خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الأغنية العربية المعاصرة محيرة وغائبة

. مقالات

 

ياسين الجيلاني

لا غرابة أن تتصف الأغنية العربية الحديثة، بأنها ذات طابع غربي، وأنها تقودنا إلى عالم الموسيقى السريعة، دون تفاعل حسي مع الكلمة المؤثرة، وبوسعنا – دون ريب – أن نبتهج بهذه الظاهرة الغربية أو نبتئس، ولكن ليس من حقنا إلا أن نسلم ونعترف بها، كما سلمنا من قبل بالعولمة والخصخصة، كما أنه ليس من حقنا إلا أن نسلم ونعترف، بأنه ليس في وسع أحد أن يقول للغناء العربي – الحديث: كن فناً أصيلاً فيكون، ولا كن قومياً فيكون.

فالأمر ليس كذلك، وإنما هو انقلاب في عالمنا الغنائي والموسيقي، يتمثل في الخروج من نطاق التقاليد القومية، إلى محيط الأغنية الغربية، وهذا يقود إلى تغيير خطر في حياة الشباب المراهق، الذي ظهرت بوادره في أغاني الاستعراض الموسيقي الراقص «الفيديوكليب»، أو في أغاني فن التعري، ونعني به من حيث نظرته للحياة، عقائدها وقيمها.

هذه المرحلة الغنائية الجديدة، تأتي بعد الأغاني القديمة، التي تمثلت في الغناء العربي الرصين والأصيل، لذلك لم يكن عجباً أن يتفاعل أبناء الجيل الحالي، ويتناغم ويطرب مع الغناء الجديد، والاستمتاع بإيقاعاته الموسيقية الصاخبة السريعة، بعد أن تخلصوا من قيود «الأغاني الموجهة» وابتعدوا عنها، أغانٍ كانت تستنطق الأحداث، وكانت كلها ظواهر شديدة التعبير عن واقع يسوده الاحتلال والظلم والعذاب، ومستقبل يحدوه الأمل، كما هو الحال في الأغنية الوطنية الحماسية، التي كانت تتغنى بالوطن أو تدعو للدفاع عنه، كنشيد «أخي جاوز الظالمون لعبد الوهاب»، و «وطني حبيبي الوطن الأكبر»، لعبد الحليم وفايزة كامل وصباح وكذلك أغنية «راجعين بقوة السلاح» لأم كلثوم.

كان في كل أغنية عنصران جوهريان قد نسميهما: القالب والمضمون أو العاطفة والخيال، أو الكلمة والوجدان... وكان لا بد أن يتفاعل فيها العنصران ويتزاوجا، كما يتفاعل عنصر الفحولة والأنوثة، وكان الفن دعامة الغناء، وكان الغناء تجاوبا بين روح الإنسان وتفاعل الفنان.


أما في الأغاني الحديثة ، فقد غدا الغناء رشيقاً مرهفاً كالسيقان والأغصان المتكسرة، أو حلزونياً كالقواطع والأعاصير، أو ملتوياً راقصاً كاللهب المندلع، ولكن؛ لا يمكن أن يخلو منه عمل فني إلا هوى وتحطم، مثل هذا الغناء العربي الحديث، الملتهب في العاطفة، لا يرتقي بحال – كما في أغنية فيلم «تايتانيك» الشهيرة مثلاً، مما يجعلنا نتبين إلى أي حد أصبح الغناء الحديث، موضوعاً مهماً يحتل مكان الصدارة في الفضائيات المتخصصة، التي تستأثر باهتمام الشباب والشابات، والذي يخلو من أي مسحة فنية أصيلة، إلا من فن التعري وتموجات الجسد المثير وحركاته العصابية، حيث يندفع المراهق خلفها باندفاعية عمياء.

 

الاندفاع العاطفي الجارف

هذا الاندفاع العاطفي الجارف، وجملة هذا الحب مع تلك الأغاني، هو مجرد حاجة فسيولوجية، تظهر فجأة في مرحلة المراهقة وتزول بزوالها، حيث يندفع المراهق وراء شعوره بالحاجة الجنسية، دون عاطفة التذوق بمعاني الأغنية وكلماتها، كما يندفع الجائع نحو الطعام (الشهي) يلتهمه لهماً، دون الشبع الحقيقي!؟. أو قل: إن الأغنية العاطفية الحديثة، هي بغير هوية، ولا تصنع فناً أصيلاً، بل غدت رؤى للأبصار دون البصيرة والوجدان.. أما الأغنية الوطنية، فنبحث عنها في وهج الشمس وبأيدينا مصباح، فلا نعثر عليها!

ولما كانت الأغنية وكلماتها وموسيقاها –عامة- تختلف باختلاف الزمان والناس، فإن عاطفة الحب مع الأغاني القديمة – المكونة من عراقة الكلمة واللحن والتعبيرات المهذبة، تضيء الحياة بالبهجة، وتضفي على الروح متعة ونشوة، كما الحال في غناء أم كلثوم وليلى مراد واسمهان وسعاد محمد، وعبد الوهاب وفريد الأطرش وعبد الحليم ووديع الصافي وناظم الغزالي، وصولاً إلى المطرب الشعبي محمد عبد المطلب... أو كما هو الحال في الأغنية العاطفية الإبداعية عند فيروز ونجاة الصغيرة وفايزة أحمد وشادية، وغيرهن من عملاقات الفن القديم والجميل وعمالقته.

ربما كانت روعة الأغنية القديمة في أنها ليست استجابة شرطية لنزعات التسلية والترفيه والإغراء العابر، وليست صناعة هندسة الكترونية، تستحدث الطرب بالحركات الغرائزية، بل كانت تستحدث الطرب بالتكرار والتماثل والانسجام.


إستخدام القوالب البشرية

 إزاء ذلك؛ تكمن مشكلة الأغنية العربية الحديثة، في الانتقال من المرحلة القديمة، إلى تلك التي نعيشها والتي تحاصرنا، ليس في مجرد إستخدام القوالب البشرية، أو في التقنية الغربية الذي تصاحب الأغنية الجماعية، وإنما في فهم موضوعيتها، أي في إدراك معانيها، التي لها بداية وليس لها نهاية مقنعة... ثم أن المستمع لها لا يتجاوب معها ويتناغم مع سائر ما كنّا نتمثله مع الأغنية القديمة الأصيلة، التي جسدت التواصل والتفاعل بين ذات المطرب وبين إطاره الاجتماعي. فهي على ضيقها الظاهر، كانت أغنية إنسانية بل عالمية، تتشابه وتتماثل فيها الأشكال والمضامين والأنغام جميعاً... وستبقى في النهاية، إضاءات للروح وبلسماً لليل العشاق.

المصدر: جريدة الرأي الأردنية