خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الموسيقولوجية والعلوم الثقافية المعاصرة

. مقالات

إعداد محمد بو سلامة

تمتّع مفهوم الثقافة منذ أواخر عصر الأنوار باهتمام متزايد من قبل علماء التاريخ والحضارات الإنسانية، وأشكال تفاعلها وتأثيراتها المتبادلة سواء بالتقليد والاقتباس أو بالإدماج والابتكار لأشكال مستحدثة مواكبة للمخترعات والاكتشافات الإنسانية من عصر إلى آخر.

وقد ظهرت في سياق مفهوم تحديد الثقافة ودراسته العلمية عدّة مقاربات ذات طابع أنثروبولوجي، من بينها كما ذكر "كليفورد غيرتز":«من أقدم التعريفات وأشدّها رسوخا وثباتا كان التعريف الذي قدّمه "إدوارد بورنبت تايلور"[...] حيث عرّف الثقافة بأنّها تلك الوحدة الكليّة المعقّدة التي تشمل المعرفة والإيمان والفنّ والأخلاق والقانون والعادات بالإضافة إلى أيّ قدرات وعادات أخرى يكتسبها الإنسان بوصفه عضوا في المجتمع»[1].

وبالنظر إلى هذا التحديد الذي ساد طيلة القرن التاسع عشر جلّ الدراسات الباحثة في تاريخ المعرفة الإنسانية وأشكال تطوّرها عبر مختلف بقاع العالم، فقد اصطبغ بسمة تفضيلية تميل إلى نسبة المعرفة والأخلاق والفنّ وغيرها من السلوكيات الإنسانية المجرّدة والماديّة إلى تمايز عقلي وذهني بين منطقوجغرافية على سطح الكرة الأرضية ومنطقة أخرى. وقد نتج عن هذا الاتّجاه بروز مناهج متعدّدة ومختلفة وأحيانا متضاربة في دراسة التراث الإنساني بشقّيه المادّي واللاّمادي حتّى غدا ذاك التراث صنوا للثقافة، بحيث ظهرت تقسيمات عدّة لتراث بدائي وآخر ديني وثالث راق.

إلاّ أنّ المقاربة الأنثروبولوجية التي ركّزت على دراسة التراث الإنساني دراسة ميدانية ملموسة توصّلت إلى توزيع تاريخي وجغرافي لمفهوم الثقافة بحيث أصبحت مفاهيم الهويّة والغيريّة ألصق بالثقافة من مفاهيم التراث والحداثة كما جرى تداولها طيلة القرن التاسع عشر. وفي هذا الإطار يقول مترجم كتاب "تأويل الثقافات" محمّد بدوي:«ينظر إلى التراث تقليديّا على أنّه كلّ متكامل معقّد إلاّ أنّ البحث الأنثروبولوجي يجزئ الثقافة إلى وحدات وإلى ملامح جزئية بهدف تسهيل الدراسة... وقد يكون هذا الملمح شيئا ماديّا أو طريقة في العمل أو معتقدا أو موقفا اجتماعيا. إلاّ أنّ هذه الملامح تتّحد وتتفاعل فيما بينها ضمن الثقافة لتنتج كلاّ متكاملا. وقد تتّخذ المقاربة منهجا جغرافيا مناطقيّا حيث يجمع الباحث الأنثروبولوجي الثقافة أو الملامح الثقافية التي تنتمي إلى منطقة جغرافية معيّنة تحت سلّة واحدة»[2].

وإذ ظلّ ثالوث الحقّ والخير والجمال (الدّين والأخلاق والفنّ) مرتكز الدراسات الفلسفية الكلاسيكية، فقد تأثّرت الفلسفة الحديثة بداية عصر الأنوار ببعض آثار تلك الفلسفة الغيبية، إلاّ أنّها سرعان ما انتقلت إلى المرحلة الوضعية التي أسّست لفعل الإنسان وذكائه في تحديد وجوده. وانطلاقا من هذه المدرسة بدأت بوادر فلسفة العلوم ترسّخ مبادئ البحث الموضوعي في مكوّنات الإنسان وإنتاجاته.

