شكل موسيقى المنطقة العربية قديما

. مقالات

حميد البصري

 

إن البحث عن شكل موسيقى المنطقة العربية قديماً وتطورها لا يهدف إلى الادعاء بأنها أصل الموسيقى في العالم، إنما يهدف إلى تشكيل قناعة راسخة بأن تراثنا الموسيقي عميق في التاريخ مرتبط بالحضارة الإنسانية، وعلينا بالتالي اكتشاف ملامحه لنبدع موسيقى حديثة متطورة لها ارتباط بجذور موسيقانا، لكي يكون لنتاجنا هوية عربية تضيف شيئاً إلى التراكم الثقافي والإنساني لشعوب العالم.

 

وفي هذا الخصوص ، ما زال الإنسان ينبش التربة بأنامله وتركيزه الذهني ليستقرئ من الآثار التي يجدها دليلاً مباشراً أو غير مباشر على موسيقى الأسلاف، فمن غير المعقول أن تقوم حضارة من دون فن، وفن من دون موسيقى.

 

وحضارة أسلافنا في المنطقة تنطق عن نفسها عبر فنون كثيرة كالعمارة والتشكيل ، لكنها آثار صامتة، أما الآثار الموسيقية كالنقوش المسمارية التي يعود تاريخها إلى 3000 سنة قبل الميلاد فإننا لم نستطع تحديد ملامحها إلى أن قام بذلك تباعاً الفيلسوف العربي "الكندي" في القرن التاسع الميلادي وبعده الفيلسوف "الفارابي" في القرن العاشر الميلادي و"ابن سينا" في القرن الحادي عشر الميلادي و"إخوان الصفا" في القرن الثالث عشر الميلادي و"اللاذقي" في القرن السادس عشر الميلادي وغيرهم.  وبدت تتوضح من خلال كتابات هؤلاء معالم الموسيقى وسلالمها في ذلك الوقت.  وما زالت مخطوطاتهم ومخطوطات غيرهم في باقي العلوم والفنون محفوظة في متاحف وأمكنة كثيرة في العالم مثل تركيا والنمسا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وأمريكا.

 

أما الاستدلالات الأقدم من تلك المخطوطات فتتمثل بالآلات الموسيقية التي عثر عليها في المنطقة العربية وهي تشير بشكل مباشر وغير مباشر إلى السلالم الموسيقية المستخدمة وطريقة استخدامها.  فالعثور على آلة نفخ فيها ثلاثة ثقوب فقط يدل على أن السلم الموسيقي كان مؤلفاً من ثلاثة أو أربعة أصوات فقط.  وكذلك العثور على القيثارة السومرية من قبل عالم آثار بريطاني عام 1927م في مدينة أور السومرية جنوب بلاد الرافدين والتي يرجع تاريخها إلى 2500 قبل الميلاد، مصنوعة فوق شكل لجسم ثور ومصفحة بصفائح رقيقة من الفضة، واستدل على عدد الأوتار الخمسة من أثرها على صفائح الفضة، وذلك  يدل على أن  السلم الموسيقي كان مؤلفاً من خمسة أصوات ، لأن التصبيع (أي تقصير الأوتار بوضع الأصابع عليها) لم يكن مستخدماً في تلك الفترة . وتعتبر هذه الآلة من الآثار الرئيسية في تاريخ الموسيقى عامة وليس الموسيقى العربية فقط.

 

واكب تطور الآلات الموسيقية تطور السلم الموسيقي وسارا جنباً إلى جنب، حيث صار كل منهما مؤشراً على الآخر.  فالموسيقى المتأخرة تعرف من آلاتها دون سماعها، والراقية كذلك.  وقبل أن يكتشف الإنسان الآلة الموسيقية استعمل حنجرته كجهاز مصدّر للأصوات الموسيقية وأكفّ الأيدي كجهاز مصدّر للموازين والإيقاعات والنقرات.

 

ومن المعتقد أن الإنسان عرف السلم الموسيقي من خلال "الشبابة" التي كانت أول آلة موسيقية اكتشفها وصممها.

 

ما يفيدنا في معرفة تاريخ وشكل موسيقانا  والعلاقة بالسلم الموسيقي هو الموسيقى المقارنة، أي الاطلاع على السلالم التي نشأت خارج المنطقة العربية ومعرفة تطورها. ففي الصين مثلاً، كان السلم مؤلفاً من خمسة أصوات ومن ثم تطور إلى سبعة أصوات. كذلك السلم الياباني والمصري . وفي الهند كان السلم سباعياً إلا أنه مقسّم إلى 22 جزءاً.