خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

علم الآلات الموسيقية

. مقالات

إعداد محمد بوسلامة

ينتمي علم الآلات الموسيقية إلى العلوم الموسيقية (musicology)، ويعود الفضل إلى الباحث "كورت زاكس" (Curt Sachs)الذي أطلق عليه تسمية "الأرغانولوجيا" (organology)بعد أن أصدر معجما للآلات الموسيقية في برلين سنة 1913. وقد اتّخذت هذه التسمية من اللّفظة اليونانية "أرغانون"(ὄργανον)واللاتينية "أرغانوم" (organum)التي تعني أداة أو آلة، والتي اتّخذت منها كذلك تسمية آلة الأرغن (organ).

وقد اعتبر "كورت زاكس" الأرغانولوجيا علما صحيحا لمتابعة الآلات الموسيقية والتعريف بها، ويتركز هذا العلم على جملة من المصادر والطرق العلمية المتجسّدة في علوم مساندة كالتاريخ وعلم الآثار والمصادر الإيقونية والمصادر الأدبية.

إنّ الطبيعة العلمية لهذا الفرع الحديث من فروع العلوم الموسيقية أو الموزيكولوجيا لا تتنافى مع ارتكازه على تلك المراجع فلطالما ظلّت دراسة الآلات الموسيقية في أوروبّا حكرا على آلات الموسيقى الكلاسيكية على اعتبارها أرقى ما توصّلت إليه الحضارة الغربية في الصناعة المتعلّقة بالآلات الموسيقية.  لكن علم الآلات الحديث والذي جدّدت مقوّماته منذ مطلع القرن العشرين تجاوز تلك النظرة المحدودة واعتبر أنّ الصناعة الحديثة لها تاريخ وماض لا يمكن التغافل عنه بل يتوجّب النظر إليه على اعتباره المصدر الأوّل للآلات الحديثة.

وهنا تكمن قيمة الدراسات الأثرية التي ما فتئت تستخرج من عديد المواقع الأثرية أشكالا مختلفة من الآلات المستعملة قديما في الاحتفالات الدينية والتعبديّة، وتؤكّد دراسة الموادّ التي صنعت منها تلك الآلات وكيفية استخدامها لإصدار الأصوات الموسيقية قدم تعرّف الإنسان الآلات الموسيقية وقدم استعماله لها بقطع النظر عن الغايات الفنيّة البحتة والتي تعدّ مرحلة متقدّمة من الحضارة.  ومن مكتسبات علم الآثار الهامّة، أنّ أقدم الآلات المكتشفة تعود إلى حضارات الشرق الأدنى والأقصى ومنها ما صنع من الطّين على غرار بعض الآلات الإيقاعية ومنها ما صنع من الخشب على غرار بعض الآلات الهوائية.

كما تتدعّم دراسة الآلات الموسيقية بالمصادر الإيقونية إذ تكشف الرسوم والمنحوتات المتعددة صورا لآلات تقليدية طالما استعملت في الحفلات التعبديّة الدينية في مرحلة ما قبل التاريخ، وتوفّر هذه الصور الأشكال الرئيسية للآلات ولكيفية استخدامها وهي معطيات من شأنها أن تعطي معلومات دقيقة عن جذور الآلة مهما كان صنفها، كما تعطي لمحة عن كيفية تطوّرها بالمقارنة بين الرسوم، وتبيّن مدى التغيّر الذي طرأ على الآلة الموسيقية سواء من حيث مادّة الصنع أو كذلك من حيث شكل استخدامها، أو الآلات الأخرى المصاحبة لها في الرسوم.

أمّا بالنسبة للمصادر الأدبية فتزخر المكتبة العالمية بعديد المصادر التي تذكر أسماء الآلات واستعمالاتها في مختلف الأزمان، ولئن وُجد في المكتبة الأوروبية بعامة واللاتينية بخاصّة العديد من المراجع الموضّحة لبعض التسميات ولأشكال الآلات ومعادن صنعها، فإنّ الدراسة المقارنة مع ما تذكره باقي المصادر الكتابية في مواقع عدّة من العالم من شأنها أن تفسّر كيفيّة توالد الآلات الموسيقية من بعضها البعض.  إنّ دراسة المصادر الأوروبية من روايات وقصائد دراسة متأنيّة ومتعمّقة من الناحية اللّغوية خاصّة من شأنها أن تميط اللثام عن مجموعة من الأسماء والأفعال المرتبطة بها، والتي من شأنها أن توضّح تصنيف الآلة الموسيقية وموقعها في المجموعة الآلاتية في عصر من العصور وفي أيّ موقع ما في العالم، وهذه جميعها معطيات قيّمة تدعم البحث العلمي في الآلات الموسيقية.

وتعدّ مسألة التصنيف في علم الآلات الموسيقية من أدقّ المسائل، فقد وقعت الدراسات الأوروبية التقليدية في العديد من الأخطاء بسبب اقتصارها على آلات الموسيقى الكلاسيكية التي اعتبرتها أرقى الآلات التي عرفتها الحضارة الإنسانية، لكن علم الآلات الحديث، وبفضل تعدّد مصادره واعتماده الدراسة المقارنة المتأنيّة، أثبت تصنيفا علميا يعتمد على أساسين هما مادّة الصنع وكيفية إصدار الآلة للصوت الموسيقي، فاقترح تصنيفا رباعيا لجميع الآلات الموسيقية:

·       الآلات الهوائية: وتندرج تحتها جميع الآلات القديمة والحديثة والتي يصدر فيها الصوت الموسيقي بواسطة نفخ الهواء في تجويفها.

·       الآلات الوترية: وهي آلات متعدّدة بدورها مرّت بعديد من المراحل، ونشأ بعضها عن البعض الآخر وعرف تغييرات عديدة أفضت إلى الابتعاد عن الجذور الأولى. وتعرف هذه الآلات بدقّة الصنع وتعقيده إذ تعتمد على التجانس بين مادّة الصنع الأساسية التي يعدّ منها الصندوق المصوّت وبين الأوتار التي توضع عليها.

·       الآلات الإيقاعية: وتنقسم إلى فصيلتين إحداهما مصوّتة بذاتها والأخرى مصوّتة بأداة، وقد أدرجت تحت هذين الصنفين عدة آلات موسيقية لم تكن تعدّ ضمن الآلات الموسيقية، والمنتشرة في كثير من المواقع في العالم.

وهنا يبدو الدور الهامّ الذي لعبه علم الآثار الموسيقي في الكشف عن الآلات الإيقاعية القديمة جدّا، والتي ارتبطت بسلوكيات تعبديّة واحتفالات دينية خاصّة ما دعّم علم الآلات الحديث وجعله يتوسّع لدراسة كلّ الآلات بقطع النظر عن استعمالاتها المتقنة أو الشعبية أو الفلكلورية.  وقد زادت المصادر الإيقونية والأدبية من تدقيق المعطيات المتعلّقة بتلك الآلات وساهمت بالتالي في الاعتراف بها وفي جعلها مستندا هامّا من مستندات البحث العلمي الدقيق.

 

المراجع

CHAILLET Jacques. Précis de musicologie,  Paris: Presses Universitaires de France – PUF, 1984.

SCHAEFFNER André. Les instruments de la musique du monde.

NATTIEZ  Jean-Jacques.  MUSIQUES:  Une encyclopédie pour le XXI e siècle, Vol. 2: Les savoirs musicaux,Paris: Cité de la Musique, 2004.