خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الاغنية العراقية انثربولوجيا

. مقالات

 

صادق الطائي

إن تاريخ الغناء قديم قدم التاريخ الإنساني، ويكاد يتفق علماء الانثروبولوجيا اليوم على أن الغناء في عصرنا الحالي له جذور تربطه بالأداء الطقوسي في معابد الحضارت الإنسانية الأولى في التاريخ، حيث ارتبط الغناء بالطقوس الدينية وبما عرف بالرقص الديني في معابد مصر والعراق والهند.

كما يشير بعض دارسي الفلكلور والانثروبولوجيا الثقافية إلى أن الأغنية هي بطاقة الهوية بالنسبة للشخصية الوطنية، أو القومية في أي أمة من الأمم، إنها المرآة التي تنعكس فيها نفسية شعب من الشعوب، ومن الملامح المبثوثة في الأغنية تتشكل الملامح الطبيعية العامة لشخصية هذا الشعب أو ذاك،

وفي العراق الحديث في مطلع القرن التاسع عشر يشير الباحث د. حنا بطاطو في كتابه المهم عن العراق، إلى أن العراقيين لم يكونوا في تلك الفترة شعبا واحدا، أو جماعة سياسية واحدة، وهذا لا يعني الإشارة فقط إلى وجود العديد من الأقليات الإثنية والدينية والطائفية في العراق، وإنما العرب أنفسهم الذين يؤلفون أكثرية سكان العراق كانوا يتشكلون من جملة من المجتمعات المتمايزة والمختلفة في ما بينها، والمنغلقة على ذاتها، رغم تمتعهم بسمات مشتركة عديدة.

لذلك يمكننا أن نرى تنوعا كبيرا في الأغنية العراقية تبعا للمكان والمجتمع الذي وجدت فيه، وعلى هذا الأساس انقسم الغناء العراقي إلى ثلاثة أقسام رئيسة هي: غناء المدن وغناء الريف وغناء الصحراء، أو البادية، وبدوره كل قسم من هذه الأقسام ينقسم إلى تقسيمات فرعية، ولكل نوع من الأنواع الثلاثة سماته البنيوية التي تميزه عن الأنواع الأخرى، ولكن وفي الوقت نفسه هنالك مشتركات تجمع بين الأنواع الثلاثة.

غناء المدينة في بدايات القرن العشرين يمثل امتدادا لغناء القرن التاسع عشر، حيث وجود الأنتلجنسيا العثمانية، وما تشكله من سطوة النمط التركي العثماني على الذائقة وعلى الثقافة المدينية، التي تمثلت بأوضح صورها في ثلاث مدن كبيرة هي، بغداد وكركوك والموصل، والشكل الأهم والأبرز في غناء المدن الثلاث كان "المقام العراقي" وهو أداء تطريبي قائم على الصوت البشري، أي لا يستند إلا في حدود ضيقة على الآلة الموسيقية،  وكما يبين الباحث حسين قدوري؛ المقام العراقي، صيغة من صيغ الغناء لا تجد له مثيلاً في أي بلد عربي آخر. ومن هنا جاءت تسميته بـ "المقام العراقي". وللمقام العراقي أصول فنية ثابتة ومتوارثة عبر الأجيال جعلته يندرج ضمن ما نطلق عليه الغناء التقليدي، أي ذلك الغناء الذي نشأ ونما وتطور في المدينة.. إن كلمة المقام عرفت في العراق في أواخر القرن الثامن الهجري، حيث وردت في المخطوطات الموسيقية العربية ولم تظهر تلك الكلمة قبل ذلك على ما يبدو، ولا تتوفر المصادر التي تشير إلى خلاف ذلك. ولكن بعضها يشير إلى وجود خصائص في أساليب الغناء البغدادي الراهن انحدرت من الصيغ المقامية التي قد يعود تاريخ نشوئها إلى العصر العباسي.

ومن سمات الأغنية المدينية اعتمادها الشعر الكلاسيكي الفصيح في كلام الأغاني مع دخول محدود للهجة العامية، كما نلمس كَمّاً من المفردات التركية والفارسية التي تتداخل مع القصيدة العربية، لتشكل خلطة تمثل ثقافة النخبة في المدينة، كما أن مؤدي المقام عادة ما يكونون من الرجال، إذ لم تشارك النساء في هذا اللون من الغناء بسبب الوضع الاجتماعي للمرأة المستبعدة من الحياة العامة، فلم تكن المرأة المدينية تخرج للعمل إلا في حدود ضيقة جدا،  كما أن من سمات غناء المدينة انه كان مصهرا تتداخل فيه المكونات الإثنية والدينية، بخلاف النقاء العرقي والديني الذي يميز الغناء الريفي والبدوي،  ففي المدينة تجد كل الأعراق، من عرب وأتراك وكرد وفرس، يشتركون في غناء المقام العراقي، وقد يحدث بناء على ذلك سمات وإضافات بحسب أصل المغني وتركته الثقافية الاجتــــماعية، التي يحــــملها كفرد من مجموعة ثقافية، ومن ذلك يمكــــن أن نلاحظ اختلافات أنماط الأداء في كركوك أو الموصل عن بغداد،  كما أن الفرق يكون أكثر وضوحا في المدن الكردية، إذ يختلط هذا اللون من الغناء بثقافة آرية هي ثقافة المحيط، التي تمنح الأداء الموسيقي والغنائي الكردي بهجة وألوانا مفرحة، تتقارب أو تتشابه مع لون الغناء في دول آسيا الوسطى مثل تركيا، إيران، أذربيجان وتركمانستان… الخ.

