خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

مكانة "عبد العزيز الجميّل" في المسار الموسيقي التونسي الحديث

. مقالات

إعداد ياسين بنميلود [1]

 

يعتبر "عبد العزيز جمال الديّن" أحد أهمّ روّاد الموسيقى في تونس في مطلع القرن العشرين، ينحدر من عائلة مغربية الجذور استقرّت بقليبية ثمّ بتونس المدينة.  والده "جمال الدّين القليبي" وأمّه من أصول تركية، أما تاريخ ولادته فسنة 1895. تلقّب عبد العزيز باسم جمال الديّن الذي أصبح الجميّل، وبعد تلقّيه دراسة زيتونية شأنه في ذلك شأن إخوته الذكور وهو رابعهم وأصغرهم سنّا، انقطع عن الدراسة في سنّ مبكّرة ليتعلّم صناعة الشاشية عند أحد أصدقاء والده لكنّه سرعان ما شقّ عصا الطاعة فتوجّه تلقائيّا لتعلّم النجارة، هذه الحرفة التي احتكرها اليهود مطلع القرن.

لقد لعب الوسط العائلي الذي نشأ فيه عبد العزيز الجميّل دورا هامّا في تكوين شخصيّته المتحرّرة إذ أنّه كان أصغر إخوته، فحظي بعناية أمّه ودلالها له. وقد كان لهذه الأمّ المنتمية إلى الأتراك الدور الأهمّ في ولع عبد العزيز بالموسيقى، فقد دأبت على استدعاء صديقاتها والترنّم ببعض الأغاني من المالوف التونسي، كما أنّ منزل عبد العزيز الجميّل لم يخل من آلات موسيقية شائعة في ذلك العصر كالعود التونسي والرّباب والبيانو.

إذن وعلى الرغم من الطابع المحافظ الذي اتّخذته أسرة عبد العزيز الجميّل فإنّ الانفتاح على العالم الموسيقي مثّل نقطة انطلاق أساسية لشخصيّته خالف من خلالها المسار الذي رسمه له والده وانفرد بقراراته منذ سنوات صباه الأولى. والحقيقة أنّ امتهان النجارة لم يكن سوى ذريعة استعملها عبد العزيز الجميّل للتفرّغ لصناعة الآلات الموسيقية وإصلاحها، وبهذا عرف محلّه الكائن بنهج سيدي مفرّج في المدينة العتيقة وعلى مشارف حارة اليهود بالحفصية. وقد مكّنه هذا القرب من الاطّلاع على أسرار هذه الصناعة بحيث تمكّن بمفرده وبطريقة عصامية من أن يتعلّم صناعة الآلات الموسيقية وإصلاح مختلف العلاّت التي تصيبها.

وبنفس العصامية استطاع عبد العزيز الجميّل أن يحفظ التراث الموسيقي التونسي وقد عرف عنه أنّه في أيّام شبابه ولمّا يبلغ بعد العشرين من عمره، كان يصاحب العيساوية في خرجاتها المتعدّدة خلال السنة إلى الوليّ الصالح سيدي عمر بمنوبة، وقد حفظ عبر هذه الطريقة مالوف الهزل ومختلف نوباته.

ويعتبر محلّ عبد العزيز الجميّل من الإنجازات الفريدة في تونس مطلع القرن العشرين إذ أنّ هذه الصناعة كانت حكرا على اليهود والمسيحيّين من مختلف الجاليات الأوروبية، كما أنّ، الاهتمام بالموسيقى لم يكن من مشاغل التونسيّين عامّة، فإنّ إقامة هذا المحلّ وطريقة تسييره لمِمّا يعتبر في حدّ ذاته نقطة تحوّل هامّة في تاريخ الموسيقى في تونس. وقد أثراه عبد العزيز الجميّل بتخصيص البيت الداخلي من المحلّ لتعاطي الموسيقى صحبة ثلّة من الموسيقيّين التونسيّين والمشارقة.

وبالفعل فإنّ هذا البيت الذي أطلقت عليه تسمية الخلوة الفنيّة شهد قدوم عديد الفنّانين من مصر نذكر من بينهم "السيّد شطّا" و"عبده صالح" عازف القانون و"فريد غصن" و"أحمد فاروز" الذي كانت تربطه بعبد العزيز الجميّل علاقة وطيدة سمحت لهما بتبادل الآراء والمواقف حول الموسيقى العربية. وقد أتاحت له هذه الزيارات المتعدّدة فرصا كثيرة للاطّلاع على الرصيد الموسيقي الآلي والغنائي المصري بخاصة والمشرقي بعامّة على غرار الموشّحات الشرقية والأدوار المصرية.  وكعهدنا به فقد اتّخذ عبد العزيز الجميّل من هذه المبادلات الفنيّة منهجا لإدخال العود المشرقي تونس فاختصّ بصناعته وإصلاحه.

