خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الموسيقى العربية في كتابات الفلاسفة المسلمين

. مقالات

إعادة قراءة التراث الموسيقي من منظور جديد

الدكتور عبد الرحمن بن زيدان[1]

تبقى الموسيقى العربية ونظرياتها في الكتب القديمة ـ كموضوع للدراسات والمقاربة النقدية ـ في حاجة مُتجدّدة إلى من يكشف عن الدور الذي قام به الفلاسفة المسلمون والمستشرقون وهم يتواصلون برؤى مختلفة مع التراث الموسيقي اليوناني والعربي، ويعملون على بلورة الخاصية الموسيقية كما هي موجودة في أنساقها الفلسفية والإيقاعية وتلك المتعلقة بالممارسات.

وسيكون كشف المحجوب عن الخلفيات التي كانت تحرك خطاباتهم في حاجة إلى إعادة قراءة، وإعادة تمحيص، وإعادة تركيب عناصر المعرفة التي كونت كل دراسة لها علاقة معرفية بأكثرمن مصدر، وأكثر من علم، وأكثر من مجال، وهذا ما خاض فيه العديد من الباحثين المعاصرين المهتمين بالتراث الموسيقي العربي حين شرعوا يفتحون أبواب التراث الموسيقي على كل الحمولات الدلالية التي كانت تملأ الأسفار، والمصنفات، والكتب الفلسفية التي صارت خزانا حقيقيا يحتوي على نفائس الدراسات والمخطوطات، والأراجيز التي تدور حول الموسيقا نظريا وعمليا.

وحين اختار الباحث في الموسيقى العربية  الأستاذ عبد العزيز إبن عبد الجليل دخول غمار هذا البحث، و أراد أن يجمع ما يمكن جمعه، وتحليل ما يمكن تحليله، والتدقيق في ما يمكن التدقيق في صحته، فإن اختياره جاء:

أولا، من تخصصه في المجال الموسيقي

ثانيا، درايته بمكونات التراث الفلسفي العربي ذي العلاقة بالموسيقى

ثالثا، امتلاكه أدوات الحفر الهادئ الرصين في خبايا المنظومات الفلسفية وعلاقتها بالموسيقى

رابعا، خبرته في تحليل الأراجيز، و تحقيق المخطوطات

خامسا، تخصصه في النغم والإيقاع والدراسات التطبيقية التي بها كان يقرأ تراث العالم الموسيقي قراءة موسيقية نغمية.

هذا الاختيار التخصصي يدخل عنده في مشروع دراسي نقدي متكامل على مستوى اختيار المواضيع، وعلى مستوى السير بمنهجه في التوثيق إلى ما أغفله البحث الموسيقي العربي الحديث. ولنا في ما أنجزه كبير البرهان والدليل على أنه ملتزم بالخط الدراسي الذي به يعيد قراءة وتجميع وتوثيق ما يساعده على إظهار دور الفلاسفة المسلمين في إعطاء الدرس الموسيقي حضوره المُميّز ضمن المنظومات المندرجة في رحابة المعرفة العربية المتنوعة ليكون أي تناول لموضوع الموسيقى، والبحث الحديث، أداة ربط بين كل العلوم، وبين كل الثقافات والفنون.

مثل هذا الاختيار موجود عنده في الدراسات الخاصة بالنظريات الموسيقية، وموجود في تجميع المصطلحات الموسيقية وضبطها وترتيبها، وموجود في تحقيق كتاب: إيقاد الشموع للذة المسموع بنغمات الطبوع لمحمد البوعصامي، منشورات أكاديمية المملكة المغربية، الرباط، 1995. وموجود في تتبعه الدقيق للتفاعل والتأثير والتأثر بين الموسيقى المغربية، والإفريقية، و انكبابه على وضع معجم خاص بالموسيقى المغربية الأندلسية، ثم التأريخ لأهم مظاهر الموسيقى المغربية الأندلسية، وارتباطه بالقضايا الوطنية كما تم إنجاز ذلك والتوثيق له في مصنف خاص موسوم بـ: الأناشيد الوطنية ودورها في حركة التحرير، منشورات أكاديمية المملكة المغربية، الرباط، 2005.  وهذه الدراسات تظهر في مسميات المصنفات التالية:

-      مدخل إلى تاريخ الموسيقى المغربية، طبعة أولى، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1983.  والطبعة الثانية في مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2000.

