خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

"العود" غياب الأب الروحي لعائلة الألحان الشرقية‏!‏

. مقالات

تحقيق‏:‏ محـمد حبوشة

 

هو الأب الروحي لعائلة الألحان الشرقية أو ملك الآلات التي تضم‏ (‏الجيتار‏)‏ و‏(‏المندولين‏)‏ وغيرهما من الآلات الوترية‏,‏ له أقران كثر من الآلات الأخرى‏ '‏القانون والناي'.إلا أنه يعتبر الآلة الموسيقية الأكثر دلالا في ألحان الطلب الرصين بوجه عام, وهو نفسه الذي يكتسب شرعية خاصة في التخت الشرقي, على الرغم من دخوله غرفة العناية المركزة حاليا وفشلت كل محاولات الإفاقة في ظل تأثره الشديد بجراح التكنولوجيا التي عصفت به على جناح الصخب والضجيج الذي يخاصم الذائقة الشرقية السليمة.
والعود إن حكى, ففي نطقه درر لحنية, وإذا سكت ففي صمته بلاغة, وربما يعزو كثيرون هذا الصمت الطويل للعود من قبيل الاحتجاج على الضجيج الذي سببته آلات أخرى آتية من وراء البحار فحولت ليلنا الشرقي الذي كان يوما مزدهرا بالألحان إلى نهار بارد خال من الشجن المحبب, وعلى حالة كتلك هربت النجوم كالبشر الفارين من الطاعون الذي يحاصرهم أينما ذهبوا.

إنه إذن حالة الطرب إذا حانت لحظة الطرب, وهو الوالد لمواليد أخر تحمل أسماء أخرى مثل:( البزق) و(الجيتار) و(المندولين), وهو هنا ليس أغنية قديمة على إيقاع فرعوني, وإنما أغنية سرمدية تبحر في الزمن كلما اقترب الناس من اللحن الأصيل الذي يخاطب الروح والوجدان.


نشأته

رسم صورته الفراعنة على جدران معابدهم في طيبة 'مصر القديمة', ودندن على أوتاره أشهر المطربين, فأكسبهم شرعية الوجود والبقاء في دنيا الألحان المزدحمة أو المكدسة بالوافد والجديد الذي لا يطرب بقدر ما يحرك الجسد نحو الغرائز الحسية في تجلياتها المرعبة, وقد اختلف المؤرخون حول نشأة آلة العود, فمنهم من قال إن أول من اخترعه هو لامك بن متوشاح بن محويل بن عياد بن أخنوخ بن قايين بن آدم عليه السلام، ومنهم من قال أن أول من صنعه نوح عليه السلام وفقده أثناء الطوفان, وهناك من يصر على أن أول من صنعه جمشيد، وهو ملك من ملوك الفرس، واسماه "البربط" وقيل إنه في عهد داود عليه السلام نشأ وهذب وضرب به.  وذكر العلماء أن العود الذي كان يضرب به لم يزل بعد وفاته معلقا ببيت المقدس إلى حين تخريب القدس.

وإذا كانت المصادر العربية قد جعلت 'لامك' هو مخترع العود فإن التوراة تجعل' يوبال بن لامك' من سلالة 'قايين بن آدم' أبا لكل ضارب على العود ونافخ بالمزمار, واتفق بعض الكتاب من العرب والفرس ممن كتبوا عن الموسيقي وتحدثوا عن العود، أن العود جاءهم من اليونان فبعضهم يري أن 'فيثاغورس' نفسه والذي يلقبونه بمناظر 'سليمان الحكيم' هو الذي اخترعه بعد أن اكتشف توافق الأصوات الموسيقية, والبعض الآخر يعزو هذا الاختراع الى 'أفلاطون' ويزعمون أنه كان ينوم سامعيه إذا عزف من مقام معين ثم يغير المقام فيوقظهم, ونسبت هذه القدرة إلى 'الفارابي' الفيلسوف المعروف.
وفي الحضارة الآشورية امتاز العود بكثرة دساتينه, وكان كبير الشبه بالنقوش التي ظهرت لآلة العود عند قدماء المصريين, وكان العود ذو الرقبة الطويلة يسمى الطنبور الآشوري، وتلك الآلة ما زالت موجودة في نفس المنطقة الى الآن, وبنفس الشكل والاسم, ومنتشرة في كل من سوريا ولبنان والعراق والأردن وتركيا.

وما هو ثابت تاريخيا أن الفرس قد احتلوا مصر الفرعونية, وقد نقلوا من حضارتها الكثير من الفنون والعلوم, وكان العود والبزق أو الطنبور من الآلات التي نقلوها الى بلادهم، الى جانب الآلات الموسيقية الأخرى كالناي والجنك (وهي آلة الهارب الفرعونية) وشاع استخدام آلة العود والطنبور.