وشهدت أواخر القرن التاسع عشر هيمنة العلوم الإنسانية لاسيّما منها علمي النّفس والاجتماع اللّذين تناولا الفنّ الإنساني بمنهجيات نقدية مخبرية، وانساقت الأنثروبولوجيا في هذا الاتّجاه لتختصّ شيئا فشيئا في دراسة الجانب الإبداعي الإنساني في إطار نظرية الفنّ مطلق الفنّ، حيث عرّفها مترجم كتاب "تأويل الثقافات" على النحو الآتي:«تدرس الأنثروبولوجيا نشأة الإنسان وتطوّره وتميّزه عن المجموعات الحيوانية وتقسّم الجماعات الإنسانية إلى سلالات وفق أسس بيولوجية وتدرس ثقافة الإنسان ونشاطه... وتشرح الأجناس والسلالات المختلفة من حيث خصائصها ومميّزاتها ونموّها الفكري وتطوّرها الفيزيائي والاجتماعي والتراثي بما في ذلك الميثولوجيا (الأساطير) والفلكلور (الفنّ الشعبي)»[3].

عند هذا التحديد وقع إشكال في مناهج دراسة الفنّ، فتضاربت المواقف وانقسمت إلى نوعين أحدهما ينظر إلى الفنّ على كونه علما تاريخيا بالمعنى الحديث، أي أنّه قابل لنتائج وحقائق ثابتة على غرار العلوم التجريبية، أمّا النوع الآخر فينظر إلى الفنّ على كونه نظاما فلسفيا متناسقا مترابط الشكل والمضمون، وإلى ذلك أشار "محمد عابد الجابري" قائلا:«ليس من الضروري أن يكون التاريخ علما لكي تكون هناك فلسفة للتاريخ، هناك فلسفة للفنّ دون أن يكون الفنّ علما. إنّ موضوع فلسفة الفنّ هو موضوع الفنّ مع الفارق التالي وهو أنّ نظرة الفلسفة إلى الفنّ نظرة فلسفية وعلى ضوء فلسفي»[4].

هكذا ومنذ أواسط القرن التاسع عشر أخذ التاريخ ككلّ ــ وتاريخ الفنّ تحديدا ــ بعدا تصاعديّا أو كما ذكر "هيقل":«إنّ التاريخ في نظره عبارة عن كلّ يتحرّك حركة تصاعديّة نامية والقوّة المحرّكة له هي الفكر؛ وهذا يعني أنّ العملية التاريخية تتألّف من أعمال الإنسان وأنّ إرادة الإنسان ليست سوى تفكيره الذي يبدو بصورة عمليّة فيما يعمل»[5].

وبهذه الفلسفة الهيقلية أخذت نظرية الفنّ أبعادا تأسيسية تجريدية وعلمية، وتواترت بعد ذلك النظريات المتعلّقة بكلّ فنّ على حدة في إطار نفس المدرسة الألمانية الجدلية، فانطلقت بالفنون التشكيلية  والموسيقية ذات التاريخ التليد والتي لا تزال إلى العصر الحديث تعرف تجاذبات تأمّلية فلسفيّة وأخرى علمية معرفية تتمحور جميعها بين قطبي الإلهام والعبقرية والانطباع والاكتساب.

 وفي إطار الدراسات المتعلّقة بالموسيقى اختلفت الرؤى وتعدّدت في اعتبارها ذات طابع تلقائي نابع عن صيرورة تاريخية مكبّلة بمعطيات خارجية عنها كطبيعة الفترة التاريخية وطقوسها ومعتقداتها وغيرها، أو ذات طابع نسقي منظّم مشابه إلى حدّ كبير للنظام التعبيري الكلامي الذي يفترض الاصطلاح والتقنين مسبقا على العمل والممارسة. وكان لهذه التجاذبات آثارها البالغة في ظهور الموسيقولوجيا في سياق المدرسة النقدية الألمانية، فهل لنا أن نتبيّن بعض ملامح هذا الميدان وعلاقته بنظرية الثقافة الحديثة؟

 

