خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الثقافة الشعبية وإشكالية التعريف

. مقالات

إعداد:بوعزيز سمحون[1]

 

إن التفكير في مسألة الثقافة الشعبية يستدعي الوقوف عند ثلاث فرضيات، أولاها أن الشعبي من الثقافة ليس بالضرورة إنتاج الشعب إلى الشعب، إذ أن مفهوم الوسائط المتداخلة في العلاقة بين الإنتاج الفكري والبنية الاجتماعية يصبح هنا ذات أهمية خاصة. والقول بأن العبارة الشعبية مصدرها ومآلها الشعب يعني غياب هذه الوسائط. وثانيتها أن الخاصة والعامة اجتماعيا والخاصة والعامة ثقافيا لا تتطابقان لا باعتبار المراحل التاريخية الكبرى وليس بتلك الصفة الآلية التي كان يراها البعض. أما ثالثتها فهي إن الثقافة الشعبية تعبير عن غياب الحاكم أكثر مما هي تعبير عن حضور الشعب المحكوم[2].

ومن أهم العناصر في تعريف الثقافة الشعبية عموما إدماج الشعب فيها على اعتبار أنه منتج ومستهلك لما أنتج من أنماط في التعبير الفني. كذلك ارتباط الثقافة الشعبية عضويا بالواقع الموضوعي للشعب من حيث أنها تعبّر عن همومه وآماله. ومن هذا المنطلق تغدو صفة الشعبية راجعة إلى التصاق الموصوف بما هو إنتاج بواقع الفئات التي صاغته وحوّلته إلى منظومة قائمة الذات.

والثقافة الشعبية هي الثقافة التي تميز الشعب والمجتمع الشعبي، وتتصف بامتثالها للتراث والأشكال التنظيمية الأساسية. ويذهب الإثنولوجيون الأوروبيون إلى أن الثقافة الشعبية في أوروبا هي ثقافة ذات طابع قديم. والثقافة الشعبية ليست هي الثقافة التي خلقها الشعب، وإنما هي تلك التي قبلها الشعب وتبناها وحملها[3].

كان الاهتمام بالثقافة الشعبية منصبا على مخزون الحكايا والأساطير والملاحم والفنون الشعرية والسردية بوصفها مخزونا ثقافيا بانيا للهوية الاجتماعية على مر الفترات التاريخية[4].

عندما نقول بأن الثقافة شعبية لابد أن نشير في المقابل إلى الثقافة العالمة. فالثقافة العالمة[5] نالت الحظ الأوفر من الدّرس والتّمحيص في إطار الفكر العربي المعاصر عامّة، لكن ما حظّ الثّقافة الشّعبيّة بما هي مكوّن من مكوّنات التّجربة الثّقافيّة فكرا إنتاجا وممارسة في علاقة بالمعيش اليومي للنّاس، من هذا الدّرس والتّمحيص؟

فالممارسات الثقافية الشعبية تنجز من قبل الشرائح الاجتماعية الواسعة على خلاف الإنتاج الثقافي الفردي المـتـسم بنخبويته. فكأنما التراث الشعبي هو تراث العامة المنفلت من القيود والضوابط الرسمية التي ترسمها الخاصة. يقول المنصف وناس:" الرواية الشعبية تطلق العنان لنفسها متحدّية الظروف السياسية والتاريخية عكس الخيال الذي يبقى حبيس قوالب ومعايير ثابتة وقليلة التغيّر "[6].

وترتكز الثقافة الشعبية أساسا على قاعدة المشافهة، وهي مدونة في أفكار الناس وذاكرتهم، وهذا العنصر يمنحها في نفس الوقت تجذرا متميزا يجعل الأجيال تتناقل آدابها جيلا بعد جيل، وكذلك فرصة الإضافات والتغييرات والتشويهات والتحريفات والاحتواءات، ومن هنا تأتي صعوبة البحث للشخص الذي يريد تدوينها أو دراستها[7].

وتضم هذه الثقافة آداب السير والملاحم والخرافة والحكاية والأشعار والأغاني والأقوال السائرة والأمثال والحكم والألغاز والألعاب والمهارات والمعتقدات والمعارف[8]. وتتجلى الثقافة الشعبية المحلية في أشكال مختلفة من التصورات والمعارف والعادات والتقاليد والتعبيرات الفنية والمهارات والخبرات التقنية التي أنتجها وتداولها أبناء هذا المجتمع أو ذاك[9].

والثقافة التقليدية هي الثقافة التي تتوارث داخل الجماعة حاملة الثقافة. وقد استخدم "إريكسون" هذا المصطلح لوصف جوهر الثقافة الشعبية. ويقول قد يوجد في جميع الراقات  الاجتماعية مقدار معين من الثقافة التي تكون موروثة عادة، وتكون قد تم تمثلها وهضمها على المستوى الفردي على الأقل. والثقافة الشعبية هي نفسها الثقافة التقليدية الحية. ويقول "إريكسون" غالبا ما يوحَّد بين كل من الثقافة الشعبية والثقافة التقليدية[10].

