خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

أثر التطور التكنولوجي على واقع الموسيقى العربية

. مقالات

سامي نسيم


الموسيقى العربية غير بعيدة عن موجة التطور التكنولوجي التي أحاطت كل العلوم، وتغلغلت في أدق التفاصيل اليومية للإنسان المعاصر باعتبارها واقعا ملحاً ونتيجة حتمية لثورة المعلوماتية العالمية المترامية الأطراف والأهداف. ويبدو أثرها  جليا كلما اقتربت منها الأجهزة التقنية الحديثة. .بسبب الحاجة الحتمية إلى تسهيل مهماتها الفنية والأدائية تارة، وبسبب مواءمة روح العصر ومتطلباته تارة أخرى.  فلا تستطيع الموسيقى أن تقف بعيداً عن التيار التقني الحاصل من حولها دون مواكبة له، والإفادة منه بطرائق عملها في جميع مجالاته الواسعة، لكون التطور البرامجي قد دس أنفه في كل زواياها وخباياها.  ولن يتوقف فضوله العلمي التقني عند حدود معينة، بل يتعدى ذلك ليطال كل خصوصية تقليدية وصبغة محلية راسخة، بالرغم من أن الإيجابي في هذه التقنية الوافدة أعطى فسحة معقولة من الحرية والخيار للمبتكرين والعاملين في مجال التأليف والإنتاج الموسيقي والغنائي للحفاظ على الهوية والطابع التقليديين في حال الرغبة بذلك؛ أي أن المهمة أوكلت لهم للأخذ بما يناسب موسيقاهم وغناءهم ويبرز قيمها ولونها الخاص، وذلك من خلال إبراز الآلات العربية التقليدية بحيوية وتفعيل دور القيم اللحنية العربية للمنتج الموسيقي والغنائي العربي.

غير أن الخطورة تكمن في الجهل وسوء الاستخدام واستسهال العمل، لكونه متاحاً للجميع دون رقابة وتحفظ، بحيث انقلبت العملية عكسيا، وأصبح السائد هو الأغلب من القوالب الجاهزة الخالية من الخواص الفنية بطابعها المحلي الأصيل.  وحيث إن القرن العشرين شهد عودة الصورة، من خلال تمظهرات  فنية وتقنية بصيغة ثقافية جديدة ، دعيت ثقافة الصورة  التي هي بلا ريب لغة متكاملة العناصر.

إنه عصر الثقافة الرقمية. وإننا أمام مشكلة خطيرة إذا ما بقيت  أجيال الأمة العربية تستهلك ثقافة بصرية غريبة عنها كل الغرابة، فالصور أبلغ من الكلام وأسرع انتشارا وأكثر تعبيرا من أي خطاب آخر.  ففي التقني (صورة واحدة أبلغ من ألف كلمة)، وإن أبرز أهداف العولمة هو تسليع الثقافة وتسطيحها .وهي متاحة للجميع حيث وصف ريجيس دوبريه هذاالقول بأنه مماثل "الانتقال العالم من العصور الوسطى إلى عصر التنوير.أو من الموجة الفلاحية إلى  الموجة الصناعية  أو من الموجة الصناعية إلى الموجة المعلوماتية .وهي ذروة الحداثة." 

تغلب خطاب الصورة بسطوته على جميع اللغات الفنية، ولكن الموسيقى هي الأقل تضررا من سواها من الفنون لكون حتى الصورة تبقى بحاجة ماسة لروحها النابضة.  ومثال ذلك السينما والتلفزيون، فهما لا يصلان لكمال رسالتهما دون الموسيقى، لذا يتحمل المتخصصون في مجال الموسيقى العربية مسؤولية كبيرة بحسن استخدام التطوير التكنولوجي وتطويعه لعالمها حتى تواكب الحداثة وثوابتها الجمالية التي شكلت قيمها الفنية عبر مراحل مسيرتها.  ولا يخفى ذلك على المتتبع من خلال شبكات الاتصال، التي أسهمت في نشر الموسيقى العربية بشكل واسع وتفوقت على القنوات الفضائية العربية لكونها لا تفرض  خياراً واحدا من نوع واحد لموسيقى وغناء معين مرتبط بالربحية والمتاجرة الإعلامية والفنية.  ومن ثم كان  دور مواقع الانترنت مميزا وبإشراف من متذوقين ومتخصصين يستقطبون متلقيا متفهمـا للمادة الفنية الموسيقية المطروحة .ونجحت هذه المواقع كثيرا من خلال إحصائية تقييمية للتعليقات المباشرة من جمهور واسع في العالم يسجل رأيه عنها ويدخل بصلب النقاش في موضوعها. وهذا يحسب للتطور التقني،  وفي صالح الموسيقى عموما والموسيقى العربية تحديدا.ولابد من الإشارة إلى أن سمة العصر هي هدم أسوار الزمن والخصوصية والمسافات؛ ويدخل هذا ضمن مفهوم حوار الحضارات كواقع ملموس. وليس هناك ريبة من ذلك لكون عناصر الأصالة والتراث الراسخ والضارب بجذوره بعيداً لا تنتهي بل بفضلها تكتب له الاستمرارية من خلال وعي القائمين عليه وابتكار طرق مستحدثة للحفاظ عليه والنهل من رصيده العميق الذي لا ينضب.ويحدث هذا واقعا بدأ من تحويل الأسطوانات إلى أشرطة الكاسيت سابقاً، وتم تحويلها للأقراص المدمجة المضغوطة حاليا،ً وذلك للتداول والحفاظ. كل هذا يصب في خانة إدامة وتثبيت المنجز الموسيقي والغنائي العربي بمعالجات تقنية معاصرة مفيدة.  

