خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

موسيقى الطقطوقة الجبلية المغربية ومعاناة التهميش

. مقالات

للحديث عن الجبلي، أي وسائل التعبير عند سكان منطقة الشمال الغربي من المغرب ، المعروف بفن الطقطوقة الجبلية المتميز، وما تشمله من عيوط وأنماط تعبيرية مثل جهجوكة – البارود، فان إشكالية النشأة تضعنا أمام حاجز منيع حجب معرفة ميلاد وتطور هذا الفن الشعبي على حقيقته، ورمى بنا بين متاهات الافتراض والتقديرات التي قد تصيب في جزء منها، وتخطئ في أجزاء أخرى، لكن هذا التخوف يجب عدم بقائه جدارا سميكا وحاجزا قويا في وجه البحوث والدراسات، وعازلا أمام كل الاجتهادات والاستنتاجات التي تنير الطريق للوصول إلى اقرب الافتراضات والتصورات الشمولية لهذا الفضاء الشاسع الأطراف الموغل في التاريخ والحقب.

تعود جذور هذا التراث إلى ما قبل دخول الإسلام المغرب، حيث كان غناء جماعيا مبنيا على ما يسمى بالحوار الشعري المرتجل – على حد تعبير المرحوم بوحميد – والذي كان يقوم به شخص واحد من المجموعة التي كانت تضم فريقا من الرجال في فترات معينة ومناسبات محددة كالحفلات العادية مثل : حفلات النصر – الزواج – العقيقة، وهذا النوع من الغناء كان يستعمل الحركات الجسدية أكثر من غيرها، وهي التصفيق باليدين والتوقيع بالقدمين، عكس الأنواع التعبيرية في شمال المغرب – جبالة – حيث يستعمل الغناء والتطريب لتقريب المتلقي إلى فهم الموضوع الذي تحمله الأغنية.

 عرف المغرب مرحلة انتقالية غابت خلالها مظاهر الغناء والاحتفال بالطريقة التي كانت من قبل، من رقص وإشراك المرأة في المجموعات والفرق، خاصة العهد الموحدي المتزامن طبعا مع دخول قبائل الهلاليين بلاد المغرب، وقد أثر هذا تأثيرا كبيرا في تضييق نطاق الموسيقى لهذا العهد الذي نشأت عليه دولة الموحدين، من التدين والتقشف ومقاومة "المناكر"، بما فيها من آلات اللهو التي كان المهدي بن تومرت يأمر أصحابه بتكسيرها، مثل ما فعل في فاس. ومن أبرز الشواهد على هذا أن الجيش الموحدي نفسه لم تكن تذكر الموسيقى فيه.

وحسب العديد من المصادر فقد كان لابد من مرور ردح من الزمن ليبدأ الغناء الفردي في المغرب بالظهور مصاحبا بآلات موسيقية غالبا ما كانت في أول الأمر نوعا من أنواع "الليرة" بحيث ثبت عند المراكشي في مؤلفه "المعجب في أخبار المغرب" أن الهلاليين لما جاءوا إلى المغرب أدخلوا معهم الآلات التي كانوا يؤدون بها مجموعة من الملاحم الشعرية الفصيحة، في وقت كان الطرب الشعبي يعتمد على أغاني مغربية ينشدها بعض المغنين في المحافل والأسواق.  بعد هذه الفترة بدأ الغناء في الظهور بشكل أكبر وأوسع حيث شاع وارتقى لاستماع الأمراء، إضافة إلى دخول الموسيقى التي استقدمها الأندلسيون معهم، والتي  ولع الخلفاء بها.

يتحدد الإطار الجغرافي للموسيقى العربية البدوية في مجال تقطنه القبائل المستهلكة لهذه الأغنية، والذي يتميز بالشساعة في إطاره العرقي والسوسيو اقتصادي، إذ منذ القرن الثاني عشر الميلادي شهدت السهول الأطلسية المغربية استقرار القبائل العربية التي أمر بنقلها من مواطنها الأصلية، السلطان يعقوب المنصور الموحدي، وعلى اثر هذا الاستقرار حصل تعايش بين نمطين من الحياة – نمط الترحال ونمط الاستقرار – الذي يعتمد الفلاحة وتربية الماشية، وكانت حصيلة هذا التساكن  نشأة جديدة وملائمة لخلق وتطور هذا النوع من الغناء.