كما أن مختلف الطوائف الدينية في المجتمع المديني كانت تشترك في الأداء الموسيقي والغنائي، ويمكن للمراقب أن يلحظ في الفترة الممتدة من منتصف القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين الوجود الكثيف والمؤثر للطائفة اليهودية العراقية في مجال الموسيقى، فقد كان اليهود يمثلون العازفين الأمهر أداءاً بين أقرانهم ويكادون يحتكرون مهنة عازفي الموسيقى في بدايات القرن العشرين.

إن التحول الأهم في غناء المدينة حدث إبان الانقلاب العثماني عام 1908 وما استتبعه من إطلاق الحريات والعمل بالدستور وتغير نمط الحياة العثمانية الراكدة، ليدخل المجتمع العراقي في حقبة الحداثة، ومن مظاهر هذه الحقبة انتشار أماكن اللهو العامة، ومنها المقاهي التي تقدم الجوق الموسيقي مع مطرب ثم تحول بعض هذه الأماكن إلى ملاه (نوادي ليلية بالمفهوم الحديث) ولخدمة هذه الأماكن فقد فتح الباب لانتقال مغنيات وراقصات من مصر وبلاد الشام إلى العراق، وكان القانون يشترط أن يكون من يمتهن مهنة الغناء والموسيقى والرقص من غير المسلمين، مما شكل ظاهرة سطوة الأقليات المسيحية واليهودية على عالم الأغنية المدينية حتى ثلاثينات القرن العشرين

.بينما كانت مدينة البصرة وهي المدينة الأكبر في جنوب العراق متفردة، أو لها خصوصيتها بسبب إطلالتها على البحر واتصالها كميناء بثقافات خارجية، كالثقافة الهندية أو ثقافة شرق إفريقيا، التي تترادف مع البضائع التي تحمل إلى الميناء، فنرى أن الغناء البصري له خصوصية أغاني البحر بإيقاعاتها الهندية والإفريقية، كذلك وضمن تنوع البصرة، يمكننا أن نلاحظ اختلافا بينا بين وجهتها البحرية وما أشرنا إليه ووجهتها الصحراوية من الجانب الأخر للمدينة وتأثرها، أو ارتباطها بالكلام واللحن البدوي. كما أن أنماط غناء شمال البصرة القريبة من أهوار الناصرية والعمارة مثلت حلقة ربط وسيطة بين غناء المدينة وغناء الريف
أما الريف وقد كان يشكل الجزء الأكبر من المجتمع العراقي فقد كانت له أغنياته الخاصة به وأنماط غنائه التي عرفت في ريف جنوب العراق بالأطوار، وسمتها الرئيسة الاعتماد على مقامات موسيقية محدودة يؤديها المطرب مع آلات موسيقية بسيطة، والكلام المغنى عادة ما يكون من الشعر المكتوب بالعامية العراقية،  وقد بقي هذا النمط من الغناء معزولا ومناطقيا حتى الأربعينيات، حيث اثر حدثان مهمان في شيوع غناء الريف وتعرف الناس عليه، الحدث الأول هو دخول شركات تسجيل الاسطوانات الأجنبية إلى سوق الغناء العراقي، واتفاقها مع ابرز مطربي الريف على تسجيل أغانيهم على اسطوانات تم تداولها في مجتمع المدن في المقاهي والبيوت، حيث شاع استعمال الجراموفون في هذه الحقبة.  والحدث الآخر هو افتتاح الإذاعة اللاسلكية العراقية ودخول مطربي الريف برامج محددة وقليلة في البداية، حتى اكتسبت شعبيتها لدى المتلقي العراقي فأصبحت جزءا أساسيا من برامج الإذاعة في ما بعد. وقد ارتبط شيوع الغناء الريفي بظاهرة الهجرة من أرياف الجنوب باتجاه المدن الكبرى كبغداد والبصرة وتداخل ثقافة الريف التي كانت تعد ثقافة مهمشة في صلب ثقافة المدينة وارتباطها معها في نسج هوية عراقية تربط ريف العراق بمدنه، وهذا ما حدث في التداخل الكبير الذي حصل بعد الستينيات نتيجة سيطرة موجة إيديولوجيا اليسار على المشهد الثقافي والفني في العراق.

أما الغناء البدوي فكان منتشرا في بوادي العراق الغربية والشمالية الغربية ويمثل امتدادا لنمط الغناء الصحراوي المجاور في صحراء الجزيرة العربية وبادية الشام، وهو نمط موسيقي بسيط بساطة الصحراء، يعتمد في الغالب على آلة موسيقية واحدة هي الربابة أو الطبل أو المزمار، والكلام المغنى هو نوع من شعر المحكية باللهجة البدوية المعروف بالقصيد، وبقي هذا اللون ماثلا بحاله بدون تداخل مع الأنماط الأخرى، رغم دخول أهم رموزه الإذاعة ومن ثم التلفزيون والتسجيلات الصوتية، ولم يشهد هذا النمط تداخلا مع غناء المدينة أو الريف إلا في فترات متأخرة في ثمانينيات القرن العشرين، ووظف هذا التداخل بشكل أساس في أغنية الحرب إبان الحرب العراقية الإيرانية.

المصدر : القدس العربي