خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الجريمة الموسيقية: تشويه أم عالمية؟

. مقالات

محمد فايد

يعاني التراث الفني الموسيقي العربي من ظاهرة الجريمة، والتي أصبحت في السنوات القليلة الماضية تقوم على استراتيجيات أكثر تنظيماً، فتطورت جزئياً أو كلياً سواء للألحان أو الكلمات بالنسبة لروائع غنائياتنا العربية. ويشكل هذا الإفلاس الإبداعي تشويهاً حقيقياً لتاريخنا الموسيقي والغنائي بكل أعلامه، مما دعا بعض الخبراء لتفجير ونقاش هذه القضية الحضارية المهمة القديمة والجديدة في الوقت ذاته.

حذر الفنان العراقي نصير شمه من اندثار الموسيقى الشرقية في العالم العربي، في الوقت الذي تدرَّس في معاهد إسرائيل وفي الجامعة العبرية بالقدس، ويتم الاهتمام بها وسرقة الكثير من روائعنا عنوة. وإذا استمرت الأمور على ما هي عليه دون وضع قوانين وتشريعات تحد من القرصنة الموسيقية فسوف يأتي اليوم الذي تنسب أعمال روادنا الكبار لهم.

كما تناول الناقد الموسيقي فرج العنتري القضية بالبحث والدرس من خلال كتابه (السطو الصهيوني على الموسيقى العربية) ووضح أن هناك أكثر من 1500 نموذج نغمي عربي وراء إنشاء قسم الموسيقى في الجامعة العبرية، متتبعاً مسيرة هذه القرصنة منذ ثلاثينيات القرن الماضي.

اليوم كثرت الأشرطة التي تحتوي على عدد كبير من الأغاني العربية المسروقة؛ وكثيراً ما تجد الشريط من بدايته حتى نهايته عبارة عن ألحان عربية بكلمات عبرية أو مزيج من الألحان العربية والتركية التي لا جديد فيها سوى كلمات هابطة

ويؤكد الباحث الموسيقي سمير سعد أنه أصبح من المألوف في وسائل الإعلام العبرية مشاهدة وسماع الأغاني المسروقة ألحانها أو كلماتها أو المستبدلة بكلمات عبرية، ولعل أكثر المطربين العرب تعرضاً للسرقة فريد الأطرش مثل (أغنية نورا... نورا) وجميل جمال، والاحتيال للظهور كشريك في التراث العربي من خلال إعادة إنتاجنا إسرائيلياً بتقنيات حديثة ولها ثلاثة أشكال:

الأول: سرقة الكلمات وتحويلها إلى العبرية مع الإبقاء على اللحن والتوزيع، وتعد أغاني عمرو دياب الأكثر عرضة لهذا الشكل.

الثاني: تقليد الغناء العربي بصوت إسرائيلي ووضعها في شرائط، وربما تم إخراجها في فيديو كليب مع تغييرات ساذجة مثل كليب (أنت عمري) لزهافا كنموذج للقرصنة الصارخة على التراث العربي وتشويهه. من الأمثلة أيضاً (ست الحبايب) لفايزة أحمد (وحب إيه) لأم كلثوم (وحرمت أحبك) لوردة الجزائرية

الثالث: يقوم على إعادة التوزيع بإيقاع خاص لأغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وفيروز ووديع الصافي وغيرهم، ويوجد على شبكة الإنترنت كثير من نماذج القرصنة الغنائية، لكن الطريف أن بعضهم يعترف بالسرقة، مثل (دافيد درعي) بأن أخذ لحناً عربياً لأغنيته الدينية، كما يقوم بعضهم بوضع كلمات من التوراة أيضاً، وهناك فرق أندلسية عبرية تتغنى بالموشحات الأندلسية التي نظمها شعراء عرب إبان وجود اليهود في الأندلس، ويقوم أثرياء اليهود بتمويل هذه الفرق، ويحمل (دان شوشان) أشهر القراصنة حقيبته التي تمتلئ دائماً بالأغاني والألحان المسروقة ليذهب إلى مغنٍ بعينه ويعرض عليه تعبئة شريط عربي كلمة ولحناً ويشمل الاتفاق الموزع وشركات التسجيلات كمقاولة شاملة!. 

كما سرق (شلوموا سارانخا) لحن أغنية (قولوا له بحبه) تلحين كمال الطويل وغناء عبد الحليم حافظ وحاول الاقتراب من اللهجة الشرقية ليقلد أداء عبد الحليم وليحاول إخراج الأغنية بنمطها الأصلي القديم.  والأسوأ أن القناة الإسرائيلية الثانية أفادت بعد إذاعتها أن (سارانخا) يحضر لحفلة في لندن وأنه قام بعمل بوسترات تحمل صورته مع عبد الحليم حافظ!. 

