خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الذوق الموسيقي وجدلية الدلالة الرمزيّة والتقبّل

. مقالات

محمّد الدّريدي

أستاذ مساعد للتعليم العالي بالمعهد العالي للموسيقى – جامعة سوسة (تونس)

وباحث في العلوم الثقافية – اختصاص موسيقى وعلوم موسيقية

 

        تعتبر الموسيقى من أهم المباحث التي تناولتها الأنثروبولوجيا لدراسة الإنسان فردا والإنسان داخل التجمعات البشرية في مختلف الحقب التاريخية، إذ حدد الأنثروبولوجي "ألان ميريام" الوظائف البيولوجية والسيكولوجية والاجتماعية للموسيقى في التعبير الانفعالي والعقلي والاستمتاع الجمالي والترفيه والتواصل (أو التخاطب) والتمثيل الرمزي والاستجابة الجسدية وتأكيد الانصياع للمعايير الاجتماعية والمساهمة في استمرار الثقافة واستقرارها وتحقيق المصداقية للمؤسسات الاجتماعية والطقوس الدينية والمساهمة في تكامل المجتمع.

ولئن اعتبر محمود كامل أن الذوق والتذوق الموسيقيين هما من أهم مقومات فنون الموسيقى  المختزلة للوظائف البيولوجية والسيكولوجية سالفة الذكر، فإن دراسة التذوق الموسيقي لا تتم بمعزل عن دراسة التذوق الجمالي عامة، هذا التذوق الذي لا يمكن أن نعتبره بأي وجه من الوجوه سلوكا كاملا"comportement parfait". ذلك أنه لا توجد استجابة كاملة بجميع عناصر بنائها يمكن أن نطلق عليها تذوقا جماليا خالصا. وعلى الرغم من ذلك فهو أكثر المتغيرات السلوكية شيوعا في سلوك الإنسان أو استجاباته"exaucements"، إذ أن التذوق الجمالي أو التفضيل الجمالي  يمثل أحد المكونات الأساسية لهذه الاستجابة لأنه من الصعب أن نعثر على استجابة بشرية لا تتضمن تفضيلا جماليا على أي مستوى من مستويات الوعي والإرادة.  ومن هنا نلاحظ العلاقة القائمة بين الذوق والجمال، التي يمكن أن نتبينها أكثر عند تحديد مفهوم الجمال وتطوره عبر الزمن.

وعلى الرغم من أهمية البحث في مفهوم الذوق والتذوّق والبحث في العلاقة بينهما وبين المجال الموسيقي، فإننا نعتبر أن تطرّقنا لهذا المبحث من منطلق موسيقولوجي"musicologique" غير ذي جدوى إذا ما حصرنا بحثنا في تحديد المفاهيم العلمية وإبراز العلاقة التفاعلية بينها دون أن ندرس هذه المسألة الذوقية في بعدها الجمالي وفي ارتباطها بالموسيقى نغما وإبداعا وتقبلا بعيدا عن دائرة المباحث الألسنية في أبعادها الرمزية والدلالية. ذلك أننا اكتشفنا خلال استقراء أغلب الأبحاث العلمية الخاصة بهذا المجال مدى سطحية التعامل مع المعطى الذوقي الجمالي في أبعاده الحسيّة والتقبليّة وخاصة في أبعاده الإدراكيّة العقليّة.

ومن هذا المنطلق اخترنا أن يكون بحثنا هذا متكونا من ثلاثة وحدات رئيسيّة على النحو التالي:

- الوحدة الأولى: تبحث في العلاقة التلازمية بين مفهومي الذوق والتذوّق الموسيقيين ومدى ارتباطهما بالمسألة الجمالية في مختلف أطوارها؛

الوحدة الثانية: تبحث في مسألة الدلالات الرمزيّة الموسيقيّة ومدى تأثيرها في العملية التقبّليّة للمتلقي؛

- الوحدة الثالثة: تبحث في علاقة المتقبّل بالعمل الفني في الموسيقى من خلال الارتباط والتفاعل الإيجابي بين مختلف العناصر التي نراها أساسيّة وضرورية لاستكمال العملية التواصليّة والتي من دونها لا نستطيع الحديث عن المسألة الذوقية وهي العمل الفني والمنفّذ /أو المؤدّي والمتلقّي المستمع.

الذوق والتذوّق الموسيقيان والمسألة الجماليّة.