لمحة عن تطوّر الموسيقولوجيا

شغل فنّ الموسيقى الدراسات الكلاسيكية الشرقية والغربية طيلة ثمانية عشر قرنا وظلّ دليلا على التحضّر والتمدّن، وعلى بلوغ الإنسان الأوروبّي خاصّة درجات رفيعة من النّبوغ والذكاء. وفي مستهلّ القرن التاسع عشر كثرت الدراسات حول الموسيقى وعلاقتها بنفسية المبدع ومحيطه الاجتماعي، إلاّ أنّ تلك الدراسات كانت ذات طابع بلاغي تطغى عليها ذاتيّة الدارسين وميولاتهم وأذواقهم زيادة على تمييزهم العنصري بين موسيقات متقنة وأخرى شعبية غير منسّقة وغير منظّمة.

       وظلّت تلك الدراسات فترة طويلة تدور في فلك تصنيف الأجناس البشرية حسب موسيقاهم وتاريخها، واشتهر في هذه المرحلة الأولى ــ مرحلة نشأة العلوم الموسيقية ــ عدد من الباحثين لاسيّما في فرنسا وإنجلترا حيث ظهرت عدّة بحوث أكاديمية اتّجهت نحو الدراسة التاريخية للموسيقى الأوروبية مقسّمة إيّاها إلى مراحل وحقب تاريخية (الموسيقى القديمة، موسيقى الكنيسة، موسيقى العصور الوسطى، موسيقى عصر النهضة، الموسيقى الكلاسيكية).

وعلى النقيض من ذلك اتّجه الباحثون الألمان نحو دراسة موسيقى الشعوب مؤكّدين على عالمية الظاهرة الموسيقية وعدم اقتصارها على جنس بشري دون غيره، ومن أعلام هذا الاتّجاه "فرانسوا جوزيف فيتيس"[6]، الذي أطلق تسمية "الموسيقولوجيا المقارنة" (Musicologie comparée) على ميدان بحوثه وبحوث ثلّة من الدارسين المختصّين في بيان خصائص الشعوب وتحديد مستوى تنظيمهم الاجتماعي والاقتصادي والفكري وانعكاسه على التعبير الموسيقي لديهم.

وعلى الرغم من المجهودات الكبيرة التي بذلتها المدرسة الألمانية في تحديد موضوع علم الموسيقولوجيا ومنهجه إلاّ أنّها اقتصرت على زاوية نظر ضيّقة في دراسة الظواهر الموسيقية لدى مختلف الشعوب إذ اعتمدت على البحث المقارن بين الآلات الموسيقية ودلالات تلك المقارنة على المستوى التقني والمعرفي والتنظيمي للأنماط الموسيقية المستخدمة لدى كل شعب على حدة.

وهذا التمشّي الاستقرائي للمأثورات الماديّة الملموسة من الآلات الموسيقية فتح المجال أمام عدد آخر من الباحثين لترسيخ هذا العلم المستحدث أواخر القرن التاسع عشر، والذي أخذ ينفصل تدريجيا عن علم الموسيقى التاريخي التقليدي حيث كانت المرحلة الثانية من تأسيس الموسيقولوجيا خاصّة على يد الباحث الألماني "قيدو أدلار" (Guido Adler) الذي اهتمّ على وجه الخصوص بموضوع هذا العلم، فحاول تحديد مختلف مضامينه المتعدّدة، كما صنّف تلك المضامين ضمن بابين هامّين متكاملين في تحديد الموسيقولوجيا: الباب الأوّل تنضوي تحته الدراسات العلمية التاريخية للموسيقى حسب مختلف الحقب والشعوب والإمبراطوريات والأقاليم والمدن والمدارس والفنّانين. وينقسم هذا الباب إلى متابعة تاريخ الآلات الموسيقية ونشأة القواعد الموسيقية النظرية وتعاقبها ودراسة التدوينات الموسيقية القديمة.