أول عواد مسلم

ذكر التاريخ أن أول ضارب بالعود في صدر الإسلام هو' ابن سريج' في مكة حيث شاع استعماله عند جميع الموسيقيين العرب الذين جاءوا بعده, ثم' سيرين' التي أرسلها ملك مصر المقوس الى الرسول'عليه الصلاة والسلام' في صحبة السيدة 'ماريا القبطية', والتي كانت تتمتع بصوت شجي, ونقلت معها العود المصري ذا الرقبة الطويلة إلى الجزيرة العربية.

وفي العصر العباسي ارتبط العود بظهور العيدي, وهو من الشخصيات التي تركت بصمات واضحة على هذه الآلة, ونذكر منهم على سبيل المثال: إبراهيم الموصلي الذي كان ذا منزلة عظيمة لدي هارون الرشيد حيث كان من كبار موسيقيي هذا العصر, وأيضا منصور زلزل: الذي كان أشهر من ضرب بالعود في الدولة العباسية, وحسبه أن يكون أستاذ 'إسحاق الموصلي' الذي كان يتردد عليه يوميا حتى مهر مثله في العزف على العود.

ولقد نقله العرب الى الأندلس واستعمل منه العود ذا الأوتار الأربعة, والعود الكامل ذا الأوتار الخمسة, والشهرود وهو نوع من أنواع العيدان, ولقد كان قصر 'محمد الثاني' يصدح بمائة عود, كما كان 'المعتمد' بن عباد مغنيا وعوادا, و'ابن عبيد الله' يضرب على العود أيضا, وكان' زرياب' نجم أعلام الموسيقي في دولة الأندلس والتي ظلت زهرة أوروبا اليانعة طوال خمسة قرون تنشر عليها أريجها من كل علم وفن.

كان القرن التاسع عشر نهاية عهد وبداية عهد, فقد آن لشعوب الشرق بعامة, ولشعب مصر بخاصة أن يستيقظ وأن يستعيد نصيبه من التنظيم والحضارة والعمران، ولم يكن لموسيقى الآلات نصيب كبير في تلك النهضة, وكانت أهم الآلات المستعملة القانون, الكمان, والعود, وهي الآلات التي يتكون منها التخت العربي التي كانت تعمل آنذاك بشارع محمد علي.  ومنذ بداية القرن العشرين أخذت آلة العود في مصر تتقدم نحو الرقي خاصة بعد إنشاء معهد الموسيقي العربية سنة 1923 م ليثري الحياة الفنية في مصر والعالم العربي بفنانين دارسين للآلات الموسيقية, وكان من أساتذة العود بالمعهد 'رياض السنباطي' و'محمد القصبجي', ومن مشاهير ورواد العود في هذه الفترة أو ما يطلق عليهم رواد المدرسة القديمة' التقليدية' في العزف على آلة العود:' أمين المهدي, صفر على, محمد عبد الوهاب, عبد الفتاح صبري, جمعه محمد علي وعبد المنعم عرفة', علاوة على 'رياض السبناطي ومحمد القصبجي'.
وفي العصر الحاضر انتقلت آلة العود وبفضل روادها في المدرسة الحديثة من التطريب البحت الى الوصف والتعبير وتطبيق التقنيات الغربية، ما أعطى لأسلوب العزف والتأليف لآلة العود شكلا جديدا يختلف عما كانت عليه من قبل.  ومن رواد هذه المدرسة وأبرز العازفين فيها: 'جورج ميشيل, فريد الأطرش, محمود كامل, عمار الشريعي, أنغام محمد لبيب, حسين صابر لبيب من مصر, ومنير وجميل بشير ونصير شمة من العراق, وعز الدين منتصر من المغرب, وعبادي الجوهر وعبد الرب إدريس من السعودية, وشربل روحانا ومرسيل خليفة من لبنان, وأحمد فتحي من اليمن, وخالد الشيخ وأحمد الجميري من البحرين, وعمر كدرس' من الكويت... إلخ.

ومر العود بمراحل كثيرة من التغير في الشكل والحجم حتى استقر على الشكل المتعارف عليه الآن وهو العود ذو الخمسة أوتار أو الستة أوتار, ويلاحظ في الفترة الأخيرة النهوض بآلة العود من خلال الاهتمام بتقديم المؤلفات الخاصة بها لكبار المؤلفين وتقديم العزف المنفرد (التقاسيم) لكبار العازفين, ويرجع الفضل في النهوض بآلة العود إلى: فرقة الموسيقى العربية بقيادة 'عبد الحليم نويرة', وفرقة 'أم كلثوم' للموسيقي العربية بقيادة 'حسين جنيد', والفرقة القومية للموسيقى العربية بقيادة 'سليم سحاب', وغيرها من الفرق.  وكانت جميع هذه الفرق تقدم التراث في مصر والعالم العربي.  كذلك فقد اعتمد كثر من الملحنين على آلة ألعود في تاليف موسيقاهم وتلحين أغانيهم وتحفيظها للمغنين.