        مثلما ذكرنا آنفا فإننا لا يمكننا البحث في المسألة الذوقيّة بمعزل عن المسألة الجماليّة التي نعتبرها –حسب رأينا- أعمق وأشمل، على الرغم من التلازم والتكامل الموجود بينها والذي يمكن أن نتبينه خلال عمليّة تحديد المفاهيم الجماليّة والمفاهيم الذوقيّة.

I- مفهوم الجمال وتطوره:

لقد وقع تناول هذه المسألة منذ العصور الكلاسيكية القديمة في عهد الإغريق، حيث رأى السفسطائيون"les sophistiques" أنه لا يوجد جميل بطبعه بل يتوقف الأمر على الظروف وعلى أهواء الناس وعلى مستوى الثقافة والأخلاق. وقد ذهب الفيثاغوريون  "les pythagoriciens" إلى أن الجمال يقوم على النظام والتماثل"la symétrie" وعلى الانسجام بصفة عامة، وهو ما ذهب إليه ديمقريطس  Démocrite حين يرى في الجمال - الخاضع إلى الأخلاق - الأمر المتوازن والمعتدل وذلك في مقابل الإفراط والتفريط. أما الجمال عند أرسطوAristote  فهو مرتبط بالخير والنافع والمفيد. وأما الجميل عند أفلاطونPlaton  فهو مستقل عن الشيء الذي يبدو أنه جميل، ذلك أن الجميل هو صورة عقلية مثل صورة الحق أو الخير. كما يرى أفلاطون أيضا أن الشكل هو الذي يجعل العمل الفني جميلا وليس المضمون. والجميل عند القديس أوغسطين  Saint Augustin هو الملائم لذاته والمنسجم مع الأشياء الأخرى أي الذي يقوم على الوحدة في المختلفات، والتناسب العددي والانسجام بين الأشياء.

أما الجميل حسب القديس توما الأكويني  Saint Tomas d’Aquin الذي عاش خلال القرون الوسطى فهو ذلك الذي لدى رؤيته يُسر وأنه يسر لمحض كونه موضوعا للتأمل سواء عن طريق الحواس أو داخل الذهن ذاته.

وقد ظهر في القرن الثامن عشر مصطلح "علم الجمال" لأول مرة مع الفيلسوف ﭬـوتليب بومـﭭـارتنAlexander Gottlieb Baumgarten وذلك سنة 1750؛ وقد عرّفه على أنه نظرية الفنون العملية أو علم المعرفة الحسية. وفي نفس هذا الاتجاه عرّف إيمانويال كانط  Emmanuel Kant علم الجمال على أنه العلم المتعلق بالشروط الخاصة بالإدراك الحسي. واعتبر المفكرون فيما بعد هذا التعريف عامّا، ذلك أنه مع القرن العشرين أصبح هناك تدقيق في هذا المجال وذلك بالانصراف عن الاهتمام بالحاسّة إلى الاهتمام بالحساسيّة"la sensibilité" التي هي التجسيد الواضح للانفعال في الفن والتي يعرفها القاموس الأنـﭭـليزي الجديد على أنها الفلسفة أو نظرية التذوق أو إدراك الجميل في الطبيعة والفن. كما نجد على المستوى الاصطلاحي "علم الجمال" أو "الجماليات" مشتقة من المصطلح الإغريقي"aisthansthai" الذي يشير إلى فعل الإدراك"perception"، ومن هنا نلاحظ أن علم الجمال في معناه التقليدي يحيل إلى دراسة الجمال في الفن والطبيعة، أما في الاستعمال الحديث فهو يحيل إلى دراسة طبيعة التجربة الجمالية وأنماط التعبير الفني وسيكولوجية الفن التي تعني عملية الإبداع أو التذوق أو كليهما معا.

 II  - الذوق والتذوق:

1  - الذوق:

        جاء في لسان العرب في جذر [ذ. و. ق.]: "ذَاقَ الشيء يَذُوقُهُ ذَوْقًا وذَوَاقًا ومَذَاقًا، والمَذَاقُ طَعْمُ الشيء، ونقول ذُقْتُ فلانا وذُقْتُ ما عنده أي خَبِرْتُهُ (...) وأمرٌ مُسْتَذَاقٌ أي مُجَرَّبٌ مَعْلُومٌ، والتَذَّوُّقُ يكون فيما يُكره ويُحمد".

