط العربي حتى عُد من أفضل خطاطي عصره.
وقد بزغ فجر موسيقي جديد مع (المدرسة المنهجية في الموسيقى العربية) التي تزعمها العالم الموسيقي صفي الدين الأرموي البغدادي الذي قدم إنجازات فكرية ومعرفية غير مسبوقة وتحديداً في مجال النظرية الموسيقية القديمة وتثوير مفرداتها وبخاصة الأدوار الموسيقية "المقامات" كما نرى في كتابه القيم الأدوار في الموسيقى، حيث يؤكد على أن: أهل الصناعة الموسيقية أطلقوا على الأدوار- المقامات- اسم الشدود- جمع شد وهي تسمية تدل على الانتقال من نغمة إلى النظير المشابه الأقرب لها اتفاقاً بالقوة سواء رفعت النغمة إلى طبقة أحد أو خفضت إلى طبقة أثقل ولكل دور أصل يبنى عليه.
والأرموي في أبحاثه النظرية التي احتواها كتابه الأدوار أدخل بالإضافة إلى التركيبات الرياضية للإيقاع، فكرة استخدام الدوائر لتمثيل الإيقاع (كما فعل الخليل في دوائره العروضية)، ومن ثم تدوير الدائرة بمقدار نبضة إيقاعية واحدة بحيث قد ينتج عن ذلك إيقاع جديد، وابتدع أسلوباً جديداً في تركيب المقامات الموسيقية، معتمداً على أسلوب الفارابي الرياضي في تركيب الإيقاعات، وذلك انطلاقاً من خلايا موسيقية تماثل الأجناس في مصطلحات اليوم.  رتب صفي الدين هذه المقامات الناتجة في دوائر رقّمها ليصل عددها إلى نحو مئة مقام موسيقي.  واستخدم صفي الدين أيضاً أسلوب الخليل في تبديل موقع النبضة الإيقاعية لابتداع بحور جديدة وابتداع مقامات جديدة أيضاً عبر تحريك موقع درجة الاستقرار على دائرة المقام. مثال ذلك اعتماد دائرة مقام الحجاز على الدوكاه ومن ثم التوقف على درجة استقرار أخرى كالراست مثلاً فيتحقق مقام جديد هو مقام النكريز، أو تحريك درجة الاستقرار في مقام الكرد على الدوكاه إلى درجة الحسيني عشيران، فيتحقق تصوير لمقام اللامي عليها.

ولعل شهرة كتابه الأدوار ترجع إلى أنه أول كتاب بالعربية يحاول تدوين نغم الألحان بأجناسها وإيقاعاتها، وقد استخدم الحروف الهجائية للدلالة على النغم ثم قرنها بالأعداد لتدل على الإيقاعات والأوزان، وهذه التجربة تُعتبر من أقدم التجارب في تدوين الموسيقى.

وتجدر الإشارة إلى أن أسلوب صفي الدين في التركيب لا يزال معمولاً به في مقاماتنا الحالية، فمثلاً إن ركبنا جنس سيكاه على السيكاه مع الحجاز نوا نتج مقام الهزام، بينما لو كان التركيب مع الراست على النوا لحصلنا على مقام السيكاه، ولو كان النهاوند لحصلنا على مقام ماية، ولو كان الصبا، لحصلنا على مقام بستنكار على السيكاه وهكذا.

لقد كان صفي الدين الأرموي نابغة من النوابغ في علم الموسيقى والغناء والأدب والخط والتاريخ.  وكان همزة الوصل بين علماء الموسيقى العرب القدامى كالكندي والفارابي وابن سينا، وبين الأجيال الحديثة التي جاءت بعده من الموسيقيين والذين اعتمدوا في مؤلفاتهم على نظرياته وآرائه في الموسيقى العربية. وصفه العالم الإسكتلندي هنري جورج فارمر، بأنه أحد الذين أضاءوا صفحات تاريخ الموسيقى العربية، كما يعتبر سلمه الموسيقي أكمل سلّم على الإطلاق، وقد بقيت مؤلفاته المرجع الأساسي للموسيقيين النظريين عدة قرون.

المصدر : المجلة العربية السعودية