خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الأغنية العربية اليوم : المرسل والمتلقي غريبان بلا هوية

. مقالات

بين تراث قيم يتلاشى، وواقع موسيقي لا هوية له، تعاني الموسيقى العربية في الوطن العربي الكثير من المشكلات التي أثرت على شكل الأغنية العربية الحديثة ومضمونها.

إن قضية التأثير والتأثر بين الغرب والشرق لا تعني بالضرورة الاتباع وفقدان الهوية والتقليد الأعمى، وإنما هي علاقة أخذ وعطاء، لكنها أصبحت الآن علاقة أخذ فقط، وهنا يكمن الخطر وتظهر مساوئ العولمة، فلو رفض الأوروبيون العولمة أيام كان العرب سبَّاقين في العلوم والموسيقى والفلسفة لما وصلت أوروبا إلى ما وصلت إليه اليوم.

وفي مطلع القرن العشرين استخدم كبار الموسيقيين العرب تراكيب لحنية على إيقاعات غربية رائجة في العالم كـ «الفالس» و«التانغو» و«الفوكس تروت» و«الرومبا» وغير ذلك من إيقاعات أميركا اللاتينية، ولكنهم استخدموها بحذر شديد ودراية؛ بحيث لم تصطبغ موسيقاهم ولا أغانيهم بهذه الموسيقى، بل حافظوا على الهوية العربية، فقد استخدم الموسيقار «محمد عبد الوهاب» مطلع سيمفونية بيتهوفن السادسة في أغنية «محلاها عيشة الفلاح» مثلاً، وأغنية «أحب عيشة الحرية» كما يعتبر «الأخوان رحباني» من أشهر الموسيقيين العرب الذين نقلوا واستخدموا بعض الألحان الغربية في أعمالهم الغنائية، فمثلاً استعاروا جزءاً من سيمفونية لـ «موتسارت» (السمفونية الأربعين) في تلحين أغنية «يا أنا يا أنا» وغيرها.

هذا في الوقت الذي أثرت بعض الأغاني العربية في الغناء الغربي، فقد دخلت أغانٍ عربية الموسيقى الغربية واشتهرت مثل «حبيتك بالصيف»، «سالمة يا سلامة»، «دقي يا ربابة»، كما انتقلت بعض الأغاني من المغرب العربي إلى أوروبا.

 

غرباء مغربون... والآخرون مستغربون

إن الغرباء هم إما من يعد الألحان المستغربة البعيدة عن التراث ويروج لها، أو هم الشباب العربي المتلقي، وفي الحالتين هم مغربون، أي متوجهون نحو كل ما هو غربي أو غريب.وما هو ملاحظ في واقعنا العربي أن أسباب توجه الشباب العربي إلى الألحان البعيدة عن تراثه وثقافته، هي غزارة هذه الألحان، وسهولة الوصول إليها، وطبيعة مرحلة الشباب، فهم القادرون على استخدام وسائل الاتصال والتكنولوجيا الحديثة التي تمدهم بهذه الأغاني والألحان المستغربة عن طريق شبكة الإنترنت والـCD، هذا في الوقت الذي تتميز به مرحلة الشباب بتخطي التقاليد والمألوف، ورفض الواقع، في ظل تراجع التراث على حساب الحداثة.

كما أن من أهم الأسباب التي تدفع الشباب إلى الأغاني والألحان الغربية، ظاهرة الفيديو كليب، وما تحتوي عليه من إثارة وفتنة، وغياب دور أجهزة الإعلام عن إنتاج أعمال جيدة، وتخليها عن دورها في الرقابة على المُنْتَج الفني، وتسابق الملحنين والشعراء العرب وراء المادة، وذلك ما أدى إلى هبوط الكلمة، وعدم التعامل مع مقامات موسيقانا العربية، كما أن الأغاني الحديثة لا تكتب باللغة العربية، بل بلهجات فقيرة التعابير، إضافة إلى موضوعات متشابهة عن الحب والغرام والوصال، وغياب القصائد والشعر العربي.

 

جمال الصوت أم القوام؟!

وفي ظل أزمة التغريب التي تواجه الموسيقى والأغاني العربية، والاعتماد على الشكل واستخدام الجسد، والموسيقى الإيقاعية الصاخبة فيما يعرف بأغاني الفيديو كليب التي تملأ الفضائيات، يتبادر إلى الذهن سؤال مهم: «هل جمال القوام يدعم المطربة والمطرب أكثر من جمال الصوت؟».

برأينا أنه «من حيث الصوت، فنحن في زمن تسمح لنا فيه تكنولوجيا برامج التسجيل والكترونيات بإخراج الصوت وتصحيحه، وأما من ناحية الجمال فإن استخدامه في الأغنية ليس بالأمر الجديد، فالجديد هو الوسائل التكنولوجية الحديثة التي تسمح بسرعة التعميم والنشر»، لكن هذا لا يعني أن الجمال مهم في كثير من الأحيان.

 

السياسة والموسيقى العربية

هل تأثر حال الموسيقى العربية وأغاني الشباب بتلك الأوضاع السياسية وعدم الاستقرار في العالم العربي؟

الجواب سيكون نعم، فلنأخذ الأغنية اللبنانية على سبيل المثال، فلبنان المتخبط بالحوادث الأمنية السيئة منذ أكثر من ربع قرن، أدى ذلك إلى توقف لجان المراقبة في الإذاعة اللبنانية عن مراقبة النص الشعري للأغنية الحديثة، والمستوى التأليفي لموسيقى الأغنية اللبنانية، وعدم الموافقة على تصنيف المغنى؛ وهو ما أدى إلى عدم محافظة الأغنية اللبنانية على مستواها الراقي الذي بدأ منذ 50 عاماً من بداية القرن العشرين على يد الأخوين الرحباني، ووديع الصافي، وغيرهم.

ومن أهم أسباب تردي مستوى الأغنية اللبنانية وجود الإذاعات الخاصة والعامة والحزبية ابتداء من العام 1975 فصارت الرقابة حلماً مستحيلاً في ذلك البلد، كما نسب تدهور حال الأغنية العربية واللبنانية إلى تجارة الإعلام التي تبيع العمل الموسيقي، فهو سلعة تريد الربح وتبحث عن الإعلانات الجاذبة، فلا اعتبار إلا للمنتج الدعائي والمردود المالي.

 

المصدر : صحيفة الوسط البحرينية