والذوق"le goût" مشتق من اللفظ اللاتيني"gurtus" الذي يعني الحاسة التي تدرك بها الطُعوم (ج. طَعْمٌ) من حلو ومالح ومر وحامض، وآلته الأعصاب الحسية المنبثة في اللسان، والذوق أيضا قوة إدراكية لها اختصاص بإدراك لطائف الكلام ومحاسنه الخفية، وقد يطلق على ميل النفس إلى بعض الأشياء كتذوق المطالعة والأحاديث الجميلة، ويرادفه حسن الإصغاء وشدة الانتباه وكثرة التعاطف. وقد يطلق الذوق أيضا على القوة المهيمنة للعلوم من حيث كمالها في الإدراك بحسب الفطرة، أو على حذق النفس في تقدير القيم الخلقية والفنية كقدرتها على إدراك المعاني الخفية في العلاقات الإنسانية، أو قدرتها على الحكم على الأعمال الفنية كالشعر والأدب والموسيقى بطريق الإحساس والتجربة الشخصية دون التقيد بقواعد معينة وتسمى القدرة على تذوق الفن طبعا. تقول: فلان مرهف الذوق أي رقيق الطبع. وقد يراد بالذوق الذوق السليم مطلقا وهو الحكم على الأشياء حكما صادقا ودقيقا. والذوق في الاصطلاحات الصوفية نور عرفاني يقذفه الحق [الله] بتجليه في قلوب أوليائه، يفرقون به بين الحق والباطل من غير أن ينقلوا ذلك من كتاب أو غيره.

يرى عبد الله أبو هيف أنّ "مفهوم الذوق الفنّي حديث متّصل بعمليّة اكتساب البعد المعرفي والجمالي للأعمال الفنيّة. (...) وإذا كان التعريف الأوّلي يفيد أنّ الذوق الفنيّ «هوّ قدرة الأشياء على التفاعل مع القيم الجماليّة في الأشياء وبخاصّة في الأعمال الفنيّة» وهو «نظام الإيثار لمجموعة محدّدة من القيم الجماليّة نتيجة لتفاعل الإنسان معها» فإنّ الارتقاء من مفهوم الذوق العام، و«مجموع تجارب الإنسان الذي يفسّر على ضوئها ما يحسّه أو يدركه من الأشياء» إلى مفهوم الذوق الفنيّ، هوّ أكثر تعقيدا أو اتصالا بشبكة المفاهيم المعرفيّة والجماليّة، يتطلّب تحديدات تتصل بالسياق النفسي والاجتماعي والبيئي والأناسي والثقافي والتربوي ـ الذوق الفنيّ، لأنّ هذه العمليّة مكتسبة بالدرجة الأولى وقابلة للتنمية بالدرجة والمران وتحضير الاستعدادات والقابليات، وترقية الميول والحاجات الذوقيّة".

 2  - التذوق:

        ظهر مصطلح التذوق في دلالته الفنية في أنـﭭـلترا في بداية القرن الثامن عشر وذلك بعد أن ذكر الكاتب الأنـﭭـليزي جوزيف أديسون  Joseph Addison أن معظم اللغات تستعمل هذه الاستعارة الخاصة من مجال الأطعمة والمشروبات وتحولها إلى مجال السلوك الفني من أجل التعبير عن ملكة العقل التي تقوم بتمييز كل الأخطاء الظاهرة وكل مظاهر الاكتمال الدقيقة في عمليات الكتابة، وقد عرّف أديسون هذه الملكة على أنها ملكة الروح التي تنتبه إلى مظاهر الجمال لدى أحد المؤلفين وتستجيب لها بالشعور بالسرور وتنتبه إلى علامات النقص لديه وتستجيب لها من خلال النفور. كما يشير إلى أن الذوق على الرغم من أنه فطري في جانب منه فإنه قابل أيضا للتثقيف والتهذيب من خلال القراءة والحوار والإطلاع على كتابات أفضل نقاد الماضي والحاضر.  والتذوق أو التفضيل الجمالي حدث إرادي أو لا إرادي يأتيه الإنسان في كل اختياراته وأيضا في إصداره الأحكام الجمالية.

