خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

موسيقانا العربية بين الحديث والحداثي

. مقالات

علي الأحمد

توجد تباينات حادة وفروق جوهرية بين مفهومي الحداثة كنسق معرفي يسعى إلى تجديد بنية هذا الفن انطلاقا من إرثه الإبداعي وهويته الوطنية، وبين الحديث بالمفهوم الشائع الذي يعني في كثير من تفاصيله هدم البناء الموسيقي القديم كليا والسير في ركب التقليد واستنساخ الآخر الذي غالبا ما يكون هنا الغربي الاستهلاكي الذي تمثله اليوم خير تمثيل منظومة العولمة وما يتفرع منها.

مرت الموسيقى العربية بين هذين المفهومين بمراحل جذب وانقسامات حادة قطبها الأول الأصالة وحداثتها المنشودة وقطبها الثاني مكونات البعد التجاري الرخيص والفقير إبداعيا على المستويين الذوقي والجمالي.  واختلطت المفاهيم وغابت الاستراتيجيات عن صناع هذا الفن، مع أن مؤتمرات الموسيقى العربية المتعاقبة ومؤتمرات المجمع العربي للموسيقى أفضت إلى توصيات هامة ما زالت تحاول شق طريقها نحو التنفيذ، ما انعكس سلبا في تبني مفهوم التجديد والحداثة العقلانية التي تؤمن بالتنوع الموسيقي كما تؤمن بالحوار الحضاري وفعل المثاقفة والارتحال نحو كل ما يثري النسيج النغمي في الموسيقى العربية. 

وهذا بالذات سبق أن أكده الموسيقي العربي القديم عبر البحث عن وسائل تقوده إلى تثوير هذا النسيج بألوان وإشراقات من الموسيقات التي ارتحل إليها من منطلق الندية والتأثير المتبادل بحيث نقل المفردات والعلوم الموسيقية من هذه الموسيقات ومزجها بإبداع مشهود في بنية النظام الموسيقي العربي القديم.  كما أنه نبذ المفردات التي لا تتلاءم مع الروح والمزاج العربيين، وبهذا يكون الموسيقي العربي القديم قد وضع القواعد والأسس التي يجب على الموسيقي العربي في كل العصور تبنيها والدفاع عن رسالتها الثقافية ودورها في الارتقاء بالذوق الفني الرفيع.   وهو ما استلهمه وسار على نهجه الموسيقي العربي المعاصر منذ بدايات القرن الماضي حين أكد على خصوصية هذا الفن وضرورة رفده على الدوام بقيم الجمال والحداثة الحقة التي نجدها مبثوثة في كثير من تفاصيل المنتوج الموسيقي الآلي والغنائي. 

فقد عمد المبدع سيد درويش إلى إغناء موسيقاه بالمفردات الغربية الكلاسيكية من علوم وآلات وطرق كتابة متقدمة أفضت إلى بروز مدرسة التعبير في الموسيقى العربية المعاصرة حيث تابع الكثير من المبدعين العرب وفي كافة البلدان العربية هذا المسار عبر الاستفادة المثلى من هذه المناخات التعبيرية ووضعها في سياق الكتابة الحداثية المنشودة التي غيرت الكثير من الحقائق الموسيقية المتوارثة بتأثيراتها القديمة ولغتها التي تنحو في كثير من تفاصيلها جانب الطرب. 

وبنفس التوجه بدأت مجموعة من الموسيقيين العرب ممن حاز العلم والمعرفة في الموسيقى والعلوم الغربية الكلاسيكية في تثمير معرفتهم المتقدمة في كتابة موسيقى عربية مغايرة محملة بصيغ غربية مفتوحة على عوالم غير مطروقة خاصة في استلهام الموروث ومحاولة تطويره وإحياء رموزه ورمزيته وقيمه الجمالية والذوقية المستقرة في الذاكرة الجمعية. 

وقد نجحت هذه المعرفة العالية في كتابة موسيقى عربية حداثية، لكنها ابنة موروثها وهويتها القومية، متفادية  الوقوع في فخ البعد التجاري، على عكس ما يفعله اليوم العديد من الفنانين الذين يظنون أن الانخراط في مجاهل العولمة سيحقق لهم الشهرة والانتشار والنجاح المادي العابر.  والفرق كبير بين النجاح الجماهيري العابر الذي تؤمنه ظروف إنتاجية وإعلامية وإعلانية وبين النجاح الإبداعي الذي يؤكده النقد المعرفي وتاريخ الفن الموسيقي عبر تطوره التاريخي.  وبات وجود إمكانات معرفية نقدية تساهم في قراءة التحولات التي طرأت على موسيقانا في العصر الحديث حاجة ملحة، وذلك عبر إضاءة قيم الحداثة التي ساهمت في تحرير هذا الفن من أسر الطقوس المغلقة. إذ لا بد من التفريق جيدا بين قيم الحداثة والحديث الذي يبقى مسألة زمنية وتاريخية سرعان ما يطويها النسيان، فأهمية الحداثي هنا تكمن في أنه مفهوم عميق يتعلق بشكل أساس بتقنية هذا الفن كتابة وممارسة، إنه انعطاف خاص في الرؤية نحو عوالم موسيقية تنشد البعد الإنساني الجمالي في كتابة معاصرة تسعى إلى الاحتفاء بكل ما هو راسخ وعميق في الحياة البشرية.

من هنا نرى أهمية أن يتبنى الموسيقي العربي المعاصر هذه القضية النبيلة ويتابع المسار الإبداعي بحيث لا تنقطع الجسور مع كل ما يثري مشروعه الواعد وبالتالي يجيب إبداعا على الأسئلة الكبرى الملحة خاصة في موضوع الأصالة والحداثة.  وهو قادر بما يمتلك من علم ومعرفة عالية في التأكيد على أهمية هذه الحداثة العقلانية في الحياة الموسيقية العربية التي باتت تواجه غزوا إيديولوجيا كاسحا من قبل اللغة الأخرى البديلة، التي تنشرها ثقافة اللامعنى، ثقافة العابر الزائل، ثقافة "اشتر –استعمل – ارم- بعيدا عن روحية البعد الحداثي ومساراته الإبداعية العظيمة التي أبدعت لنا وللأجيال مشاهد موسيقية باذخة الجمال وفي كل أزمنتها المتعاقبة التي كما هو معلوم كانت قد تأثرت بالأفكار الإستيطيقية الجمالية السائدة وقتها والتي أكدت على خصوصية الإبداع في تقاليد هذا الفن كما أكدت على حضورها الدائم في سفر الحضارة الموسيقية في كل الأزمنة.  يقول الدكتور جابر عصفور إن لكل إبداع خصوصيته التي لا تتعارض مع انفتاحه على غيره وإفادته من كل ما حوله، وإن لكل خصوصية قدراتها الابتكارية التي تبتدع لنفسها من المواصفات ما هو خاص بها دون غيرها، وما تترك به بصماتها المتميّزة على حضورها في الوجود.

المصدر: ثورة اون لاين