-      الموسيقى المغربية الأندلسية: فنون الأداء، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1988.

-      معجم مصطلحات الموسيقى الأندلسية المغربية، منشورات معهد التعريب، الرباط، 1992.

-      المشترك في مجال النغم والإيقاع بين المغرب والشعوب الإفريقية المجاورة، منشورات معهد الدراسات الإفريقية، 1995.

وفي سياق بحوثه في هذا المضمار الموسيقي العربي  يتابع الباحث عبد العزيز إبن عبد الجليل تقصيه لكل ما يضيف الجديد لمشروعه البحثي حول التراث الموسيقي العربي، وإبراز دور الفلاسفة في تثبيت خصائص الموسيقى، وكل هدفه هو إعادة قراءة الكتب التراثية الفلسفية العربية والمغربية الأندلسية ليبرز أهمية الدرس الفلسفي العربي القديم وعلاقته بالدرس الموسيقي، والتفاعل مع مرجعيات ثقافية أخرى واستخلاص ما تمخض عن ذلك.

 وفي كتابه الموسوم بـ من مظاهر تطور النظرية الموسيقية العربية يقدم قراءات تحليلية موثقة للمتون القديمة لفلاسفة عرب. ويبرز المؤلف دواعي وأسباب إنجازه لهذا المصنف فيقول في مدخل هذا الكتاب : "تندرج هذه العروض في إطار المنبر العلمي الذي كانت الإدارة العامة لدار الأوبرا تتوخى من ورائه حث الباحثين على الخوض في القضايا العلمية  للموسيقى العربية، والنظر في تطورها عبر التاريخ، والكشف عن جانبها العلمي البحت". ص 3

وفي كل هذه العروض يريد ـ عن قصد ـ الردّ على الدارسين المستشرقين الذين زعموا أن الأمة العربية لا تملك حظا وفيرا من الثقافة الموسيقية ـ هي في نظرهم ـ  موسيقى لا تتجاوز كونها تراثا شفويا تتناقله الأجيال، وتحتفظ به الذاكرة الشعبية عن طريق التداول، والتلقين؛ وهو الردّ القائم إجرائيا على المعطيات التالية:

-      تتبع تطور النظرية الموسيقية العربية من بدايات انبثاقها في الجزيرة العربية حتى أواخر القرن العشرين.

-      الإشارة إلى ما قام به إسحق الموصلي وبعض معاصريه من محاولات توثيقية بسطوا فيها درجات النغم وأجناسها، كما حددوا الإيقاعات ومكونات المقطوعات الغنائية أطلقوا عليها ـ يومئذ ـ مصطلح " الصوت".

ويُفصح الباحث إبن عبد الجليل عن التزامه بمكونات مشروعه البحثي الرامي إلى أن يبقى به وفيا للخط العلمي الذي تخصص فيه، وهو توحيد كل كتاباته حول اشتغال نقدي واحد هو قضايا الموسيقى العربية كمحور تدور حوله كل قراءاته، ودراساته، وفي هذا يقول: "ولعل من جميل الصدف أن يلتقي النهج الذي اختاره مؤتمر دار الأوبرا في تناول موضوع تطور الموسيقى العربية مع التوجه الذي طبع كتاباتي منذ أن وطنت نفسي على النظر في قضايا هذه الموسيقى، ومن هنا تأتي الدراسات التي يضمها هذا الكتاب لتشكل حلقة أخرى تندرج في مشروع أعمالي الهادفة إلى التعريف بالتراث الموسيقي العربي في مختلف مواقعه ومحطاته". ص4