الدلالات الرمزيّة الموسيقيّة وتأثيرها في التقبّل الذوقي

I- المعنى والدلالة الرمزيّة في المجال الموسيقي

 

1  - المعنى في الموسيقى

        يُعتبر الحسن بن أحمد بن علي الكاتب (القرن 6 هـ. / 12 م.) من الأوائل الذين درسوا مسألة المعنى في ارتباطه بالمجال الموسيقي، وذلك في الباب الثالث "معاني الألحان" من مؤلّفه "كتاب أدب كمال الغناء" إذ يقول في هذا الصدد:

"من الناس من يسمع لحنا قليل النغم والشدود سهل المتناول فيسترذله، ويسمع لحنا كثير النغم عسر المتناول فيستجيده، ويظنّ أنهما ألّفا قصدا لكثرة النغم وقلّتها. وقد تبقى عليه زيادة يجب أن يفطن لها ويبحث عنها، إذ كان في الألحان أشياء ظاهرة وأشياء غامضة. فالظاهرة مثل الشدّة واللين والثقل والخفّة والحلاوة والفجاجة والحرارة والبرودة والأشياء الغامضة تجرى في مضاعيف ذلك على وجوه. فمنها جودة التأليف وصحة القسمة وحسن الوضع، وهو المشاكلة بين الأشعار وبين الألحان، وهذا أصعب ما فيها. وأغمض من ذلك كلّه معرفة معاني الألحان، فإن كثيرا من الألحان لا معنى لها، ومنها ما له معنى بمنزلة البيت من الشعر، [فمعنى اللحن هو غرض الملحّن فيه الذي يقصده]".

2  - الدلالة الرمزيّة في المجال الموسيقي

        تحيلنا مصطلحات الدلالة والرمزيّة مباشرة على علم الألسنيّة"linguistique"، ويرجع ذلك بالأساس إلى أن أوّل المباحث التي اهتمّت بدراسة الرمزيّة والدلالة في علاقة الدال بالمدلول هي الدراسات الألسنيّة، فكان بذلك علم السيميولوجيا"sémiologie / séméiologie" الذي يدرس الدلالات والرمزيات اللغويّة شكلا وبنيةً وتطوّرا في ضوء الحياة الاجتماعيّة، والسيميولوجيا - حسب ما تشير إليه المعاجم المختصّة- هو مرادف السيميوطيقا"sémiotique" العلم الذي يدرس النظريّة العامّة للدلالات والرموز وكل الأنظمة الدلاليّة والرمزيّة، أما الدلالة"indication" فهي الإحالة على التوضيح دون إبهام أو غموض، وفي الممارسة الفكريّة هي إيجاد المعنى والصور التفسيريّة التقريبيّة لأمر ما، وهذا يحيلنا إلى أهم القضايا الدلالية التي تناولها علماء الألسنية وهي مسألة الدال والمدلول والعلاقة بينهما، فكانت القضية في بداية طرحها في الدرس اللغوي تقتصر على اللفظ والمعنى، وباتساع مجال علم الدلالة، أضحت المسألة تتعلق بالدال والمدلول سواء كان الدال لفظاً أو غير ذلك، واللغة في الأخير ما هي إلا علاقات تربط دالا بمدلوله ضمن شبكة مُحكمة التنظيم، ذلك أن الدّال لا يحمل دلالته في ذاته إنما منبع الدلالة هي تلك التقابلات الثنائية التي تتم على مستوى الرصيد اللغوي، وقد خصص دي سوسير  حيزاً واسعاً لدراسة مسألة الدال والمدلول، وأطلق مصطلح الدليل اللساني على وجهي العملية الدلالية (الدال والمدلول)، "[فالدال هو القيمة الصوتية أو الصورة السمعيّة"acoustique"، أما المدلول فهو المحتوى الذهني أو الفكري لدى المتلقي]." وينسحب التحليل السيميولوجي على المجال الموسيقي، فنحلّل بذلك الدلالات الرمزيّة والمعاني التي يمكن قراءتها في الخطاب الموسيقي بشكل عام، كما يمكن تحليل المكوّنات الموسيقيّة والبحث في دلالاتها وأبعادها الرمزيّة ومعانيها، والخطاب الموسيقي في شكله المتكامل يحيلنا على دلالات وأبعاد رمزيّة تتصّف بالعموميّة وأخرى تتصّف بالذاتيّة:

أ – العموميّة: تتحدد صفة العموميّة من الدلالات والأبعاد الرمزيّة والمعاني التي يمكن استنباطها من الخطاب الموسيقي، ذلك أنّ اللغة الموسيقيّة لا رباط مباشر بينها وبين موضوعاتها كما أنها لا تستمد عناصرها من مظاهر الطبيعة بل تقوم بإبداعها في مجالها الخاص. لذلك لم يكن بإمكان الموسيقى أن تقوم بالوصف المباشر لأي موضوع من الموضوعات، لأنها تصوّر الانفعالات والمشاعر العامّة. وحتى لو سميت القطع الموسيقيّة بأسماء زعم مؤلفوها أنها تتحدّث عن مواضيعها، فلا شيء بإمكانه أن يثبت ارتباط هذه القطع بهذه المواضيع. أما الموسيقى فتأثيرها في إثارة المشاعر العامة مباشر، فالموسيقى الحزينة أو المثيرة للحزن لا تعبّر عن حزن شخص معيّن، فلا يمكننا أن نقول أنّ هذه القطعة تتحدّث عن حزن فلان بسبب الموضوع الفلاني في اللحظة الفلانيّة، إنما تثير فينا شعورا عاما بالحزن.