وللثقافة الشعبية مجموعة من العناصر أهمها عنصر التقليدية[11]والاستمرارية وهو من مميزات الثقافة الشعبية، ويكون ذلك في طرق الحصول على المواد وفي طريقة التصنيع وفي طرق استعمالها أو استهلاكها. هذه جميعها تجري بطرق ومواصفات تقليدية متوارثة[12].

 كذلك عنصر الوراثة أي أن المعلومات والمواصفات تكون عادة متوارثة شفويا أو عن طريق التقليد، في إطار العائلة أو بين مجموعات الأقارب أو مجموعات العمل المحلية[13].

 ومن عناصر الثقافة الشعبية أيضا عنصر المحلية، حيث يظهر في الثقافة الشعبية تأثير الثقافة المحلية، إذ تبرز فروق محلية بين منطقة وأخرى. كذلك تغلب على الثقافة الشعبية الاعتبارات الوظيفية العملية، لذلك تظهر فيها بوضوح تأثيرات الحاجات المحلية على الخطة الذهنية لتصميمها وعملها وبنائها[14].كذلك تمتاز الثقافة الشعبية بالرمزية، حيث يتكرر فيها العديد من الرموز المتفق عليها في المجتمع المحلي، والتي تمثل التجارب والقيم المشتركة التي تربط بين أفراد المجتمع[15].

إن كل هذه العناصر متأتية من صفة الشعبي، وكلمة شعب، ويعني مصطلح شعب في الإثنولوجيا عامة الناس الذين يشتركون في رصيد أساسي من التراث القديم. وقد ظهرت كلمة شعب في علم الإثنولوجبا لأول مرة كمصدر للكلمات المركبة مثل الأغنية الشعبية أو المعتقد الشعبي[16]. وظهرت في أربعينيات القرن الماضي مع كلمة فلكلور، وحينما استعملت كلمة شعب ككلمة مستقلة في المناقشات الإثنولوجية والفلكلورية كانت تعني بصفة عامة الجماعة الصغيرة، أو الجماعة التي يرتبط أفرادها بمصالح مشتركة، أو عامة الشعب أو الفلاحين[17].  

والشعب هو قطاع من حضارة مركبة يتصف بالتمسك القديم، ويعد الراق الأدنى في أوروبا مطابقا لمجتمع الفلاحين. كما تستخدم كلمة شعب في أمريكا اللاتينية للدلالة على الجماعات الريفية[18].

والشعب هو الراق الاجتماعي الذي يحمل الثقافة بصفة أساسية وهو يعني كذلك جماعة اجتماعية يرتبط أفرادها بتراث مشترك وشعور خاص بالتعاطف قائم على خلفية تاريخية مشتركة. والشعب يتصف باتجاه أساسي عقلي وروحي أصيل وسلوك طبيعي مرتبط بالمجتمع ودرجة معينة من وحدة الفكر والإحساس. ويرى "إريكسون" أن مصطلح شعب يمكن أن يدل على الشيء الشائع أو الطرازي بين الناس، وهو الذي يميز غالبيتهم. ويعرف "وايس" االشعب بأنه ليس تجمعا اجتماعيا، وإنما هو نوع من السلوك الذي يساهم فيه كل فرد بنصيب. وأنه موقف روحي يحدده التراث والمجتمع[19].

وعلى هذا الأساس يمكن النظر إلى الشعب باعتباره مجموعة من الناس بطبقاتهم المختلفة وفئاتهم المتباينة، سواء كانت إثنية أو مهنية أو دينية، فهم الذين تجمعهم وحدة اللغة والعادات والتقاليد والمشاعر والاهتمامات والذين يشتركون في تراث عام يحرصون على استمراريته عبر الأجيال[20]

ويقال أيضا شعب وحياة شعبية، وبهذا يصبح المفهوم سيكولوجيا تماما، وهذا يدل على وجود الحياة الشعبية والثقافة الشعبية دائما حيث يخضع الإنسان (كحامل للثقافة) في تفكيره أو شعوره أو تصرفاته لسلطة المجتمع والتراث. إذ يوجد داخل كل إنسان توتر دائم بين السلوك الشعبي وغير الشعبي، وبالتالي يتضح عند كل إنسان موقفان مختلفان، أحدهما فردي والآخر شعبي أو جماعي[21].