في هذا المُصنّف يتأثث  الحديث عن الكندي وإبن سينا، وأحمد بن الطيب السرخسي، وصفي الدين الأرموي، وأرجوزة بدر الدين الإربلي، والمخطوطات، ومنهجية تحقيق النصوص الموسيقية بشكل علمي دقيق، وفيه ذكر مستفيض لأعلام الموسيقى العرب كما ورد ذكرهم في الكتب التراثية.  إن الزمن الذي يحدد تاريخية هذه العروض يبدأ من نهايات القرن الثاني للهجرة مع رسائل أبي يوسف يعقوب بن إسحق الكندي 185 ـ 252 إلى يحيى بن علي بن يحيى ابن المنجم المتوفى عام 300، إلى ظهور الإسهامات العربية في مجال تحقيق التراث الموسيقي المخطوط، وأخيرا إبراز مساهمات المغاربة في تطوير النظرية الموسيقية ودور المغرب والأندلس في بلورة المعارف، وصقل الممارسات الموسيقية.

ويمكن الوقوف على أهم الموضوعات التي تناولها تاريخيا، وموسيقيا، وتنظيرا واشتغالا على التراث الموسيقي وآلاته وتنويطه، حتى نبرز كيف كان يقارب هذه الموضوعات من  منطلق تخصصه،  ومن منطلق ما كان يعطيه لكل تأويل للموضوع الذي يحتاج إلى التأويل، وإعادة القراءة والتمحيص لتثبيت بعض الحقائق حول التراث الموسيقي العربي بدءا من حديثه  عن الفيلسوف الكندي وموقعه الفكري بين معاصريه إلى نهاية القرن الثامن عشر.

 

موقع مؤلفات الكندي الموسيقية بين معاصريه:

عُرف عن الكندي أنه فيلسوف اشتغل مع مجموعة من الفلاسفة على شرح التراث الإغريقي، وكان مولعا بعلوم اللغة والآداب، وأصبح ضليعا في المعارف العقلية، انتدبه المأمون مع زمرة من العلماء لنقل العلوم من السريانية واليونانية إلى اللسان العربي، ومن معرفته بهذا التنوع الفلسفي صاغ مجموعة من الدراسات تدور حول أبحاث موسيقية من المدرسة العلمية التي كانت تعكس واقع الموسيقى في المجتمع البغدادي خلال القرن الثالث الهجري ـ القرن التاسع الميلادي.

وبعد التعريف بمرجعيات الكندي وثقافته، وقف إبن عبد الجليل على مدى تجارب المعارف التي قدمها الكندي في مصنفاته مع واقع النظرية الموسيقية كما حددها أرباب الصناعة في عهده، ورصد مدى استثماره لهذه النظرية في التوفيق بينها وبين النظرية الموسيقية اليونانية. وحتى يقدم بالدليل القاطع صلة الكندي بعالم الموسيقى وعنايته الفائقة بها أورد الباحث إبن عبد الجليل المصنفات التي كتبها هذا الفيلسوف وهي خمسة كتب:

-      الرسالة الكبرى في التأليف(أو الكتاب الأعظم في التأليف) وتحتوي رسالة اللحون والنغم.

-      مختصر الموسيقى في تأليف النغم وصنعة العود.

-      رسالة في خبر صناعة التأليف.

-      كتاب المصوتات الوترية من ذات الوتر الواحد إلى ذات العشرة أوتار.

-      رسالة في أجزاء خبرية في الموسيقى.

وقد قدم الباحث عبد العزيز إبن عبد الجليل دراسة مُعمّقة عن النظرية الموسيقية كما قدّم مكوناتها الفيلسوف الكندي مبرزا بالكتابة الموسيقية للأنغام أنه كان يزاوج بين الطرح النظري الموسيقي وبين استخراج السلم الموسيقي حسب الأصوات، والأنغام واللحون المستخرجة من عمق هذه النظرية.

 وحين انتقل إلى دراسة ما قدمه إبن سينا نجده يركز على الأداء الموسيقي والغناء، والعزف الآلي.