التطور الكبير في أجهزة التسجيل الموسيقي

لقد وفرت التقنية الجديدة الحاصلة في أجهزة التسجيل الكثير من التطوير التكنولوجي واختزلت كم الجهود والإمكانيات، واجتازت كل المعوقات والإشكاليات التي كانت تعرقل عملية تنفيذ الموسيقى، وأسهمت في تغيير واقع وتقنيات التسجيل الصوتي الموسيقي والغنائي وتطور طرائق اشتغاله متمثلة ببرامج التسجيل الصوتي والخزن وِفْقَ الخطوط المتعددة المسارات(Multi Tracks Recording ) إذ يكون لكل خط استقلاله عن الخط الآخر أثناء التسجيل بينما تتحد أصوات الخطوط في عملية المزج النهائية.  وبفضل ظهور برامج (music software)مكنت المتعاملين معها من إجراء عملية تسجيل الصوت من دون إجراء أي تقطيع.  وصنعت الشركات ما يعرف بـ  (sound cards)تختص بإنتاج الأصوات الموسيقية الجديدة.  وتطور ذلك كثيراً وحققت تلك النقلة المهمة مستوى عالياً من التعامل مع أصوات شبه حقيقية اقتربت إلى حد ما من الأصوات الطبيعية للآلات الموسيقية ومنها العربية تحديدا بأنواعها، وعلى رغم ما حققته تلك الأصوات من قناعة للأذن الموسيقية السمعية وللذائقة الصوتية، إلا أنها في محصلتها النهائية كانت تفتقر إلى حد كبير لخواص ومزايا وتقنيات كل آلة.  إذاً تعد هذه التقنية ميزة فريدة تعجز الصناعة عن بلوغها مهما تطورت،  فهي تمثل روح العازف وهويته والبصمة الخاصة التي تولد معه وترتبط بأحاسيسه المقرونة بمهاراته العزفية وتعامله مع الآلة الموسيقية.  ولعل النظام البرامجي(MIDI)  ــ وهو اختصار لكلمات انكليزية أربع (Musical Instruments Digital Interface)ـــ  أن يكون التعامل معه قد تحقق في بداية الثمانينيات من القرن الماضي. وتكمن فائدة(Midi Track)  في منح المؤلف القدرة على تغيير الآلة الموسيقية في نفس الخط دون الحاجة لتكرار تسجيل العزف مرة أخرى.

البرامج المعاصرة المطورة للتدوين الموسيقي

منحت التطورات التقنية في برمجيات الحاسوب مجالا واسعا في نهضة عملية التدوين الموسيقي (النوتة). حيث يسرت ذلك من خلال قدرة هذه البرامج على توفير الدقة والسرعة والوضوح، مع إمكانية الاستماع للمؤلفات بعد كتابتها مباشرة وتسهيل مهمة الإضافة والحذف والتصحيح.  وكذلك خدمت التوزيع الموسيقي الذي لا يعتمد على الذاكرة السمعية والتخمين النظري للموزع الموسيقي، بل على الاستماع الواقعي المباشر وتحديد موجباته حيث جعلت هذه التقنيات كل ما هو متخيل واقعا ملموسا. ولعل أكثر البرامج شيوعاً  (Sonar Encore)،(Cubase) ،  (Pro Tools)،(Finale) ، (Sibelius) .  ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى أن هذه البرامج احتوت على الأصوات الموسيقية للآلات العربية ودرجاتها وعلاماتها الخاصة (4/1، 4/3) الصوت(Tone) وكذلك تحديد قيم الإيقاعات الموسيقية العربية وضغوطها المحلية مستجيبة إلى تقسيماتها وخصوصياتها . حيث يستطيع الهاوي والمحترف معالجة مدوناته الموسيقية بسهولة.  وكذلك وفرت إمكانيات طباعاتها كصور ثابتة للتداول اليومي والأداء في الحفلات وغيرها.  وبذلك أصبح تدوين الموسيقى مماثلا لتدوين اللغة العادية على حد سواء بفضل التطور التكنولوجي والمعلوماتي محققا انتشارا محسوما له، دون أدنى أشك، حسابات للزمن والظرف والمكان.

المصدر: جريدة الاتحاد الإماراتية