أمّا الباب الثاني فيشمل القوانين الأساسية المطبّقة على كلّ الفروع الموسيقية، وهو ينقسم بدوره إلى الموسيقولوجيا المقارنة وأشكال تدريس الموسيقى والاستطيقا (علم الجمال) وعلم النفس الموسيقي، وتعتمد جميعها منهج التحقيق العلمي أي إثباته كحقيقة ثمّ تفسيره وتبريره في ضوء ما يتوفّر من حقائق ثابتة في المستويات الثلاثة (المقارنة/ التدريس والاستطيقا وعلم النفس).

مثّلت هذه المرحلة خطوة هامّة في تنزيل الدراسات الفنيّة الموسيقية في إطار البحوث العلمية حيث وطّدت أهمّ خاصيات هذا البحث العلمي ألا وهي دقّة الملاحظة وإثبات التكرار والقدرة على الاختبار والتجربة العلمية. إلاّ أنّ ما انتقد في هذا التوجه اعتماده على تداخل العلوم والمعارف العامّة بالاختصاصات الدقيقة، إذ أضاف إلى الأقسام المذكورة سابقا علوما فرعية تساند البحث كالتاريخ عموما والبيبليوغرافيا وعلم التوثيق في الباب الأوّل، وكعلم الصوت والرياضيات والفيزيولوجيا والمنطق في الباب الثاني.

ولئن استقرّ هذا التوجه الموسيقولوجي طيلة نصف قرن تقريبا في أوروبّا عامّة، إلاّ أنّه سرعان ما شهد منافسة البحوث المجراة في العالم الجديد أمريكا حيث ظهرت مدرسة أنثروبولوجية ذات وجهة نظر مغايرة تماما للمدرسة الأوروبيّة، قال في شأنها "كليفورد غيرتز":«تكمن الأهميّة التاريخية لفرانز بواس "Franz BOAS" (1858-1942) في حقل الأنثروبولوجيا في أنّه كان من الأوائل الذين اعتنقوا عمليّا الفكرة القائلة بأنّ أفراد الأعراق البشرية المختلفة يمتلكون القدرة ذاتها على التطوّر الفكري والحضاري. وكان له أكبر الأثر في أنّ الأنثروبولوجيّين وغيرهم من علماء الاجتماع في أواسط القرن العشرين كانوا يرون أنّ الفروق بين الأعراق هي نتيجة أحداث تاريخية معيّنة وليست قدرا فيزيولوجيا محتوما»[7].

وأدّت هذه الوجهة الاجتماعية الأنثروبولوجية الجديدة إلى تناول التراث والثقافة من زاوية منهجية أكثر موضوعية، وهو ما تحقّق في مستوى البحث الموسيقولوجي بظهور مقاربة إثنوموسيقولوجية بحتة سندها أنّ لكلّ عرق بشري نمط تفكير وسلوكا فنّيا خاصّا به قد يتميّز بالحركية الدائرية حول نفسه أو بالحركة الانتشارية حول غيره. وفي هذا المستوى من النظر الإثنوموسيقولوجي تصبح الهويّة الفنية مركز البحث منطلقا ونتيجة، وقد اشتهر في هذا الاختصاص الباحث الأمريكي "جاك أونست" (Jack OUNST).

تزامنت هذه المرحلة مع تبنّي المدرسة الفرنسية لهذا العلم المستحدث والمبنيّ بصفة خاصّة على تصنيف الدراسات المتعلّقة بالموسيقى العالمية في الباب النظامي من الجدول الذي أسّسه "قيدو أدلار". وفي هذا الإطار ظهرت دراسات "جاك شايي" (Jack CHAILLY)[8]، وخاصّة في كتابه الشهير "مصنّف في الموسيقولوجيا" (Précis de musicologie)[9] الذي لم يبتعد كثيرا عن التصنيف التقليدي للمدرسة الألمانية غير أنّه سعى إلى تقصِّي المناهج التاريخية والنظامية في شكل متداخل بحيث يندرج المنهج التاريخي ضمن كلّ الأصناف الموسيقية الموزّعة بين موسيقات متقنة وأخرى غير متقنة، وكذلك الشأن بالنسبة للمنهج النظامي.