 

الأداء الموسيقي عند إبن سينا بين الغناء والعزف الآلي:

أمّا ما يتعلق بالفيلسوف إبن سينا فقد اختار الباحث عبد العزيز إبن عبد الجليل منهجا للمقارنة بين ثقافة الفيلسوف إبن سينا وبين مرجعياته الموسيقية اليونانية وما اكتسبه من معارف حول الموسيقى العربية، واستخلص منهجه في الأداء اعتمادا على الغناء، والعزف الآلي، ونغمات أوتار العود، والنقرات وقيمتها الزمنية مع العروض وميزان الشعر العربي.

ويقر إبن عبد الجليل بوجود اختلاف بين منهج إبن سينا والفيلسوفين الكندي، والفارابي، معتمدا في مقارنته على نفي أي تلاق بين إبن سينا وبين الفلاسفة الآخرين، أو أن يكون إبن سينا امتدادا للفلاسفة اليونان لأنه من بين الفلاسفة الذين تولوا الردّ على شراح أرسطو. وحين كتب مُصنّفه: كتاب الشفا لم يبتعد عن الرياضيات وعلاقتها بالموسيقى، فقدم مفهومه عن الأبعاد.

إن هم ما يميز التنظير الموسيقي عند إبن سينا ـ كما يرى ذلك الباحث إبن عبد الجليل ـ هو التعلق القوي لهذا الفيلسوف بالهوية الموسيقية العربية، ووصفه لواقع الممارسة الموسيقية ونقده لما يجافي الذوق العربي من الأبعاد والأجناس الإغريقية.

وتتبع الباحث نظرية إبن سينا الموسيقية وكيف تشتغل في المباحث التي كتبها، وتناول الآلات ذوات الأوتار، والمزامير، وآلات النفخ، وآلات الإيقاع، والحلوق الإنسانية، ووسائل تحسين الأداء بين الغناء الحلقي والعزف الآلي، والصوت والتصويت النطقي، والنبرات ونغم الجملة، وينهي هذا المبحث بوضع معجم خاص بمصطلحات الأداء في مباحث إبن سينا.

وفي المبحث الخاص بابن الطحان المصري أفرد إبن عبد الجليل دراسة مستفيضة لكتاب حاوي الفنون وسلوة المخزون لأبي الحسين محمد بن الحسن إبن الطحان المصري (370 ه " 890 م" ـ 449 ه 1057م) وعرض ثقافته الموسيقية، ووقوفه الوسطي بين الغناء القديم والغناء المحدث، ليتناول بعد ذلك وضعية الموسيقى في مصر على عهد المؤلف أيام الفاطميين، ويعرض لهذا الكتاب المخطوط المحفوظ في دار الكتب المصرية، ويستعرض مصادر الكتاب، وأهم محاوره التي تتحدث عن محور الصوت المغنى، والمغنين في مصر، والمغنيات، والمغنين الشاميين.  وفي هذا المبحث يُبرز الباحث اطلاع إبن الطحان على ما وضعه أرباب الموسيقى، واستفادته من أعمال معاصريه من العلماء الذين ترجموا كتب الإغريق كـ كتاب الآلات التي تزمر لنفسها، وكتاب آداب الفلاسفة.

بعد هذا المبحث يأتي الحديث عن أحمد بن الطيب السرخسي وتأثيره في من أتى بعده من الباحثين والموسيقيين، مما خلف ممارسة موسيقية مُفعمة بالتجديد والإضافة كلها تدور حول مسألة الطرب والغناء ولذّة السماع.

 

قراءة في نصوص موسيقية خمسة لأحمد بن الطيب السرخسي:

ويعرف الباحث عبد العزيز إبن عبد الجليل هذا العلم الموسيقي قائلا: "هو أبو العباس أحمد بن محمد بن مروان بن الطيب السرخسي من مدينة سرخس الواقعة بخراسان... ظهر في عصر كانت فيه الموسيقى على درجة كبيرة من الازدهار...". وله ما يربو على ثلاثين مصنفا، وله سبعة كتب أساسها ثقافته الموسيقية، وازدواجية هذه الثقافة، واهتمامه بالممارسة العملية للموسيقى والغناء).

