خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

آلة الإيقاع ومآلاتها

. مقالات

 

فرج سليمان

 

لو قمنا باستعراض سريع وشامل لتقدّم الموسيقى العربية ومواضيعها وآلاتها خلال المائة والعشرين سنة الأخيرة (وهي الفترة الأكثر وضوحاً وغزارة كمرجعية تاريخية يمكن الاستناد إليها في البحث العلمي الموسيقي) لتيسر لنا أن نرى الإيقاع يتطوّر ويتقدّم - كموضوع موسيقي - بشكل أبطأ مقارنةً بتقدّم وتطوّر باقي مكوّنات العمل الموسيقي العربي.

العود، على سبيل المثال، تقدّم دوره من آلة أساس في التخت، مروراً به آلة تفتتح بها الأغنية والمقطوعة الموسيقية - عبر التقاسيم - حتى استقل ليُكتب له أعمال خاصة به في مشاريع موسيقية تمركزت حوله.  كما أن التعامل معه كآلة تلحين اختلف من ملحّن إلى آخر، وهو ما خلق ألواناً وأساليب عزف مختلفة. 

حظي العود باهتمام جميع الملحنين، ونرى أن الريشة المصرية (اصطلاح يدل على أداء ولون ونهج العازف) كالقصبجي والأطرش، اختلفت عن الريشة العراقية التي ابتدأت مع محيي الدين حيدر ومن ثم جميل بشير ومنير بشير، وبالتالي تكوّنت مدارس وأنماط عزف وأداء مختلفة.  توزيع العمل الموسيقي العربي توسّع أيضاً بشكل ملحوظ ليضم عناصر من موسيقات وحضارات أخرى مع تقدّم القرن العشرين، ولهذا التوسع أسباب يمكن التوقف عندها لاحقاً. 

أما الإيقاع، فقد تنقّل في العمل الموسيقي العربي كأحد عناصر العمل بين عدة أدوار، إلّا أن آلاته لم تستقل كالعود والكمان والناي وآلات أخرى، كما لم يتطور كأحد أسس بناء العمل، مثل اللحن والتوزيع والكلام، أي أنه بقي كـ "سجّادة" تفرش تحت كل المركبات وعليها يبنى العمل، وبالتالي لم تتواز مكانته مع باقي العناصر.

ويبدو أن ذلك يعود إلى الوعي العام الذي خلقه ملحنو القرن العشرين (وسابقوهم على الأرجح وبلا انتباه) لهذه الآلة ودورها المتواضع في العمل الموسيقي الذي انحصر في ضبط الإيقاع؛ وهو ما أبقاها آلة مهمّشة وثانوية مقارنةً بسيرورتها الغربية.  لا يمكن التمييز بين عازفي الإيقاع في أعمال أم كلثوم وبين عازفيه في أعمال أسمهان، بينما يمكن التمييز والإشارة إلى الاختلاف الموجود في التوجّه اللحني على سبيل المثال.

في الربع الأخير من ذلك القرن، كنا نرى أنّ الإيقاع توافرت له مساحة الـ"سولو"، أي دور الأداء المنفرد خلال تأدية العمل الجماعي، وغالباً ما كان يهدف إلى إثارة الجمهور، لكن ذلك أيضاً لم يضعه في مكانته الحقيقية.

إن التعامل مع الإيقاع كآلة تتساوى أهميتها ووظيفتها مع أي صوت آخر في العمل (بما في ذلك الصوت البشري) عبر كتابة الوظائف المحددة والخاصة لها (تتمة لوظيفتها العامة - ضبط الإيقاع) من شأنه أن يساهم في تقدّمها خطوة أخرى إلى الأمام. كما أنّ الاهتمام بكتابة وتأليف أعمال موسيقية تضعها في المركز، سيلقي الضوء على جوانب أخرى للإيقاع لم نعرفها في موسيقانا العربية حتى الآن.

 

المصدر : جريدة العربي الجديد