خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

تعدد التصويت في الموسيقى العربية

. مقالات

فاطمة ظاهر الربيعي (ببعض التصرف هنا)

 

يعتبر البعض تعدد التصويت في الموسيقى العربية نقلة في التأليف الموسيقي العربي وتعبيراً عما يجول في عقل المبدع الموسيقي من صور جميلة يقدمها بشكل منوع ومستساغ.  وفي نظر هذا البعض يواكب تعدد التصويت في الموسيقى العربية التطور الموسيقي الحاصل في العالمين الغربي والشرقي.

 

ولفهم أهمية التصويت لا بد من استعراض الفرق بين ما يعرف بالتأليف الموسيقي وما اصطلح على تسميته بالتلحين.  فالأول إبداع في الأفكار الموسيقية محاط بالكثير من التشابك والتعمق في فكرة اللحن, وذلك من خلال التكثيف النغمي وإثرائه بأساليب التعدد الصوتي بحركتين عمودية (harmony) وأفقية (counterpoint).  ثم تأتي صياغة المؤلف الموسيقي لأفكاره في بناء فني متماسك يسهل تتبعه وتقبله وهذا ما يعرف لدى الموسيقيين الغربيين بالبناء أو الشكل (form).  أما التلحين في الموسيقى العربية فيعني تقيّد اللحن بكلمات الأغاني وتكون وظيفة الآلات المصاحبة إحاطة الكلمات بإطار زخرفي للحن.

 

إذاً التأليف الموسيقي أبداع فني متعدد العناصر (اللحن, الإيقاع, البناء, التوافق النغمي "harmony", التطابق الصوتي "counterpoint" )، وهو بهذا يختلف عن التلحين الذي يعتمد على عنصرين فقط هما : اللحن والإيقاع.

 

نبذة تاريخية عن ظهور تعدد التصويت في الموسيقى العربية

لمصر السبق في انتهاج موضوع تعدد التصويت في الموسيقى العربية, ففي فترة الثلاثينيات من القرن الماضي شعر الموسيقيون في مصر بحاجتهم القوية للتعبير عن ذواتهم من خلال رسم صور موسيقية جديدة تعبر عن واقع مجتمعهم وعراقة حضارتهم وثراء تراثهم الغني بالصور الإنسانية الحضارية الثقافية المنوعة, والتي قد لاتظهر في التلحين الموسيقي, وحجتهم في ذلك نشر هذه الحضارة وهذا التراث بين شعوب العالم الغربي بشكل يكون مقبولاً ومفهوماً.  وعليه، انطلقت حفنة من الموسيقيين الشباب ممن أتيح لهم الاتصال بالموسيقى الغربية ودراسة أساليبها وتعبيراتها بحثا عن تعبير موسيقي جديد وخارج الإطار التقليدي المتوارث , فدرس هؤلاء فنون التأليف الموسيقي الغربي وانطلقوا في كتابة مؤلفات موسيقية مصرية الطابع, كانت بمثابة الخطوات الأولى في طريق شائك وشاق لم يطرق من قبل.

 

وهكذا نرى يوسف جريس أول مؤلف موسيقي سمفوني مصري حين ألف قصيده السمفوني "مصر", وكذلك نرى أبو بكر خيرت ينطلق في تأليف موسيقى للبيانو ثم يتحول بعد ثورة 1952 بفنه وموسيقاه نحو الأعمال السمفونية الثورية فكتب "السمفونية الفلكلورية للاوركسترا" والتي ضمنها رقص الإسكندرية الشعبي، واستمر يسير على هذا النهج في أعماله اللاحقة.  وفي نفس الفترة الزمنية جاء حسن رشيد الذي وظف طاقاته الإبداعية الآلية والغنائية التي درسها في انكلترا في تأليف أوبرا مصرية الموضوع, تلحينا وغناء وكورالا وأوركسترا, فأختار من كلاسيكيات الشعر العربي "مصرع كليوباترا" للشاعر أحمد شوقي لكي تكون أوبراه, فلحن قسمها الأول واسماه "مصرع انطونيو" ولكنه قضى قبل أن يستمع لها أو تقدم على المسرح.

غرس الرعيل الأول بذرة التأليف الموسيقي في مصر،  بمعناه المتشابك والغزير بالتكثيف اللحني والبناء الموسيقي والتلوين الصوتي،وبهذا وجد هذا الفن الموسيقي مناخا جديداً سمح له بالنمو والانتشار.

وأثبتت الأجيال الجديدة من المؤلفين الموسيقيين المصريين الذين جاءوا  بعد جيل الرواد جدارة وتميزا في مصر والخارج فأبدعوا في هذا الفن الموسيقي ذي الأبعاد المركبة - اللحن والإيقاع واستخدام التوافق النغمي (harmony) القديم والحديث بنوعيه وفي الصياغة والبناء (form) والتطابقالنغمي (counterpoint) - حيث أصبح التأليف الموسيقي حاجة فنية ذوقية لعدد كبير من الأعمال السينمائية والتلفزيونية وتلك التي تمثلت بالموسيقى التصويرية والتي أصبح لا غنى عنها لنجاح النتاج السينمائي والتلفزيوني, فأخذ في الانتشار الواسع والتأثير البالغ على الجمهور العربي التواق إلى الأعمال الفنية العربية بنكهة شرقية ولكن بنسيج فسيفسائي يحمل في طياته الكثير من الجمال والزخارف والقدرة على التعبير.

وهذا ما حصل فعلا  فقد استساغ الجمهور هذا النوع من الموسيقى وأعجب به.