 

لكن كيف ولماذا غاب العود عن اللحن الشرقي الأصيل ؟

يرجع الدكتور ممدوح الجبالي، الملحن وأستاذ الموسيقى، ظاهرة غياب العود عن اللحن الشرقي إلى عوامل التعرية التي طرأت على الموسيقى الشرقية على جناح 'التكنولوجيا الصاخبة', والتي ساهمت الى حد كبير في صناعة موسيقى الضجيج حاليا, والعود بصفته آلة رخيمة وتطريبية بالمقام الأول يصعب معه صناعة إحداث حالة من الضوضاء المصاحبة لغالبية الألحان الحالية.

ولا يرى الجبالي صعوبة في أن يكون العود ضمن أو في صميم توظيف التكنولوجيا من خلال تغير شكله وملامحه عبر صوتين أحدهما 'حاد' والثاني 'غليظ' يقصد عمل 'قرار وجواب' في آن واحد و'صولو في تراكين' وهو ما يشبه آلة' البزق' في هذه الحالة.

ويؤكد الجبالي أن العود ليس ضحية السميعة بل هو ضحية صناع الموسيقي, وهو أولا وأخيرا سيظل محبوب المستمعين العرب, لكن ربما لقلة عدد العازفين الموهوبين أو الدارسين للعود غاب عن اللحن العربي, وهنا أشير الى أنني قمت بعمل تجربة 'عود إلكتريك' بداخله مكبر مثل الجيتار ووظفته في أغنية للمطربة' شيرين' في ألبومها قبل الأخير وهو ما أعجب فنان العرب 'محمد عبده' وشجعه على تكرار نفس التجربة في أغانيه.

أما الفنان 'نصير شمة' صاحب 'بيت العود' والسائر على درب 'الموصلي وزرياب' في تجديد شكل وملامح العود فيؤكد أن العود لن يختفي من اللحن الشرقي مهما طال الزمن, ويرجع غيابه الحالي عن اللحن الحديث الى أن هذه الآلة العتيقة تحتاج الى مهارات وقدرات خاصة للملحن, ولأن الملحن الحالي كسول بطبعه ويلجأ الى آلات مثل الأورج والبيانو على سبيل المثال حتى لا يكلف نفسه عناء التدرب على العود الذي يستغرق يوميا من ست الى ثماني ساعات حتى يكون العمود الفقري للموسيقي الشرقية قائدا للحن الطربي الأصيل.

ويضيف شمة لا بد لعازف العود أن ينذر عمره بكامله لهذه الآلة التي لعبت دورا جوهريا ومهما في صلب اللحن الشرقي الأصيل, وهنا أوضح أن العود باعتباره الأب الروحي للحن الشرقي هو الذي نأى بنفسه عن هذه' المذبحة' وأبى الذوبان في هذا السياق الموسيقي الصاخب, وقرر أن يخاطب جمهوره منفردا كما يحدث في' بيت العود' الذي يرعي المواهب العازفة من مصر والإمارات وتونس والجزائر والمغرب والسودان ويتخرج منه سنويا ما يكفي ويزيد لاستعادة روح اللون الموسيقي الشرقي الذي تطرب له الذائقة العربية.

الفنان والمطرب ومدرس العود بأكاديمية الفنون 'يحيى العراقي' يرجع غياب العود عن اللحن الشرقي الى ضعف وجهل كثير من الموزعين الذين لا علاقة لهم - تقريبا- بالموسيقي الشرقية عموما, وهم بالضرورة يعتمدون في ألحانهم على الموسيقي الأقرب لمزاجهم الشخصي, تلك الموسيقى القادمة من أوروبا على جناح الصخب والضجيج الذي يخاصم مذاق اللحن الشرقي في تجلياته التي تبعث على الشجن, فهم لا يستسيغون موسيقانا الأصيلة, خاصة العود إلا ما ندر من توظيف بسيط لآلات مثل 'القانون والناي والأكورديون' في بعض حالات التوزيع, ومن هنا أصبحت علاقة العود شبه منقطعة لأنه ليس باعثا على الصخب والضجيج المطلوبين في اللحن الحالي, كما أن غالبية الملحنين الجدد لم يتعلموا الموسيقي الشرقية والعربية على أصولها بقدر ما يعتمدون على الكمبيوتر في موسيقاهم التي الى هي أقرب إلى الإيقاعات الراقصة.