 (وقد عللت حركات احتفاظ الغناء الأندلسي على مقوماته وشذوذه عن قاعدة التأثر بالواقع والمؤثرات المحلية، إلا أن المغرب احتفظ بالأصول العريقة لهذه الموسيقى بشكل أقوى، نظرا لأن اللغة البربرية وعادات البربر كانت بطبيعة الحال أكثر رسوخا وانتشارا، مما أدى ودعا المجتمعات الأندلسية المهاجرة هنا إلى الانعزال أمدا طويلا محافظة على عاداتها وتقاليدها.  وما حدث بصفة عامة استقطابها بعض عناصر البربر المنصهرين بها وبالنسبة للأدوات المصاحبة لهذا الغناء، نجد بأنها مقسمة إلى نوعين: ما له علاقة بالطرب المغربي المحلي قبل النزوح الأندلسي – وما له علاقة بالطرب والغناء الأندلسي.  والآلات المستعملة في الغناء الأندلسي: الكريج – العود – الروطة – الخيال – الرباب – القانون- المونس – الكثيرة – الفنار- الزلامى – الشغرة – البوق – النورة وفيها مزماران، واحد غليظ الصوت وأخر رقيقه).

  ويسجل كتاب "مدخل إلى تاريخ وفنونالمغرب"، بأن دخول الهلاليين إلى المغرب رافقه ظهور آلات جديدة من حيث وصفت مسيرتهم نحو المغرب في حدود سنة 1170م بأنهم: كانوا يسيرون على إيقاع الطبول ونغمات الغيطات.  ومن ثم فإن السياق الوصفي يدل على أن هذه الآلات كانت مما يستعملونه في حروبهم وغزواتهم، وهي ذاتها اتخذها الموحدون من شارات ملكهم إلى جانب الألوية والآيات القرآنية، وقد سجل ابن خلدون في ذلك: أن العرب كانوا منذ أن انتقلت خلافتهم ملكا يتخذون قرع الطبول والنفخ في الغيطات في مواطن حروبهم ومظاهر أبهتهم. أما الآلات المستعملة في الغناء المغربي (فكانت محصورة في : الدف – أكَوال – الليرة – أبو قرون) .

 

الطقطوقة
سميت بالطقطوقة الجبلية تمييزا لها عن باقي الأجناس الأخرى من الفنون الغنائية بالمغرب، وقد اختلف الباحثون والمعلمون في أصل التسمية، فمنهم من يرجع ذلك إلى الإيقاع الذي تتميز به الأغنية الجبلية : طق طق.  ومنهم من يربط هذه التسمية بطلقات البنادق أثناء الحروب والحفلات التي تقام خلال المهرجانات الشعبية والمناسبات.

وتتألف الأغنية الجبلية من قسمين أو ثلاثة:

1)     الريلة : موضوع الأغنية الذي يجب وصوله إلى المتلقي حاملا معاني الحالات النفسية والروحية ورموزها، مثل الفرح والحزن، والسعادة والألم وغيرها من جهة، وأخبار المعارك والحروب والانتصارات والهزائم من جهة ثانية، والتغني بجمال الطبيعة والغزل من جهة ثالثة؛ ثلاثة محاور تناولتها الطقطوقة الجبلية كصنف من أصناف العيطة (أي النداء للاستماع والانخراط في أطوار الأغنية ومراحلها، غناء وعزفا ورقصا).

2)    التعريضة : اندماج كلي بين كل العناصر المكونة لهذا الحدث الفني، أي دخول المتلقي كليا ضمن المرحلة الأخيرة للأغنية، ختامها يكون عادة تعبيرا بالرقص الفردي أو الجماعي.

وتتفق بعض الدراسات, كما بعض المعلمين, على أن للأغنية الجبلية ثلاثة محاور هي:

 أ ـ الفراش: وهي الطقطوقة الموسيقية التي تسبق الأغنية، وهي نداء إلى المتلقي لدخول إطار الأغنية، وإثارة الانتباه، ومن خلال هذه المقطوعة يمكن معرفة الأغنية التي ستغنى لاحقا.

  ب  الغطاء: قلب الأغنية التي تحمل بين طياتها خبرا مبطنا لحدث اجتماعي أو ثقافي أو فني ذي دلالات عاطفية – طبيعية – تاريخية.

