خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

ظاهرة الطرب في الموسيقى العربية

. مقالات

المهدي بن أحمد  (ببعض التصرف)

 

التطريب في الموسيقى

 

1-1- التطريب لغة

من طربَ يطربُ طربا ً, طرُب طرُوب أي الرجل منه وله... اهتزّ واضطرب من الفرح، الشخص للغناء ونحوه ارتاح ونشط. [1]

وجاء في معجم لسان العرب لابن منظور:

"الطرب هو الفرح و الحزن... وهو خفةٌ تعتري عند شدّة الفرح أو الحزن والهم ّ وقيل حلول الفرح وذهاب الحزن وطرب الواله أي: اختلّ عقله وجنّ, ويقال طرب فلان في غنائه تطريبا إذا رجعّ صوته وزّينه والتطريب في الصوت مدُّهُ وتحسينه وطرّب قراءته مدّد ورّجع وطرب الطائر في صوته."[2]

 

1-2- التطريب اصطلاحا

يعود مفهوم الطرب في واقع الأمر إلى عصر الجاهلية، وقد كان واضحا خاصة في مجال النّظم والشعر

وقد تحدث الباحث يوسف عيد في هذا الشأن قائلا: "فنجد الطرب واضحا في شعرهم وصداه يرن في أحاسيسهم."[3]

 

أما في الموسيقى فتتجلى ظاهرة الطرب في الارتجال والحرية في الغناء والاستعمال المطول لليالي والآهات والترنيمات.  وأما بالنسبة للعزف فجاءت في شكل ما يسمى بالتقسيم.

 

والطرب في حقيقة الأمر حالة من الانتشاء والتفاعل الحسي والوجداني يسعى لها المطرب والعازف.  فالمطرب على سبيل المثال يسعى باستخدامه المطول للآهات والليالي لإطراب نفسه قبل المتلقي وبالتالي ينعكس الطرب على نفسية السامع.

 

ولعل من ميزات الموسيقى العربية كونها مقامية حيث لكل مقام تأثيره في النفوس ويثير انفعالات خاصة في المتلقي.

 

ويذهب بعض دارسي ظاهرة الطرب في الموسيقى العربية إلى تقسيمه إلى نوعين: "الطرب الكيفي أي التسلية واللهو، والطرب الروحي بمعنى النشوة النفسية."[4]

 

فالطرب يجعل الإنسان يتأثر ويتفاعل ويرتاح في فكره وعقله، ويقول الباحث سعيد محمد اللحام في هذا السياق: "اللذة السلبية هنا تسمى عادة الطرب الذي إن نتج عن تأثير الموسيقى فإنه يبعث في الإنسان انفعالا قد يكون مهدئا لأعصاب المستمع, فينسى متاعبه اليومية, وقد يكون عنيفا يبعد الإنسان عن مشاكل الواقع ويبعد اهتمامه عن الأمور الجدية في حياته.  وهنا الكثير من الناس يعتقدون هذا الاعتقاد ويدينون بهذا المذهب في تحديد المهمة الأساسية للموسيقى ألا وهي المهمة الترفيهية فقط."[5]  والطرب بهذه الطريقة إنما هو التفاعل السطحي مع الموسيقى. 

 

وقد تعامل السابقون مع الطرب إن كان شعرا أو غناء على أنه المتعة واللذة التي يضفيها الشعر الجيد والغناء الجميل على النفس.

 

والطرب ظاهرة ملازمة للموسيقى والشعر لا تحصل إلا في الفنون التي تعتمد على الصوت، فالشاعر يطرب بإلقائه الجميل وبالتالي يخرج صوت محمل بالدلالات القادرة على التطريب؛ الدلالات القادرة على التطريب هي الصور الشعرية والمجاز والتشبيه والاستعارة وغيرها من أدوات النظم...