ب- الذاتيّة: تتحدد صفة الذاتيّة في الخطاب الموسيقي من خلال الدلالات الرمزيّة للبعد الزماني التي تتميّز به، حيث تمتد في الزمان لأن أداءها يتم عبر تعاقب زماني لأنغامها وألحانها، لذلك علينا أن نستمع إليه طيلة زمن يطول أو يقصر كي نحس بجماليته، أما ما نسمعه بالأذن فهو مرتبط بالزمن وبالتالي يعتمد على إدراكنا الداخلي، فلا وجود مادي بحت له، وهو بالتالي يعتمد على الذات التي تتلقاها اعتمادا كليا، وتبعث فينا شعورا بأنها صادرة عن أعماقنا الباطنة، لذا كانت الموسيقى أقرب الفنون إلى أعماق النفس الإنسانيّة. ونظرا إلى أهميّة هذه الصفات المميّزة للموسيقى وما نستشفّه منها من دلالات وأبعاد رمزيّة، اعتبر جملةٌ من الفلاسفة والمفكرين الموسيقى عنصرا هاما لفهم الكون بأكمله.

II- الدلالات الرمزيّة للمكوّنات الموسيقيّة

        تتكوّن الموسيقى عادة من ثلاثة عناصر أساسيّة: الإيقاع واللحن والتوافق الصوتي، ولكل عنصر من بين هذه العناصر جملة من المعاني والدلالات والأبعاد الرمزيّة نذكر منها:

1  - الدلالات الرمزيّة للإيقاع

        نظرا إلى أنّ الإيقاع هو الوجه الخاص بحركة الموسيقى وتعاقبها خلال الزمن، وهو المتميّز بالنظام، فهو يحيلنا على الصلة الشديدة بين الإيقاع الموسيقي وبين حركة الجسم وحركة الطبيعة، فمن حركات الجسم هناك ما هي حركات إيقاعيّة سريعة كالشهيق والزفير ونبضات القلب وارتجافات العصب وغيرها، وهناك حركات أخرى متأنيّة وبطيئة أحيانا كتعاقب النوم والاستيقاظ وتعاقب الجوع والشبع وتعاقب الريّ والعطش، أما في الطبيعة فهناك إيقاعات عديدة منها الإيقاعات الرباعيّة كتواتر فصول السنة ومنها ما هو ثنائي كتناوب الليل والنهار. ولما كان الإيقاع الموسيقي متشابها أو متناظرا مع حركات تحدث داخل الجسم البشري وفي الطبيعة الخارجيّة، فهذا قد يكون عنصرا مساعدا في تكوين ما يسمى الحاسة الإيقاعيّة لدى الإنسان، والدليل على ذلك استجابة الطفل للموسيقى، وكذا استجابة البدائي لها، لأن استجابتنا إيقاعيّة وتظهر في التمايل أو الرقص مع إيقاع النغم.

2- الدلالات الرمزيّة لـلـّحن

        نظرا إلى أنّ اللحن هو تتابع مجموعة من الأصوات بعضها مرتفع (تزداد سرعة ذبذباته) وبعضها منخفض (يزداد بطء ذبذباته)، ونظرا إلى أن الموسيقى تقوم على انتظام ذبذبات الأصوات والنغمات المكوّنة لمختلف السلالم والأنظمة الموسيقيّة، والأذن تقف في مراكز معيّنة بين هذا الكمّ الهائل من الذبذبات، فإن كلّ ذلك يدلّ على أنّ الأذن إذا اعتادت على سلّم معيّن أو نظام موسيقيّ معيّن تستغرب سماع آخر، وهذا يعني أنّ الأذن والإدراك السمعي الداخلي للإنسان يحتاجان إلى فترة كي يعتادا على سماعه وبالتالي تذوّقه.