  ج ـ الحساب: المرحلة الأخيرة من أطوار الأغنية، حيث تكون قد استوفت شروط التبليغ والإخبار، ثم انخرطت فرديا أو جماعيا في لحظة اندماج كلي للتطيب والانتعاش الشعوري الذي يعبر عن الفرح والسعادة.

ولهذه الأقسام مسببات ودوافع قامت عليها الأغنية، فقد نلاحظ عند نمط الكَباحي ـ وهو نمط يحمل بين طياته أخبار المآسي والأحزان ـ أنه لا يشتمل على مرحلة الحساب لما فيها من أجواء التطريب والتنغيم.

وقد حددت دراسات أخرى الآلات التي أدخلها الهلاليون معهم، وهي: الشبابة (قصبة للنفخ أكبر من الناي) والرباب العربي (ذو وترين اثنين في مقابل الرباب السوسي ذي الوتر الواحد) والدف (ولعله المربع قديما)، وقد أفضى تسرب هذه الآلات والمعطيات إلى نشوء ظاهرة الجوق الشعبي المستعرب في مناطق السهول، وهو جوق تميزه خاصيتان: أولاهما، إدخال آلات تختلف في طبيعة تركيبها وطريقة استخدامها عن الآلات المستعملة في الأغاني الأمازيغية. وثانيتهما، اعتماد أسلوب في الغناء يقوم على ألحان خاضعة لأوزان شعرية زجلية مستحدثة.  وفي كتاب إفريقيا لمارمول كاريخال ذكر أن: أعراب منطقة نوميديا يتغنون بقصائدهم المقفاة الموزونة على أنغام الدف والعود والفيول، وهذا الأخير عبارة عن صورة من صور الرباب العربي في مرحلة من مراحل تطوره نحو الكمان.

      وفي ما يخص المنطقة الشمالية من المغرب، ونعني بها منطقة الريف الموزعة على كتلتين بشريتين على حد تعبير الأستاذ الدفلي – توجد كتلة شمالية غربية تتكلم اللهجة الدارجة المغربية – وكتلة شمالية شرقية تتحدث بالأمازيغية الريفية، حيث يعتبر أن الآلات الموسيقية المتوافرة في الريف بكثرة هي آلات الطرق مثل: أجون أو الدف ثم الخذنة أو الغيطة ثم ثامنجا أو الناي، وغالبا ما تتواجد الشبابة، كما يلاحظ أن أهل الريف لا يستعملون الآلات الوترية إلا قليلاً.

إن الأغنية الشعبية في بلادنا لا تستقر على نمط أو صنف أو لون، فهي متنوعة بتنوع الجغرافية، فللجبل أنماطه وألوانه، وللسهول محتوياته الغنائية، وللسفوح والهضاب كذلك، وللسواحل كما للصحاري صنوفها، ولكل من شرق البلاد وغربها وشمالها وجنوبها الغناء المتنوع والمتعدد بشكل يجعل أحيانا لكل منطقة غناءها الخاص بها إيقاعا وإنشادا وكلاما وعزفا وتوقيعا، مع التنوع اللغوي طبعا بين لهجات دارجة محلية وأمازيغية (تامازيغت ... تاشلحيت ... تاريفت).

تتركب الطقطوقة الجبلية من ثلاثة أنماط غنائية أساسية وهي : نقل الخبر، وانتقاد الوضع (نمطان يعتبران من صنف العيطة، واشتقاقها لفظة عيط)، والتغني بجمال الطبيعة والغزل المقتبس من الأنماط الأندلسية المعروفة والمشهورة في هذا المجال.يضاف إلى هذه الأنماط نمط رابع، وهو لا يعتبر من صنف العيطة بقدر ما هو صنف رومانسي حالم لا يخرج عن مجاله أيام السلم.