لقد اتخذنا الثقافة الشعبية موضوعا للتفكير في تقابلها مع الثقافة العالمة واستثمرنا في ذلك جملة من الفرضيات الموضوعية في البحث في الثقافة الشعبية وقد تحولت إلى منطلقات، حيث اتجهنا نحو التمييز بين الثقافة الشعبية والثقافة العالمة. فالثقافة الشعبية تعني الثقافات التي تتعارض في منطقها ولغتها وصورها ومحاورها ومراجعها ومقاصدها مع الثقافة العالمة أو الرسمية. وهي كل الثقافات التي تتكلم بلغة العوام وتعكس بناهم الذهنية ورؤيتهم للعالم. وينبني هذا التعارض مع الثقافة العالمة أو الرسمية على شكل التبليغ والتواصل والنقل أكثر من المضمون ولا يعني هذا أن الثقافة العالمة الملتزمة أو الواقعية أدبا وقصة وغناء وشعرا هي ثقافة شعبية، فالفرق بينهما هو فرق في طرق التبليغ أو أشكال إنتاجه[22].

 


[1]باحث في العلوم الثقافية اختصاص موسيقى وعلوم موسيقية بجامعة تونس.

[2] السعيداني، (منير)، استحالات الثقافة والمثقف: الطاهر لبيب شاهدا ومشهودا عليه من كتاب الثقافة والآخر، تونس، الدار العربية للكتاب، 2006، ص57.

[3] إيكه، (هولتكرانس)، قاموس مصطلحات الاثنولوجيا والفلكلور ، ص158.

[4] السعيداني، (منير)، مرجع سابق، ص57.

[5] في هذا السياق يتأكد التداخل المعرفي بين الثقافة العالمة والثقافة العامية بحيث يغدو الخلق الثقافي غيرمنفصل عن البنى الاجتماعية والمعيش اليومي للناس وما تختزنه ذاكرتهم.

[6] ونّاس، (المنصف) ، إبداع الخيال وإبداعية المخيال (قراءة في الخطاب الإبداعي العربي) ، مجلة الحياة الثقافية، العددان 64 و65، 1992، تونس، ص17.

[7] خواجة، (أحمد)، الذاكرة الجماعية والتحولات الاجتماعية من مرآة الأغنية الشعبية، أليف منشورات البحر الأبيض المتوسط، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس، سلسلة أضواء، تونس 1998، ص17.

[8] خواجة، (أحمد)، الذاكرة الجماعية والتحولات الاجتماعية من مرآة الأغنية الشعبية،مرجع سابق ص17.

[9] حواس، (عبد الحميد)،آفاق المأثور الشعبي، المجلة العربية للثقافة، عدد36، 1999، ص10.

[10] إيكه، (هولتكرانس)، مرجع سابق، ص156.

 حسب "إريكسون" يمكن تبرير هذا التوحيد، إلا أنه ينبغي في الوقت نفسه تحديد هذا النعريف الذي يتسم بالغموض الشديد، لأن كل ثقافة تعد تقليدية من بعض نواحي.

[11] يقول "إريكسون"  إن هذه العناصر يجب أن تكون جزءا من الشعب وألا تكون شيئا يتمسكون به لفترة قصيرة من الزمن فقط، ثم يجب أن تكون شاملة الظهور داخل الجماعة الاجتماعية ومتكيفة مع ثقافة هذه الجماعة. إيكه، (هولتكرانس)، مرجع سابق، ص238. يرى كذلك بعض الأنثروبولوجيين أن التباين بين المجتمعات التقليدية والحديثة فرضا أساسيا معمول به، ومن ثم وبناء على هذه النظرة فإن الأحداث والتحولات التي طرأت على مجتمع تقليدي هي مجرد أحداث أو تحولات عرضية أو ظواهر مصاحبة. كاريذرس، (مايكل)، مرجع سابق ص26.   

[12] كنعانة، (شريف)، دراسات في الثقافة والتراث والهوية، فلسطين، المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، مؤسسة ناديا للطباعة والنشر والإعلان والتوزيع، 2011، ص186.

[13] كنعانة، (شريف)، مرجع سابق ص186.

[14] كنعانة، (شريف)، مرجع سابق ص186.

[15] كنعانة، (شريف)، مرجع سابق ص187.

[16] المعتقدات الشعبية جزء هام من الثقافة الشعبية، فهي تشكل ما يعتقد الناس فيه وتوجه العادات الشعبية والإنسانية الأخرى، في الكشف عن البعد الثقافي لأفراد المجتمع بمختلف طبقاته وفئاته الاجتماعية والثقافية. خليل سيد أحمد، (عبد الحكيم)، دراسات في المعتقدات الشعبية، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2013، ص14.

[17] إيكه، (هولتكرانس)، مرجع سابق، ص231.

 

[18] إيكه، (هولتكرانس)، مرجع سابق، ص233.

[19] إيكه، (هولتكرانس)، مرجع سابق، ص234-235.

[20] )حسين، (محمد فهيم)، أدب الرحلات، سلسلة عالم المعرفة، عدد 138، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1989، ص107.

[21] إيكه، (هولتكرانس)، مرجع سابق، ص237.

[22] خواجة، (أحمد)، الذاكرة الجماعية والتحولات الاجتماعية من مرآة الأغنية الشعبية،مرجع سابق ص19.