وممّا يعاب على هذا التوجّه الذي ساد النصف الأوّل من القرن العشرين في فرنسا خاصّة أنّه ينطلق من الموسيقى الكلاسيكية الغربية لتفهّم باقي الموسيقات في العالم وذلك في ظلّ المنهج النظامي. وتبدو إذن هذه الموسيقولوجيا الفرنسية للنصف الأوّل من القرن العشرين متأثّرة إلى حدّ كبير بالنظرية الثقافية التقليدية التي لا تدمج في إطارها إلاّ الموسيقى التي تعدّ راقية أو منظّمة تنظيما عقلانيا يتابع قواعد النظام الصوتي الطبيعي. كما تغلب على هذا الاتّجاه النزعة الإيديولوجية القومية التي تعتبر التراث مرادفا للثقافة مثلما ذكر ذلك "محمد عابد الجابري" في ما يتعلّق بالتراث العربي الحديث:«أصبح لفظ التراث يشير اليوم إلى ما هو مشترك بين العرب أي إلى التركة الفكرية والروحية التي تجمع بينهم لتجعل منهم جميعا خلفا لسلف... إنّ التراث أصبح بالنسبة للوعي العربي المعاصر عنوانا على حضور الماضي في الحاضر... ذلك هو المضمون، الحيفي النفوس الحاضر في الوعي، الذي يعطى للثقافة العربية الإسلامية عندما ينظر إليها بوصفها مقوّما من مقوّمات الذّات وعنصرا من عناصر وحدتها»[10].

عند هذا المستوى من المقاربة الموسيقولوجية الحديثة في فرنسا يطرح إشكال أكبر في المقارنة بين التراث والثقافة أو في جعل أحدهما مكوّنا للآخر، فالحداثة أصبحت مطلب الإنسان في كلّ أنحاء العالم وحداثة الفكر على وجه التحديد، فمن غير المعقول اعتبار الإيديولوجيات المختلفة منطلقا للفكر العلمي سيّما وأنّ الإيديولوجيات الحديثة انطلقت من فكر اجتماعي واقتصادي بالأساس، وأهملت في جلّها سلطة اللّغة السائدة ونظامها في ذلك الفكر.

لهذه الأسباب أخذت الأبعاد اللّغوية في مختلف المناطق الجغرافية تتسلّل تدريجيا إلى توجيه النظام الثقافي أو بالأحرى إلى تأويل الثقافة الإنسانية انطلاقا من نظامها اللّغوي. ومثّل هذا التوجّه حقبة جديدة هامّة في الدراسات الموسيقولوجية، إذ طرحت المقارنة بين النظام اللّساني والنظام الموسيقي. ولئن اختصّ "فرديناند دي سوسير"[11] منذ أواخر القرن التاسع عشر في إدراج اللّغة الإنسانية ضمن الاتّجاه الوظائفي رغم طبيعتها الوراثية، إلاّ أنّ إضافته الهامّة بجعل وظيفتها التمثيلية طاغية على الوظيفة التواصلية قلبت المعطيات في ما يتعلّق بالدراسات الموسيقولوجية ذات المقاربة اللّسانية.

وبعد هذه الفترة التي ظهرت فيها الألسنية العامّة مع "دي سوسير"، ظهر في المدرسة الفرنسية الباحث "جون جاك ناتيي"[12] الذي تبنّى المقاربة البنيوية الألسنية معتبرا الموسيقى نظاما تواصليا رمزيا مبنيّا على نفس القواعد الأساسية للثالوث الشهير لـ"دي سوسير"، ثالوث الدّال والمدلول والمرجع، فإذا كان للّغة الإنسانية دالّ لفظي مصطلح عليه لدى شعب أو أمّة معيّنة، فإنّ مدلوله قد يؤوّل تأويلا مختلفا من الناحية الذهنية بين فردين من نفس الشعب أو الأمّة أو العرق. وهنا يتدخّل العنصر الثالث وهو المرجع ليربط بين الدّال والمدلول. وعلى هذا القياس تصبح نظرية التواصل غير كافية للمقاربة الموسيقولوجية اللّغوية، ذلك أنّ الباثّ والمتلقّي، وهما طرفا عمليّة التواصل اللّغوي والموسيقي، لابدّ أن تجمع بينهما نفس المرجعية.