أما العيطة فهي بحسب كتاب الباحث عبد العزيز إبن عبد الجليل "مدخل إلى تأريخ الموسيقى المغربية" ذلك الغناء الذي يبتدئ بنداء، وتتخلله في اللوازم نداءات، إلى جانب كونه غناءا مركبا لا يحتمل الجزء الواحد  ـــ والمقصود هنا ميلوديا واحدة وإيقاعا متشابها وبحرا من البحور ــ إذ غالبا ما يتغيّر اللحن في الجزء الثاني، وكذا الإيقاع والبحر الذي يطول أو يقصر، فقد يصبح بسيطا أو متوسطا.  والعيطة أشبه ما تكون بالقصة المفتوحة التي يظل موضوعها عرضة للتحوير والزيادات. ويهيمن عليها الارتجال الحر حيث يزيده الناظمون ثراء ونماء، ويفرغون فيه ما يعترض حياتهم من مآسي وأفراح، وما يجيش في نفوسهم من أماني وأمال، حتى يصبح من العسير الوقوف على المؤلفين الحقيقيين للعيطات المتداولة.

 والعيطة وفقا لذلك لا تخرج عن الصفة العامة للغناء الشعبي.  ويمكن القول إن التأليف بدأ فرديا على يد فرد، واستمر أيضا يقوم به أفراد، ولكنه انتهى جماعيا، فقد اختفى الفرد وتسلل المجتمع تسللا غير محسوس إلى الدائرة، ليفرض وجوده عن طريق الأفراد ذاتهم، وقلما نتعرف في فنون العيطة على الناظم على غرار ما هو معمول به في طرب الملحون أو طرب الالة مثلاً.

هنا لا بد من إدخال الطقطوقة الجبلية ضمن مجال العيطة سواء من حيث التعريف الذي يعتمد النداء كمرجع في التسمية والذي نجده في العيوط بمختلف أنماطها وأنواعها وأمكنتها، أو من حيث الغناء المركب والميلوديا والآلات الوترية والإيقاعية والتعريضات.  أما أنماط العيوط الموجودة بالمغرب فهي تنقسم إلى قسمين اثنين :عيوط رئيسية وهي : الجبلي – الحصباوي – المرساوي- الحوزي- الدوايس.  وعيوط فرعية مثل : الزعري – الخريبكي – الشياظي – الغرباوي – الساكن. الذي يعتبر قاسما مشتركا بين كل الأنماط السالفة الذكر، سواء منها الرئيسية أو الفرعية.كما من المعتاد أن ينتقل الأشياخ والشيخات أفرادا أو جماعات بين المدن والقرى المجاورة أو المتباعدة طلبا للعمل أو للاسترواح أو غشيان مواسم الأولياء، حيث كان يتم خلال هذه الانتقالات كثير أو قليل من الأخذ والعطاء والتبادل بين الرباعيات المختلفة ، وقد نتج عن ذلك تلاقح فن العيطة الشعبية موضوعا ، كمظهر من مظاهر الوضع الذي عرفت به نفسها، والمتمثل في نبذ الثبات والاستقرار المميت لكل فن ، والنشدان الدائم لتجديد شكلها ومضمونها.

من مميزات العيطة الجبلية أنها سهلة الأداء والعزف إلى درجة تجعل جميع الشيوخ يغنون الجبلي، فهي لا تتوافر على فصول كثيرة، كما تتميز بليونتها ورقتها إلى درجة أن المستمع للطقطوقة الجبلية يطرب وينجذب بخلاف العيوط الأخرى الخشنة مثل جهجوكة.

 إن الطقطوقة الجبلية تقدم صورة رقيقة عن الحياة الزراعية والرعوية التي احتضنتها، ولا تذهب بعيدا في التوضيح، إنما تقتصر على الإشارة العابرة لبعض المكونات البيئية، كتمجيدها صفات الشجاعة والإقدام التي تكون مطلوبة في رجال القبائل وسادتها خلال الحقب المتقلبة من تاريخ المغرب والطابع التعبيري عن هذه الحقب.

والعزف في الطقطوقة الجبلية إذا كان بالكَنبري فيتم بثلاثة أوتار متكاملة وإذا كان بالكمان فيتم كذلك بثلاثة أوتار متكاملة (و السلم الموسيقي الخامس المتكامل)، وتقع المساوية في لوتار أو في الكمنجة (المساوية) العصرية المعروفة في الوقت الحاضر ، أما في العود فيستحسن أن يساوي الوتر الثاني في صول والتدرج معه إلى الوتر الخامس على أساس أن الجبلي خلافا للغناء العصري يبدأ من أخشن الأصوات وينتهي إلى أدقها.

المصدر:
منتديات عشاق المغرب