ويقدم عبد العزيز إبن عبد الجليل أهم مصنفات السرخسي وهي: المدخل إلى علم الموسيقى وكتاب الموسيقى الكبير وكتاب الموسيقى الصغير وكتاب القيان وكتاب اللهو والملاهي في الغناء والمغنين.

وقد استخرج الباحث اعتمادا على ما استخلصه باحثون سابقون في هذا المجال أهم الأبواب ذات العلاقة بالموسيقى، لا سيما أقاويل السرخسي المتوزعة على الأبواب الآتية:

-      الباب الأول                      :         موضوعه الطرب

-      الباب الخامس                  :         في فضل الغناء القديم

-      الباب السابع           :         في فضل الصناعة

-      الباب السابع عشر    :         في الحروف المصوتة

-      الباب الثالث والعشرون       :         المواضيع المعينة في الألحان

-      الباب الثاني والأربعون        :         وعنوانه فائت الكتاب

وقد وجد إبن عبد الجليل صعوبة جمة  في تحديد منهج السرخسي وهو يناقش قضايا تنعدم فيها وحدة الموضوع، لكنه لم يُهمل التركيز على مصادر السرخسي في اشتغاله على الموسيقى، وكشف أثر الخليل بن أحمد الفراهيدي عليه، وهذا ما يظهر جليا في خاتمة مبحثه في المعجم الخاص  بالمصطلحات الموسيقية الواردة في النص.

بعد المباحث التي ركز فيها عبد العزيز إبن عبد الجليل على تتبع النظرية الموسيقية عند بعض الفلاسفة المسلمين اختار منهج المقارنة بين مصنفات الكتاب الذين قدموا مفاهيمهم، ورؤاهم لتركيب أطروحات جديدة حول الموسيقى، وهو ما تابعه في مؤلفات المغاربة والأندلسيين بحثا عن النظرية الموسيقية التي هي نبتة شرعية لهذا التفاعل، واختار أن يركز على الأرموي وما تركه من آثار على الباحثين والموسيقيين في المغرب والأندلس.

 

الأرموي رائد المدرسة المنهجية:

لجأ الباحث عبد العزيز إبن عبد الجليل إلى تقديم ونقد ما قدمه الباحثون المحدثون في تاريخ الموسيقى العربية حين وقف على التقسيم الزمني المتسلسل المتداول على الشكل الآتي:

-      المدرسة العربية القديمة

-      مدرسة شراح الفلسفة الإغريقية

-      المدرسة المنهجية

-      المدرسة الحديثة

وقد وقف على تقاليد موسيقى الأتراك في فنون الموسيقى العربية، ودخول السلم الخرساني عن طريق آلة الطنبور، وإضافة "أصبع وسطى الفرس إلى دساتين العود متوسطا بالتقريب دستان السبابة ودستان البنصر" وهذا كما يقول إبن عبد الجليل "ترك أصداءه في مباحث الأرموي ليشكل أحد المصادر التي اعتمدها في تجديد النظرية الموسيقية". ص 238

 

النظرية الموسيقية العربية بعد صفي الدين الأرموي:

يقول عبد العزيز إبن عبد الجليل عن أصداء الأرموي في مؤلفات التابعين له: "تعددت الكتب التي تتردد في ثناياها أصداء المباحث الموسيقية التي أوردها الأرموي في مؤلفاته سواء منها ما كتب بالعربية أو الفارسية". ص 258

ويستعرض الباحث أهم الشراح أو من انتفع بكتب الأرموي  وزاد في عدد الأدوار والأوزان، وقدم تعريفات مغايرة كتعريف لسان الدين بن الخطيب، وما قدمه عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي أحد شيوخ العلم بفاس في القرن الحادي عشر الهجري. "وقد تبنى دارسو إيقاعات الموسيقى الأندلسية التصنيف العربي القديم لأجناس الإيقاع متأثرين ـ مباشرة أو غير مباشرة ـ بأبحاث الكندي، والفارابي، وإبن سينا، وإبن زيله، والأرموي وآخرين".  ص 265

