خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الأداء والتلحين في طبع رصد الذّيل لدى قدور الصرارفي : مقاربة تحليلية

. مقالات

 

إعداد ياسين بنميلود

باحث في العلوم الثقافية (اختصاص موسيقى وعلوم موسيقية في جامعة سوسة)

اكتسب التحليل الموسيقي الحديث موقعا مهما في توضيح معالم التأليف الموسيقي وإبراز عوامله الإنسانية الذاتية والفيزيائية الموضوعية ابتغاء تتبع المسار الإبداعي الإنساني وتعرف أهم قواعده وسننه.

وقد أجمعت كل المقاربات المعتمدة في الموسيقولوجيا الحديثة أو كادت على الإقرار بأهمية التواصل بين المنابع التأليفية ومستحدثاتها في تطوير العمل الموسيقي وتجديده، كما أجمعت على أهمية المخزون النظري والعلمي وتكامله مع المحاكاة في التنفيذ والأداء والإضافة لتحقيق الانتقال النوعي من درجة إلى أخرى غير مسبوقة، مثلما ذكر ذلك " جون جاك ناتيي" حيث قال: "لايمكن للدراسات السياقية التاريخية والاجتماعية والثقافية أن تجد أهميتها إلاّ من خلال القيام بأوصاف محدّدة للمادة الموسيقية استنادا إلى نماذج مماثلة".[1]

يقوم التعبير الموسيقي على اتجاهات متنوعة تحكي عن الألم والفرحة وتنطوي على إبداعات تتميز بصلتها العميقة بالإنسان، حيث تشكل مزيجا من الأسى أو الانتصار أو الغضب أو الابتهاج.  وقد بيّن لنا التاريخ حقائق مهمة حول المعرفة الأساسية لفن الموسيقى بأنها أداة تعبيرية لها القدرة على تبليغ فكرة معيّنة تتجاوب مع الذات الإنسانية.[2]

كثيرا ما نسمع عن عنصر هام في الموسيقى يدعى " الميلودي" أي الّلحن حينما أوجد اليونانيون  أن كلمة " ميلوس " تفسر بالعربية  " أغنية " وكذلك "لوقوس" تفسّر " حاملة الفكرة " والّلحن هو تتابع النغمات في شكل موسيقي موحد  ذي قواعد فنية كاملة وتسلسل ديناميكي إيقاعي تارة وشاعري إنساني تارة أخرى.[3]

شهدت الموسيقى التونسيّة منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين بروز عدد هام من الأعلام في مجال العزف والتلحين حيث عرف تطور الذوق العام في ذلك العهد العديد من التحوّلات فرضتها عدّة عوامل فنية وتقنية، إذ ساهمت مجموعة من العناصر كالتعبير الغنائي والاتجاهات الاقتصادية والتكنولوجية والصناعية في خلق مفهوم جديد للموسيقى التونسية شكلا ومضمونا، حيث شرع التونسيّون في الاهتمام بالتأليف الموسيقي وذلك بتخصيص مساحة هامّة له تظهر الخصائص التعبيرية الموسيقية ومميزات التأليف الموسيقي. ومن هنا تبرز أهميّة موقع الملحن والعازف في إثراء المادة الموسيقية، إذ يلاحظ بروز عديد الشخصيات التونسيّة المبدعة التي عملت على إنشاء مدارس مختلفة في أساليب التأليف من حيث نوعية الّلهجة الموسيقية المعتمدة وتوظيفها لغايات تعبيريّة معيّنة وصولا إلى تحقيق منظومة جماليّة مغايرة عن السائد آنذاك لدى المؤلّف حيث يغلب عليها البعد الحسّي والذّوقي والعلمي.

لقد تطرق العديد من الباحثين دراسة الطبوع التونسيّة، إلاّ أن هذه البحوث اقتصرت على تعريف الطبوع وإبراز خاصياتها من خلال نوبات المالوف كما تطرقت بعض البحوث الأخرى إلى دراسة الطبوع التونسيّة من خلال قالب الارتجال، وقد اخترنا معالجة طبع واحد هو رصد الذيل والتطرق إليه من خلال دراستنا لمعزوفة "فرحة" لقدور الصرارفي، وهي من أبرز الإنتاجات في حياته الإبداعية حسب رأينا الأمر الذي شجّعنا على دراستها وتحليلها حتى نُنمّي مكتسباتنا المعرفية أكثر حول طبع رصد الذيل.

يعتبر الأداء الخاص بقدور الصرارفي ومميزاته التأليفية في طبع رصد الذيل من أهم المسائل التي تدفعنا إلى البحث والتحليل المنهجي الذي ينطلق بطرح الإشكاليات الآتية:

-          ما هيّ أبرز مميّزات قدور الصرارفي في التلحين في طبع رصد الذيل؟

-          هل اتخذ الملحن من التجديد منهجا في هذه المعزوفة؟

-          هل في أسلوبية قدور الصرارفي بعدٌ  تعبيريٌّ  وما هي تجلياته؟   

نسعى من خلال هذه الدراسة إلى إبراز خاصيات طبع رصد الذيل وعقوده الأساسية والفرعية وحركاته المميزة كما نحاول التطرق إلى طريقة أداء قدور الصرارفي على آلة الكمان لمختلف أجزاء المعزوفة.

تحليل معزوفة فرحة

لقد عمدنا في منهجية التحليل إلى تقسيم المعزوفة إلى ثلاثة أجزاء حسب تغيير الإيقاع.  ونتطرق في الجزء الأول إلى تحليل المقدمة[4] ثم الجزء الثاني "مدور تونسي"[5] والجزء الثالث "فزاني"[6]، ونحللها تحليلا لحنيا و إيقاعيا.

