خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

التجديدُ في الغناءِ والموسيقى الشرقيّةِ وبعث المقاماتِ العربية

. مقالات

"في الذكرى السنوية لوفاة الموسيقار محمد عبد الوهاب"

 

حاتم جوعيه

 

يشهد شهرَ أيار – مايو رحيل مُطربِ القرن العشرين محمد عبد الوهاب ومطرب القرن التاسع عشر عبده الحامولي المعروف بـ "سي عبده"، وإن باعدت بينهما تسعون سنة بالتمام.  هذان العملاقان ملآ الدنيا وشغلا الناس وتركا أعمقَ الأثر في الغناء ِالعربي المُتقن. 

كتب القاص العربي الكبير نجيب محفوظ على لسان بطل ثلاثيتهِ الرّوائية "السيد أحمد عبد الجواد": "إنَّ دولة َ الفنِّ قد انتهت بانتهاءِ سي عبده."  أمَّا عبد الوهاب فأنهكَ حياته المديدة َ في تجديدِ الغناء العربي على مراحل متعاقبةٍ ُتوازي مراحله الصوتيّة فكانَ له ُفي عشرينيات القرن الماضي تجديد، وفي ثلاثينياته تجديد آخر، وفي كلِّ عقدٍ بين الأربعينبات والتسعينيات لون آخر متميز من التجديد.

منذ ُ فجر تاريخ الغناء العربي فإن محمد عبد الوهاب هو أوَّلُ ملحن ومطربٍ عربيٍّ صدرت عنه في مصر لوحدِها عشرة ُ كتبٍ قبل أن يمضي على رحيله عامان فقط .

ويجمع شهر أيار - مايو - سنة 1901 وسنة 1991 بين عملين فنيين يبْدُوَان مختلفين، لكنهما في الحقيقةِ متفقان، فعبده الحامولي في الأدوار الغنائية يختلفُ عما قدَّمَهُ محمد عبد الوهاب وأبدعه ُ في تجديداتهِ التلحينية، ولكن يجمعُ بينهما إخلاصهما والتزامهما لأصول ِ الغناءِ العربي المُتقن والرَّاقي. والعمل على توسيع هذا الغناء وتطويره وحمايته من الهدم والتخريبِ والضياع. فالغناءُ العربي المُتقنُ يَتَّسِعُ لجميع ِ المذاهب والمُحاولات التجديديَّة ما دامت لا تستهدفُ إلغاءَ هذهِ الأصول العربيةِ وإحلال بدائل غريبة عنها.

إنَّ تسعين عاما بين رحيل عبده الحامولي "سي عبده" سنة 1901 ورحيل محمد عبد الوهاب سنة 1991 أعاد رسم مشكلات الغناء العربي بحيث كادت تصبح مقطوعة َ الصلة ِبمشكلاتهِ في عهد عبد الحامولي وزميله محمد عثمان ومحمد المسلوب في أواخر القرن التاسع عشر فمهمة "سي عبده" ومعاصريه، أي رسالتهم الفنية، كانت نفض وإزالة التراب عن المقامات العربية وإحياءها من جديد ... هذه المقامات التي أخذت أسماءً فارسية وتركيّة في عصور الانحطاط السياسي والاجتماعي للأمةِ العربية بعد سقوط بغداد في قبضة هولاكو سنة 1258 م.  فمهمة ُهؤلاء الرواد الفنانين العمالقة هي إنطاق هذه المقامات العربيّة العائدة من غربتها الطويلةِ، بلغةٍ ولهجةٍ جديدة في الغناء، تختلفُ عن اللهجةِ التي سادت أكثر من أربعمائة سنة على الأقطار العربية ... باختصار فالحامولي ومعاصروه من الفنانين عملوا على ردِّ وإرجاع فنّ الغناء في عصرهم إلى تلك الأصول العربية الصحيحة ... وقد فعلوا كلَّ هذا بدقة وإخلاص.