وفي حديثه عن النظرية الموسيقية بعد صفي الدين الأرموي يقوم إبن عبد الجليل بتحليل أرجوزة الإربلي وشرح وتحليل الأنغام والإيقاعات، وفي الأخير يفرد مبحثا خاصا عن النظرية الموسيقية العربية في القرن الثامن عشر، ويقدم قراءة في المصادر العربية، ويذكر إسهامات المغاربة في مجال تحقيق التراث الموسيقي المخطوط، ويبرز دور المستشرقين في دراسة الموسيقى العربية ونشر المخطوطات التي توجد في كبريات المكتبات في البلاد الأوروبية والأمريكية.

لقد اهتم المغاربة ـ كما يقول ـ منذ القديم بالنظر إلى الموسيقى والسماع، منهم من اهتم بالطبوع، والمقامات، والأبعاد، والأوزان، والتعريف بالآلات الموسيقية، ومنهم من اهتم بمناقشة إشكالية السماع وبيان مواقف الفقهاء والمتصوفة من ممارسته من حيث الإباحة والكراهة والحرمة. ص 390

ومن بين أهم مصادر النظرية الموسيقية في المغرب ذكر إبن عبد الجليل المصنفات الآتية:

-      كتاب الإمتاع والانتفاع في مسألة سماع السماع، لمؤلفه محمد بن الدراج السبتي، المتوفى سنة 693 هـ 1293 م.

-      كناش الحايك، دراسة وتنسيق وتصحيح الحاج إدريس بن جلون التويمي.

-      مجموع أزجال وتواشيح وأشعار الموسيقى الأندلسية المغربية المعروفة بالحايك، إعداد وتنسيق وترتيب  وتحقيق عبد اللطيف محمد بن منصور.

-      رسالة فتح الأنوار في بيان ما يعين على مدح النبي المختار.

وإذا كان الاهتمام بالنظرية الموسيقية العربية موضوعا يدور حول الموسيقى ـ فقط ـ فإن طبيعة البحث في أصولها، وتغيراتها، وتفاعلاتها مع مصادر أخرى، كثيرا ما يفضي إلى التطرق إلى مواضيع أخرى لا تعتبر جانبية، أو بلا فائدة، لأن السياقات التاريخية، والثقافية، والفلسفية، غالبا ما تُحتّم على الدارس أن يكون على اطلاع عميق بكل المكونات الحضارية العربية حسب المقال، وحسب المقام، وهو ما عمل الباحث عبد العزيز إبن عبد الجليل على تحقيقه، فهو مؤرخ، وموسيقي، وناقد، وموثق، ومحقق، ويكفي الرجوع إلى كل الدراسات التي أنجزها بمتعة الموسيقي الذواق لمعرفة الإضافات المعرفية حول موضوع لا يزال سؤالا قابلا للبحث، ومحتاجا لإعادة القراءة حتى تكتمل صورة التراث الموسيقي العربي.

وبما أن العودة إلى المصادر الكبرى من فهارس، ومعاجم، وكتب تاريخ، وفلسفة هو  اختيار أساس لتعميق البحث عن النظرية الموسيقية العربية، فهذا يُضمر في الكتاب قوة الاهتمام بلحظات ازدهار الفن والفكر والثقافة في العصور العربية، ويُفصح على أن هذه النظرية أصيلة ومرتبطة بالسياقات التي نشأت فيها، ولها تأثيراتها إلى الآن، وفي الأخير يريد الباحث أن يربط الماضي بالحاضر، دون أن يبعد الموسيقى عن العلوم العقلية، وعن تربية الذوق، وعن الدعوة إلى تكوين متلق عالم، وأديب، وفنان، وهو الطرح الذي أراد به تمتين العلاقة بين ما هو كلاسيكي وبين ما هو حديث في هذا المصنف.

 

المرجع:

إبن عبد الجليل، عبد العزيز. من مظاهر تطور النظرية الموسيقية العربية، سلسلة أبحاث  ـ وزارة الثقافة ـ المغرب، 2014.



[1]باحث وناقد فني من المغرب