 

أما في الغناء فإذا ما حاولنا تفسير ظاهرة الطرب لوجدناها ترتبط ارتباطا شديدا بالقوالب المغناة والموشحات؛ وهذه القوالب الموسيقية تتحد فيها الكلمة باللحن فيطرب السامع للألحان التي تقوم على المقامات مثل الراست والبياتي والحجاز والهزام... وما تحتويه من معان وأحاسيس، فيتجاوب معها إما بالتصفيق أو بالكلام لإظهار الانبهار والتفاعل فيردد السامع "آه" حيناً و"الله" حيناً آخر.  ويتجاوز المطرب الأغنية ونصها بالارتجال واستعمال الليالي والآهات وإن صح القول هي طرب للمطرب.

 

1-3 - التطريب في الموسيقى الآلية الصرفة

لا يحصل الطرب إلا إذا وجدت ألحان تؤثر في السامع و تبعث فيه انفعالات قادرة على أن تضعه في حالة طرب.

 

ومع التأثر بالغرب وما شهدته الموسيقى الآلية من تثاقف مع الآخر كطرق العزف والتلحين والقوالب الموسيقية الآلية، أصبح الموسيقيون العرب يبدعون في القوالب الموسيقية الجديدة حتى بات السامع يطرب شيئا فشيئا لهذا النوع الجديد من التأليف الموسيقي، فتطورت تقنيات العزف وأساليبه وكذلك التلحين حتى أصبحت الآلات العربية تحظى برصيد آلي ضخم، وأصبحنا بالتالي نتحدث عن عروض منفردة يسعى فيها العازف إلى التطريب من خلال الأداء بطريقة تؤثر في السامع.

 

يظهر التطريب في المؤلفات الآلية التقليدية كالسماعي والبشرف والوصلة وغيرها في استعمال المؤلف لجمل تعودت عليها الأذن، تتكرر في مقامات طربية بالأساس كالبياتي والراست والسيكاه والحجاز...أما في المؤلفات الآلية العصرية ذات الطابع التعبيري الحر فيظهر التطريب في التجاء العازف إلى التقسيم والارتجال حيث يأخذ حريته في التمديد في اللحن وزخرفته.

 

والطرب حالة تصيب الإنسان فتؤثر في نفسه، فيتجاوب وينفعل.  وتختلف درجات الطرب من سامع إلى آخر :فالموسيقى التي نسمعها اليوم لا تقوم نسبيا على نفس مقومات الطرب قديما، هذا بالإضافة إلى أن درجة التذوق والتطريب تختلف من متلقٍّ لآخر وذلك حسب درجة الثقافة الموسيقية لهذا الأخير وخلفيته الثقافية والحضارية والفكرية.

 

كل هذه العوامل كفيلة بجعل ظاهرة الطرب معقدة التفسير والتحديد نظرا لارتباطها بجمالية الموسيقى، وبالإطارين الثقافي والزماني.

 

المصادر

[1]  المعجم العربي الأساسي:المنظَمة العربية للتربية و العلوم ،تأليف جماعة من كبار اللغويين بتكليف من (لاروس) Diffusion Larousse 1989ALESCO    .

 [2] ابن منظور ، (الإفريقي المصري)، معجم لسان العرب، الإمام العلامة أبو الفاضل جمال الدين محمد بن مكرم،المجلد الرابع، دار صادر للطباعة والنشر ، الطبعة الأولى، بيروت1997 ص،ب 10،ص.164. 

[3]  عيد يوسف، رحلة الطرب في أقطار العرب، الطبعة الأولى، دار الفكر اللبناني، بيروت، لبنان، 1993، ص.5.

[4] بن كريم، (أنيس)، رسالة ختم الدروس الجامعية للمرحلة الثالثة للتحصَل على شهادة ماجستير جماليات وعلوم وتقنيات الموسيقى، مدارس آلة العود في المشرق العربي بين التطريب والتعبير، المعهد العالي للموسيقى بسوسة 2004­2005،ص.37.

[5] اللحام ،محمد سعيد،التعبير بالموسيقى، السلسلة الموسيقية، منشورات دار مكتبة الحياة  مؤسَسة الخليل التجاريَة، الطَبعة الأولى، القاهرة، 1996،ص.41.

 

المصدر:  موقع النوادر الطربية (ولكن ببعض التصرف)