لقد مثّلت الخلوة الفنيّة لعبد العزيز الجميّل مدرسة أولى لتعلّم الموسيقى وتعليمها في تونس، وقد كانت خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين وجهة المولعين بالموسيقى في تونس. وتخرّج على يد عبد العزيز الجميّل مجموعة هامّة من الفنّانين على غرار عازفي العود "علي السريتي" و"أحمد القلعي" وأخيه "رضا القلعي" عازف الكمنجة الذي تلقّى المبادئ الأولى للعزف على يد عبد العزيز الجميّل، وفي هذا السياق يعتبر الجميّل عازفا متميّزا للكمنجة بالطريقة التقليدية على غرار آلة الرّباب.

وفي إطار الجلسات التي كان يقيمها في خلوته الفنيّة فقد كان يعزف على الكمنجة بتلك الطريقة غير أنّه وبحكم علاقاته الوطيدة بالعازفين المشارقة الذين كانوا يتوافدون على محلّه كلّما زاروا تونس، فقد اقتبس طريقة العزف الغربية عن العازف "سامي شوّا" الذي زاره في محلّه وتعرّف عليه.  وفي هذا الصّدد يرى "صالح المهدي" أنّ عبد العزيز الجميّل يعتبر رائدا في العزف على الكمنجة حسب المنهج الشرقي، وأنّه كذلك من القلائل في العالم العربي الذين يجيدون أسلوب عزف "إبراهيم سهلون".

والملاحظ أنّه خلال عشرينيات القرن الماضي تردّد على محلّ عبد العزيز الجميّل العديد من الملحّنين والعازفين والمطربين التونسيّين من بينهم "محمد التريكي" الذي أخذ عنه إحدى روايات المالوف، ومن بينهم كذلك "علي الرياحي" و"الهادي الجويني" زيادة على العازفين الذين ذكرناهم سابقا. ولعلّه ليس من باب الصدفة أن يتميّز هؤلاء جميعا خلال أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي بإنتاجهم المجدّد إذ أنّهم تأثّروا كثيرا بعبد العزيز الجميّل الذي عرف بإتقانه للنّغمات الشرقية وللبشارف والسماعيات التركية.

لقد مكّنت شخصيّة عبد العزيز الجميّل الفنيّة جيلا جديدا من المولعين بالموسيقى في تونس بنوع من التحرّر والتّوق نحو التجديد، ومثلما تجسّد هذا المنهج لدى جيل العازفين كالسريتي ورضا القلعي وجيل المطربين كعلي الرياحي والهادي الجويني، فقد كان هذا المنهج المبدأ الأساس في حياة عبد العزيز الجميّل بدليل أنّه عند تأسيس المعهد الرشيدي كان من بين أعضائه الأوائل الذين حضروا الجلسة التأسيسية، لكنّه سرعان ما اعتزل النشاط ضمن هذه الجمعية التي ارتأت حفظ التراث التونسي منهجا لها.

وباعتبار اختلاف منهجه عن ذلك المنهج يمكننا التأكيد على أنّ عبد العزيز الجميّل استطاع أن يكون السباق في أن يُبَوّئ الموسيقى والموسيقيين التونسيّين موضعا في الساحة التونسية الفنية والثقافية إبّان الاستعمار. كما ساهم في التفتّح على عديد الأنماط الموسيقية المشرقية وبخاصّة المصرية والتركية منها ممّا ولّد حركية ومنافسة كبيرة في النشاط الموسيقي بتونس في فترة عرفت فيها البلاد تعمّق الغزو الثقافي الفرنسي.

لقد ظلّ عبد العزيز الجميّل مواكبا للتطوّرات الحاصلة في الميدان الموسيقي العربي، فقد انفرد في الحصول على التسجيلات الحديثة للأغاني المصرية. وقبل أن تنطلق أوّل شركة للأسطوانات في تونس، كان الجميّل يمكّن تلاميذه وروّاد خلوته من سماع أحدث الأعمال في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي وبعدهما. وقد ظلّ على نفس المبدأ من التفتّح إلى أن وافته المنيّة سنة 1951، تاركاً وراءه بذرة الاجتهاد والكدّ من أجل ترسيخ مختلف المدارس الموسيقية في الساحة التونسية، وهذا ما تكفّل به تلاميذه بين ستينيات وثمانينيات القرن نفسه.

تسنّى لعبد العزيز الجميّل أن تطلق عليه تسمية "شيخ الفنّانين" في تونس بفضل إضافاته المتعدّدة في المجال الموسيقي، فمن ناحية أولى يعتبر رائد النهضة الفنية بتونس، وهو بالإضافة إلى ذلك أوّل صانع آلات موسيقية تقليدية وحديثة في البلاد. وقد سمح له اهتمامه هذا بالحفاظ على التراث الآلي والغنائي التونسي، فإذا أضفنا إلى ذلك تفتّحه على أنواع الموسيقى المشرقيّة نستطيع أن نؤكّد أنّه يستحقّ فعلا ذلك اللّقب الذي بفضله أنشأ قاعدة هامّة للتعليم الموسيقي المنهجي بالطريقة التقليدية الشفويّة، كما أنشأ قاعدة هامّة للإبداع والإنتاج الحديث في مجالي الموسيقى الآلية والغنائية في تونس.



[1] باحث في العلوم الثقافية اختصاص موسيقى وعلوم موسيقية بجامعة سوسة