كما سرقت أغنيات كثيرة من المطربة السورية أصالة نصري وراغب علامة وغيرهما. كذلك أدرجت دائرة المعارف الإسرائيلية اسم داود حسني ضمن الفنانين الإسرائيليين رغم أنه مات قبل أن تنشأ دولة إسرائيل وقبل أن تزعم إسرائيل وجود حضارة لها وما ينبثق منها من فنون

وجاء في أحد أعداد (معاريف) الإسرائيلية مقال يؤكد أن إسرائيل شريك في التراث الموسيقي العربي، لأن داود حسني يهودي هاجر بموسيقاه إلى مصر، ونسي الكاتب أو تناسى أن داود حسني موسيقار يهودي الديانة لكنه ظل إلى يوم وفاته مصرياً حتى النخاع، ولطالما أعلن تباهيه بعروبته، بل أعلن في أكثر من مناسبة أن نبوغه الموسيقي يرجع إلى نشأته في حي الحسين الديني بوسط القاهرة. ويتضمن كتاب إبراهيم داود حسني معالم من حياة أبيه ويؤكد أنه كان مصرياً لحماً ودماً رداً على الدعاوى الإسرائيلية، فضلاً عن أنه ولد وتوفي قبل أن تلملم إسرائيل لنفسها حضارة وفنوناً هي في الأصل حضارة وفنون الشعب العربي الذي يحيا في المنطقة منذ آلاف السنين. أما أغنية (قولوا لعين الشمس) فلها قصة، فاليهود يرون أنها من تلحين داود حسني، لكن الحقيقة أنها لحن فولكلوري متوارث، وله في مصر أكثر من نص لغوي على نفس اللحن الثابت، ومنها عبارات (قولوا لعين الشمس ما تحماشي أحسن غزال البر صابح ماشي) التي انطلقت بها حناجر المصريين لحزنهم على إعدام إبراهيم الورداني لاتهامه باغتيال بطرس باشا غالي في مايو 1910م، وقد استلهم الملحن الراحل بليغ حمدي الشطر الأول وصاغ لحنه المعروف لحنجرة شادية.  وبذلت إسرائيل محاولات مستميتة مع الفنانة الراحلة ليلي مراد لتكون (المواطنة الشرفية) وتتمتع بجواز سفر دبلوماسي، ومنها محاولة شيمون بيريز تقديم وظيفة سفير فوق العادة لكنها رفضت وكانت تؤكد دائماً أنها مصرية مسلمة وستموت كذلك، وأوصت بتشييع جثمانها في مسجد السيدة نفيسة، كما حررت قبل وفاتها وثيقة تضمنت تحذيراً موجهاً إلى إسرائيل ضد أي محاولة للإضرار بحقيقة إسلامها بعد وفاتها.

ويؤكد الملحن حلمي بكر أن أول أعمال أرسلتها إسرائيل لإذاعتها على القنوات المصرية كانت أغنية (آه يا زين العابدين) كما فوجئت لجنة الاستماع -وكان أحد أعضائها- أنهم شاركوا بالأغنية أيضاً في مهرجانات دولية باعتبارها أغنية إسرائيلية، كما تعرض الملحن هاني شنودة لسرقة لحنه الشعبي (زحمة يا دنيا زحمة) لأحمد عدوية لتغنيه إسرائيلية، وكذلك سرقة فريق (الجيبيسي كينج) الشهير الأمر الذي دفع حلمي بكر للشكوى في جمعية المؤلفين والملحنين وأرفق بها النوتة الموسيقية لكلا اللحنين والتسجيل بصوت عدوية والفريق الأسباني، وعند مطابقة اللحنين أبلغت الجمعية جمعية المؤلفين والملحنين في باريس وقامت برفع قضية في فرنسا وكسبتها، وكان هذا الحكم الثاني من نوعه في العالم حيث اعتبرت المحكمة أغنية (رونا) توزيعاً آخر لأغنية هاني شنودة وعليه أخذ 80 % من كل ما حققته الأغنية من مبيعات وما يتبعها من تقليد في كل دول العالم قسمت بينه وبين مؤلف الأغنية حسن أبو عثمان، ويعتبر حلمي بكر أن سرقة واقتباس الألحان ظاهرة إيجابية طالما نحصل على حقوقنا المادية والأدبية، وأن هذا ــ من وجهة نظره ــ يعني دخول الموسيقى العربية إلى مسار العالمية

من ناحية أخرى تعرضت قصيدة قارئة الفنجان (من ألحان محمد الموجي وشعر نزار قباني وغناء عبدالحليم حافظ) للسرقة، وقال الملحن الموجي الصغير إن الذي اكتشف السرقة بالصدفة المحامي ولي الدين الرفاعي (صديق والده والمقيم في ألمانيا) وسمع اللحن الذي انتشر هناك فجاء لوالده بنسخة كانت جزءاً من لحنه الأساسي، فسافر محمد الموجي إلى ألمانيا وحصل على المستنسخ من جمعية المؤلفين والملحنين ورفع قضية بعدما اكتشف أن كثيراً من الملاهي والفنادق الألمانية تعرض اللحن، فأثبتت أحقية محمد الموجي في العمل وقسم التعويض مناصفة بينه وبين نزار قباني. وهناك أغان أخرى لعبد الحليم حافظ سرقت وإلى الآن لم يستطع الورثة إرجاع حقها المادي أو الأدبي.

إن دخول موسيقانا العربية العالمية من باب القرصنة يشوه تراثنا الغنائي ويلصق به أشكالاً ونماذج سلبية.  والمسروقات التي لا تكتشف ولا يبلغ عنها يفقد مبدعوها الأصليون أي حقوق مادية أو أدبية.  لا بد من وضع قوانين وتشريعات رادعة تحمي الفنون والتراث من القرصنة.

المصدر : المجلة العربية السعودية(بتصرف)