ويهدف هذا التحليل إلى:

-          إبراز مميزات أسلوب قدور الصرارفي في تلحين المعزوفة "فرحة"

-          إبراز ملامح الجانب الحسّي والتعبيري عند قدور الصرارفي

الجانب اللّحني

·       تحليل المقدمة:

بدأت هذه المعزوفة بمقدمة قصيرة غير موزونة بها جملتان في رصد الذيل (مي مخفوضة وفا مرفوعة).  وتؤدى هذه المقدمة جماعياً مرتين بعدها التوقف على درجة السيكاه مزخرفة بالزّغردة  كما هو جليّ في هذا المثال:

و ما نلاحظه من خلال هذه المقدمة أن قدور الصرارفي قد تأثر ببعض المعزوفات المشرقيّة حيث نجد بأنها أقرب في تركيبتها  في ارتفاع درجاتها المميّزة للنكريز[1] ثم ان التوقف على درجة السيكاه في آخر هذه المقدمة يكاد يعكس الرغبة في إبراز هذه الدرجة على الرغم من أن ذلك ليس من مميزات طبع رصد الذيل وهو يذكرنا بعديد من المعزوفات المشرقية.[2]

من مظاهر التأثر بالأنماط الموسيقية الأخرى أيضا أن المؤلف استعمل بعض تقنيات الأداء والزخرفة الغربية وهذا ما يعكس مدى تأثره بالموسيقى الغربية في فترة تعليمه، ومن أبرز هذه التقنيات نذكر النبر بالنسبة لآلات القوس كما يبينه لنا المثال التالي:

الإشارة إلى أن هذه التقنيات ليست بالغريبة على الموسيقى العربيّة.

ثم انتقل الملحن في ما بعد ليبرز العقود الأساسية لطبع رصد الذيل حيث جاء الجزء الموالي لهذا القسم في طبع المحير سيكاه[1] و أعاده الملحن مرّتين الأولى في الجواب والثانية في القرار وانتهى هذا الجزء بالوقوف على درجة النوى كما يبينه لنا المثال التالي:

ثم بدأ الملحن في ما بعد بإبراز عقد المحير عراق[1] نوى بأسلوب راقص وفيه شيء من الرّصانة حيث انطلق باعتدال في بداية هذا القسم ليسرع قليلا في الآخر تمهيدا للمقطع الموالي، وانتهى هذا القسم بنفس الجملة التي انطلق بها وهي التي عزفت بأسلوب النبر واستعملها الملحن في آخر هذا القسم كتمهيد للاستخبار مثلما جاء في المثال التالي:

·       تحليل القسم الثالث "فزاني":

انتهت المعزوفة بمقطع أخير جاء في طبع رصد الذيل فيه شيء من الإسراع تغير فيه الإيقاع ليصبح إيقاع الفزاني وكأننا بالملحن هنا أراد إن ينهي المعزوفة بجمل في الفرح والبهجة حتى يؤكد للمستمع مضمون المعزوفة وهدفها (الفرحة)، ثم جاءت جملة أخيرة بعدد محدود من الدرجات تنتهي بها المعزوفة بالاستقرار النهائي على درجة الكردان.  ويمكننا أن نبيّن ذلك من خلال المثال التالي:

ما نلاحظه في هذا القسم سيطرة الخلية الثالثة على المقدمة مع استعمال خلايا بطيئة نسبيّا مثل الخلية الأولى والخلية الخامسة وهذا ما يميز المقدمة الموزونة وغير المقيّدة بإيقاع.

وكذلك استعمال خلايا إيقاعية بسيطة مع سيطرة نسبية للخلية الثالثة.

 

 

 

 

 

 



[1] طبع تونسي من الطبوع الشعبية يرتكز على درجة النوا.

 

 

 

 

 



[1]  مقام تونسي يرتكز على درجة الدوكاه و له عارض وحيد و هو درجة العجم  يقابله في المقامات الشرقية مقام النهاوند.

 

 

 



[1] كلمة فارسية معناها (لا تهرب) و هو من فصيلة النواثر ولا يفترق عنه الا بتغيير عقده الثاني وجعله نهاوند على درجة النوى عوض الحجاز ومن خاصياته جعل درجة سي قرار حساسة للمقام أي طبيعية بينما تكون في العقد الثاني مخفوضة.

[2]عبيد (جمال)، جماليات الموسيقى المجردة في القرن العشرين بين الشكلانية والتعبيرية والتطريب، مذكرة دكتوراه في العلوم الموسيقية، تونس، المعهد العالي للموسيقى بتونس، 2010-2011، ص.

 



[1] ناتي، (جون جاك)، تمجيد الموسيقولوجيا، ترجمة سمير بشة ومراجعة الحبيب بيدة، ط، 1، تونس، منشورات كارم الشريف، ص. 04.

[2] الشعبوني،( فاروق)، الشيخ العفريت مطرب تونس، تونس، المطبعة العربية، ماي، 1991، ص. 5.

[3] حلمي مطيرة، (أميرة)، فلسفة الجمال أعلامها ومذاهبها، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 1998، ص.13.

[4] الأداء بحرّية على صعيد السرعة والتعبير.

[5] إيقاع شعبي تونسي دليله الوزني 6 من 8.

[6] إيقاع شعبي تونسي دليله الوزني 4 من 4.