خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الأغنية العربية المستقلة: وريثة الأصالة.. في مواجهة فوضى التلفزيون

. مقالات

علي سعيد

ليس صحيحاً أن الغناء العربي الأصيل اختفى وأنه برحيل عمالقة الفن انتهى كل شيء. وليس حقيقياً أن ما يعرض على محطات التلفزيون اليوم يمثل كامل مشهد الأغنية العربية. هنالك ما وراء الشاشات وشركات الإنتاج والقنوات، إنها الأغنية المستقلة التي تناضل للوصول بسحر الإبداع الغنائي وعبقريته إلى المتلقي العربي رغم تعتيم الإعلام وتجاهله وحصار التلفزيونات. ففي لبنان الذي قدم للعالم موجة من مطربات الفيديو كليب، من هيفاء وهبي إلى مريام فارس، هو نفسه لبنان الذي يحتفظ اليوم بصوت أميمة الخليل وجاهدة وهبة وغيرهما، والأمر ينطبق على بلدان عربية أخرى.

لا يزال الفن حاضراً من خلال أكاديميات الفنون ودون الحاجة إلى المحطات والمنتجين، عبر الأغنية المستقلة التي يصر المغني فيها على أن تكون له شخصية تفرض احترامها على الجميع. وهو ما لا يناسب محطاتٍ تريد للمغنية أن ترتدي وتظهر وفق الطرق الترويجية الإعلانية. لذا نرى أن أغلب المغنين المستقلين، هم "غرباء" بصحبة جمهور محدود نسبياً مقارنة مع جماهير المطربات التلفزيونيات!. ربما لأن الأغنية المستقلة لا تزال تحتفي بالموسيقى، التي تعطيها مساحة كافية من العمل والتجلي، وأيضاً تعتني بالكلمة والقصيدة التي دائماً ما تحضر بزيها الفصيح المزركش بآلات التخت الشرقي أو غيرها، مقطوفة من عيون كبار الشعراء بدءاً من محمود درويش ووصولاً إلى الموشحات الأندلسية.

المغني المستقل لا يدخل الفن من الباب الخلفي أبداً ولا بتصويت جمهور يعيش أمية موسيقية وغنائية. بل ولا ينتج ألبومه بدعم هذه القناة أو ذلك الشاعر المنتج الذي يتدخل في كل شيء، وإنما كما جرى مع المغنية السورية لينا شاماميان التي أنتجت ألبوماتها بعد فوزها بالمراكز الأولى في جائزة راديو مونت كارلو وجائزة المورد العربي..الخ وهكذا. إلا أنه ورغم ذلك تعاني الأغنية المستقلة بلا شك غياب الجمهور، فهي على الأغلب ضيفة شرف لدى دور الأوبرا ومسارح وزارات الثقافة العربية، وهذا إن كان صحياً إلا أنه يبقى منحصراً لا يروج بما يكفي لثقافة الغناء الأصيل والجديد والحي في آن. إذ إن غياب أصوات مثل هبة قواس ومكادي نحاس وغادة شبير وريما خشيش وأخريات وآخرين، بلا شك، يفوّت فرصة محو الأمية الغنائية التي نعيشها في هذا الزمن مع مطربات الصورة لا الصوت!.

من هنا يعد ضرورياً أن تتدخل المؤسسات الثقافية وأيضاً أن يراجع الفنان المستقل طريقة تعامله مع الجمهور والعصر، لا أن يتنازل في فنه، ولكن أن يجيد خلق لغة تواصل مع المتلقين التائهين في دوامة الأغنية الاستهلاكية، لأنهم بلا شك يمثلون الجمهور الأكبر. صحيح أن الأغنية المستقلة موجودة في اليوتيوب وشبكات التواصل الاجتماعية، لكن على الأغلب بطرق ليست احترافية، ولا ترويجية، بما يستحق، خصوصاً وأننا نعرف أن كثيراً من المستقلين يزهدون في فعل الترويج لأنفسهم لصالح الاهتمام بجودة العمل وهو ما يستدعي إعادة النظر.

نحن نعرف أن الأغنية المستقلة برصانتها هي ابنة شرعية للأغنية الملتزمة من زمن شيخ إمام إلى مرسيل خليفة، لكن هذا النوع تغيرت شروط إنتاجه وظروف عمله الفني، لذا يتعين على الفنان المستقل أن يعيد إنتاج حضوره بطريقة توازن بين رغبة البلوغ لكافة شرائح الجمهور، وبين الحفاظ على هويته المستقلة المتصدية لخراب الأغنية الفيديوكليبة في شقها المبتذل.  كان يفترض أن يكون جمهور صوت كبير كصوت أميمة الخليل أكبر بكثير مما هو اليوم، لكنها بالتزامها واستقلالها المزدوج اختارت أخذ مسافة حذرة من كامل الفوضى في المشهد التلفزيوني والفضائي، وهذا في المقابل، حرم كثيرين أن يعرفوا هذا الصوت الطربي النادر. أما لينا شاماميان فتحاول أن تخرج من شكل المغني المستقل المتعارف عليه، إلى محاولة المزج بين الظهورين كما شاهدنا في حفلاتها الأخيرة.

من هنا نذكر أن مسؤولية وصول الأغنية العربية المستقلة والأصيلة في حداثتها وعصريتها، هي مسؤولية الجميع. لقد كشف تويتر وفيبسوك وانستغرام حقيقة ضعف حضور المغني المستقل في المشهد الجماهيري، وهو أمر ليس مستغرباً والفضائيات وبرامج المسابقات الغنائية تبرز سنوياً مطربات شعبيات كأحلام التي سجلت نجومية كبيرة بفضل مشاركتها في برنامج "عرب آيدل" في المقابل تجتهد الأغنية المستقلة في ابتكار موضوعات جديدة في الغناء، بل وفي مواكبة ما هو مستجد على الساحة، غير مكتفية بموضوع الحب المستغل تجارياً، لتذهب إلى الشارع وتلامس همومه، كما في ألبوم "زمن" لأميمة الخليل والذي قدمت فيه أغنيات ك"الطبقة الوسطى" و"ظلالنا" التي ترثي فيها حال الوطن العربي اليوم. أما لينا شاماميان فقدمت أغنية "غزْل البنات" كصوت سوري يدعو للسلام، رأفة بالطفولة والشعب الجريح. إلى جانب تقديم جاهدة وهبي مستلهمات من التراث الصوفي العربي. من هنا نتأكد أن الأغنية المستقلة أثبتت أنها الوريث الحقيقي لمشروع الغناء العربي، من خلال نأيها عن كل ما هو سطحي وتجاري وتركيزها الأول على تطوير ذاتها وتقديم كل ما هو جمالي وجديد، وهو ما يستحق أن يصل إلى قطاعات الجمهور الكبير.

المصدر : جريدة الرياض السعودية