ولئن ظهرت عدّة دراسات موسيقولوجية ذات طابع لساني مشابه إلاّ أنّها ظلّت في مجملها تلحّ على الخصوصيات الفردية للمؤلّف الموسيقي وكأنّها تراجعت بعض الشيء إلى المقاربة الأسلوبية في اللّسانيات مثلما ذهب إلى ذلك "جون مولينو"[13]، بحيث سادت  في الدراسات الموسيقولوجية لمنتصف القرن العشرين وجهة نظر تواصلية بحتة ممّا حدا بالعديد من الموسيقولوجيّين في أوروبّا وأمريكا للبحث عن منهجية خاصّة بإمكانها الجمع بين كلّ المقاربات السابقة واللاّحقة، على أن تكون منهجيّة بحث علمي.

وهو ما تحقّق مع "جون جاك ناتيي" الذي اتّخذ من الوظيفة التمثيلية أو الرمزية للموسيقى في شتّى حقبها التاريخية وفي قواعدها النظامية كلاّ متداخلا أطلق عليه تسمية "الموسيقولوجيا الشاملة"، وقد جمع في هذا المنهج بين رؤيته العلمية البحتة التي تشمل الظاهرة الموسيقية في قواعدها القياسية الصناعية والصوتية المضبوطة وبين رؤية العلوم الإنسانية (علم النفس، علم الاجتماع، الأنثروبولوجيا) التي اتّخذت في السيميائيّات خاصّة المستويات الثلاثة المعروفة: المستوى الإنشائي، مستوى التلقّي، والمستوى الموضوعي (Neutre).

وبهذا الجمع أصبحت الموسيقولوجيا الحديثة شديدة التوسّع إذ باستطاعتها أن تتطرّق إلى كثير من المعارف والاختصاصات التي تعدّدت مناهجها العلمية، ولكنّها اتّحدت تحت منهج موحّد هو منهج البحث العلمي الذي ينطلق من حقائق ملموسة ويدرسها بكّل تفاصيلها إلى درجة معرفة بنائها وهيكليّتها العامّة، وبالتالي فقد أصبح المبدأ الأساس لهذا المنهج الموحّد الانطلاقَ من الإنسان ككائن حيّ فاعل وصانع لفكره وثقافته.

وفي الثلث الأخير من القرن العشرين أخذت الموسيقولوجيا الشاملة تغزو جلّ التصانيف والأبحاث والندوات في مختلف أنحاء العالم على الرغّم من طغيان المقاربة الأنثروبولوجية التي استطاعت أن توفّق إلى حدّ كبير في جمع أصناف الموسيقات العالمية تحت منهج أقرب ما يكون إلى الدقّة باستخدام مناهج التحليل الموسيقي التي تدرّجت أواخر القرن العشرين تحت لواء الدراسات السيميائية، فظهرت عدّة طرق تقنيّة للتحليل كـ"الطريقة الشنكيرية" التي تبحث عن المقطع الجزئي الذي يتأسّس عليه النصّ الموسيقي والذي يكون في العادة قاعدة البناء الموسيقي.

ومن بين الطرق الأخرى التي ساهمت بدورها في تحفيز المقاربة الأنثروبولوجية وتعميمها "الطريقة الشكليّة (Formelles) التي تستطيع أن تبرّر القوالب والأصناف من خلال التراكيب الموسيقية ودلالاتها على الثقافة الموسيقية وتراكماتها. وقد اشتهر في هذه المدرسة الأنثروبولوجية المتجدّدة أواخر القرن العشرين ثلّة من الباحثين الأوربيّين خاصّة أمثال "ألان ماريان" (   Alain MARIAN) و"جون لاكان" (Jean LAKIN).