قبل مجيء عبده الحامولي لم يكن متداولا في مصر حينذاك سوى مقامات السيكاه والبيات والراست وشذرات من مقامات أخرى بلهجات بدائية. ويبدو هذا الأمر واضحا في البحوث العلمية التي أجراها علماء الحملة الفرنسية الاستعمارية التي قادها نابليون على مصر عام 1798م.  وهذه البحوث مدونة ٌ ولا خفاء بها.  إنَّ كتابَ "سفينة الملك" للشيخ شهاب الدين هو الذي لفتَ الأنظار ونبَّه َ الحامولي ومن سبقوهُ ومن عاصروه في القرن التاسع عشر إلى ثراء المقامات العربية وكثرتها.  وفي زيارةِ الحامولي لأسطانبول فتحت أمامه أبواب أخرى في معرفة مقامات عربية غير متداولة في مصر ومعروفة في إسطنبول ناطقة بلهجة غنائية عثمانية، مثل مقام حجاز كار وأجناسه، ومجموعة من المقامات التي تبدأ بكلمة "شوق" مثل : (شوق افزا) و(شوق انكيز) و( شوق طرب ) وغيرها ... هذا فضلا عن الماهور والشاهيناز والستنيكار والدلنشين وراحة الأرواح، وغيرها من المقامات العربية التي أطلق َ عليها الأتراكُ والفرس أسماء ً تركية وفارسية بعد سقوط البلدان العربية في أيديهم.

 إنَّ مهمة َ"سي عبده" كما ذكرتُ سابقا هي بعث وإحياء وإعادة الوجه العربي إلى المقامات التي استعجمت، فأدَّى "سي عبده" ومعاصروه هذه المهمة بنجاح كبير، وتركوا للذين جاؤوا بعدهم تراثا رائعا من الموشحات والقصائد والأدوار تجسدت وارتسمت فيه ملامحُ معركتِهم العنيفة ضدَّ عوامل الانقراض التي تجمعت وتآمرَتْ ضد َّ الغناءِ العربي خلال تلك الحقبة التاريخية الطويلة المظلمة .

 كان لعبده الحامولي "سي عبده" صوتٌ رائع عظيم، وقال عنه معاصروه إنهُ يحتوي على ثلاثة دواوين، أي أربع وعشرين درجة نغمية.  وهذه المساحة ُالواسعة لم تـتح لصوتٍ بعد صوت عبده الحامولي إلى يومنا هذا .

فأقصى ما بلغته مساحة ُصوت محمد عبد الوهاب الذهبي في العشرينيات من عمره لم تزد على خمس عشرة درجة، وأقصى ما بلغه صوت أم كلثوم خلال العشرينيات من عمرها سبع عشرة أو ثمان عشرة درجة . لا يُقاسُ الصوتُ بمساحتهِ فقط بل بجمالهِ أيضا ومقدرته وندرةِ معدنه.  وقد جمع الحامولي بالإضافة إلى مساحة الصوت وجماله مقدرة الأداء ونفاسة المعدن وفق ما أجمع عليه النقاد الفنيون.  سيطر عبده الحامولي على الساحةِ الفنية بمذهبه الغنائي المتطور الذي انبعثت فيه مقاماتُ الغناء العربي انبعاثا جديدا من خلال ألحانه وألحان معاصريه من عمالقة الفن مثل : محمد عثمان ومحمد المسلوب .

 وأخيرًا : مهما اختلفت المشكلاتُ والمهامُ التاريخية بين محمد عبد الوهاب وعبده الحامولي "سي عبده" فإن الأساسَ الراسخ المتين الذي بني عليه كل منهما هو حلّ مشكلة الغناء في عصره والحفاظ على الكيان العربي المستقل لهذا الفن الأصيل، وانطاقه بلهجةِ عصرهِ، وتوسيع آفاقِهِ وطرد المغرضين والمتسلقين على الدوحة الفنية من المغنيين الساقطين المهجنين التعبين أعداء الأغنية والفن العربي الراقي العريق ، ومن شتى أنواع الدخلاء والأدعياء .

المصدر : رابطة أدباء الشام (ببعض التصرف)