وفي أواسط القرن العشرين وأواخره ظهرت عدّة مقاربات موسيقولوجية متعدّدة الاتّجاهات متنوّعة المنهجيّات، اتّخذت ممّا بعد الحداثة رؤية عامّة تعتبر فيها الثقافة الإنسانية فعلا محقّقا بالقوّة، وبالتالي فإنّ البحث في الميدان الثقافي يجب أن ينتقل إلى ما يشبه المسبقة لما سيؤول إليه الفكر الإنساني وذكاؤه. إنّ نظرية العلوم الثقافية المعاصرة تجاوزت كثيرا مسألة الأصالة والمعاصرة التي طالما سادت مفاهيم الثقافة الحداثيّة طوال قرن أو أكثر من الزمن، لقد أصبحت النظرية الثقافية المعاصرة التي تتنزّل في إطارها الموسيقولوجيا نظرية مناطقية جغرافية لا تلتزم المنطقة بمعناها التقليدي أي بحدودها الترابية والطبيعية وإنّما بانتشارية الذكاء الإنساني وتفاعله فيما بينه.

المراجع

الجابري، محمد عابد، التراث والحداثة، دراسات ومناقشات، ط. 3، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2006

الصقلي, مراد, الموسيقى التونسية و تحديات القرن الجديد, تونس، المجمع التونسي للعلوم و الاداب و الفنون بيت الحكمة، 2008.

غيرتز، كليفورد، تأويل الثقافات، ترجمة محمد بدوي، بيروت، المنظمّة العربية للترجمة، 2009.

 



[1]غيرتز، كليفورد، تأويل الثقافات، ترجمة محمد بدوي، بيروت، المنظمّة العربية للترجمة، 2009، ص. 8.

[2]غيرتز، كليفورد، المرجع السابق، ص. 19.

[3]غيرتز، كليفورد، المرجع السابق، ص. 20.

[4]الجابري، محمد عابد، التراث والحداثة، دراسات ومناقشات، ط. 3، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2006، ص. 96.

[5]المرجع السابق، ص. 98.

[6]فيتيس فرانسوا جوزيف: ولد سنة 1784 بـفرنسا وألّف عدّة دراسات حول النقد الموسيقي. 

[7]غيرتز، كليفورد، المرجع السابق، ص. 35.

[8]جاك شايي: من مواليد 1910 بـفرنسا اختصّ بـعلم الموسيقولوحيةومن مؤلّفاته الشهيرة

·         Petite histoire de la chanson populaire française. Paris : Presses Universitaires de France, 1942. 16°, 64 p.

·         Théorie de la Musique, avec Henri Challan, préf. de Claude Delvincourt. Paris : Alphonse Leduc, 1947. 4°, 95 p.

·         Histoire musicale du Moyen Âge. Paris : Presses Universitaires de France, 1950. 2e édition : 1969, 336 p.

·         Traité historique d’analyse harmonique. Paris : Alphonse Leduc, 1951, rééd. 1977.

·         L'Imbroglio des modes. Paris : Alphonse Leduc, [1960]. 4°, 92 p. Réédité en 1977.

·         40000 ans de musique. Paris : Plon, [1961], 326 p. Réédition à Paris : L'Harmattan, 2000, 328 p.

·         Les Passions de J.S. Bach. Paris : Presses universitaires de France, 1963. 4°, 455 p. 2eéd. : 1984.

·         Cours d'histoire de la musique, préparation aux professorats d'enseignement musical et aux instituts de musicologie... Paris : Alphonse Leduc, 1967. 8°. Nombreuses rééditions.

·         Éléments de philologie musicale. Paris : Alphonse Leduc, 1985.

·         Les notations musicales nouvelles. Paris: Alphonse Leduc, 1950.

·         La musique médiévale. Paris : Éditions du Coudrier, 1951

·         La musique grecque antique. Paris : Éditions Les Belles Lettres, 1979.

 

[9]CHAILLY, Jack, Précis de musicologie, Paris, Seuil, 1984, 496 p.

[10]الجابري،محمد عابد،المرجع السابق، ص. 98.

[11]فرديناند دي سوسير: (1857-1913) باحث مؤسّس للألسنية العامّة.

[12]جون جاك ناتيي: موسيقولوجي وسيمولوجي فرنسي، من مواليد سنة 1945.

[13]جون مولينو: سيمولوجي و انتربولوجيفرنسي من مؤلّفاته الشهيرة :

·         Musical Fact and the Semiology of Music, trans. J. A. Underwood, Music Analysis 9/2 (July 1990): 113-156.