 3- الدلالات الرمزيّة للتوافق الصوتي

        يختلف الاهتمام بالدلالات الرمزيّة للتوافق الصوتي باختلاف الاهتمام بالتوافق الصوتي ذاته من نظام موسيقي إلى آخر، إذ تقوم الموسيقى الغربيّة "العالمةsavante" على التعدد الصوتي المدروس وعلى قواعد هارمونيّة"harmoniques" وكونتربوانطيّة"contrepointiques" دقيقة جدا، وتقوم الموسيقى العربيّة إجمالا على نظام متعدّد الأصوات يعتمد على الهيتيروفونيا"hétérophonie" بكل خصائصها الفنيّة والجماليّة، وتقوم الموسيقى "البدائيّة" عموما على البوليفونيا"polyphonie" الفطريّة. إنّ أساس التوافق الصوتي هو الانسجام بين المجموعات النغميّة من صوتين فما فوق، مع الاعتبار بالعلاقات بين هذه المجموعات، وتنظيم طرق الانتقال بين مجموعة وأخرى، كي يتم بطريقة طبيعيّة، لا تجعل المستمع يحسّ بالانقطاع بل بالتواصل، كما تنهي المقطوعة مع إعطاء المستمع هذا توقعا بالنهاية قبل حصولها، ثمّ إحساسا بالانتهاء عند نهاية القطعة الموسيقيّة، مع إثارة الإحساس بالراحة والكفاية.

 

 

 

علاقة المتقبّل بالعمل الفني في الموسيقى:

 I  - ثنائيّة الباث والمتلقي والخصوصيّة الموسيقيّة

1  - الباث: "émetteur": هو من يُرسل عن طريق موجات هرتيزيّة أو غير هرتيزيّة علامات سمعيّة أو علامات بصريّة.

2  - المتلقي: "récepteur": هو من يستقبل علامات سمعيّة أو بصريّة أو إدراكيّة متأتيّة عن طريق موجات هرتيزيّة أو غيرها.

3  - الخصوصيّة الموسيقيّة في مجال التواصل الفني: ينتقل العمل الفني في مختلف الفنون كالرسم أو النحت أو الشعر من الفنان المبدع إلى الإنسان المتلقي بطريقة مباشرة ولا وساطة بينهما، بينما في المجال الموسيقي تكون العلاقة بينهما علاقة غير مباشرة، إذ يقوم في وسطها بين المؤلّف والمستمع منفّذ العمل، سواء كان عازفا موسيقيا أو مغنيا.

II - العمل الفني الموسيقي

        للحفاظ على مختلف الأعمال الموسيقيّة، يسعى المؤلّف الموسيقي إلى تدوينه عن طريق الكتابة الموسيقيّة المعروفة بالنوطة أو التوليفة"partition" الموسيقيّة، فيقع تبعا لذلك إعادة تنفيذ العمل الموسيقي لحنا كان أو مغناةً لمرات كثيرة بأحاسيس منفّذي العمل ومهاراتهم، إلا أنّ التطوّر التكنولوجي في مجال التقاط الصوت وتقنيات التسجيل الحديثة واستعمال البرمجيات الإعلاميّة المتخصّصة جعل من الممكن إعادة تنفيذ نفس العمل الموسيقي بنفس الطريقة وبنفس المهارات التقنية لمرات كثيرة دون الحاجة إلى إشراف صاحب العمل على التنفيذ الموسيقي.

III - المنفّذ و/أو المؤدي

        يبدأ دور منفّذ العمل الموسيقي مباشرة بعد وضع الألحان من قبل المؤلّف، فهو الذي سيخرج العمل الموسيقي من عالمه المكتوب على التوليفة الموسيقيّة إلى عالمه الصوتي المسموع، وهناك من الموسيقيين من يرون أنّه يجب على منفّذ العمل الموسيقي أن يتحلّى بالدقّة والأمانة خلال عملية التنفيذ، وهنا يكون دوره سلبيا، بينما هناك من الموسيقيين (خاصّة العرب منهم) من يرى ضرورة الإضافات التي يقدّمها منفّذ العمل الموسيقي والمتأتّية أساسا من إحساسه الشخصي وذوقه الموسيقي المتميّز بالخبرة والتدريب إذ أنّ النص الموسيقي يدخل إلى أعماق نفس المؤدي ثمّ يعود إلينا صوتا، عزفا، حركة، ولكن بعد أن يحمل معه جزءاً من نفس العازف أو المؤدي وروحه، فإذا لم يكن ثمة تأثير متبادل بينهما، فإنّ العزف أو الأداء يدخل خواء، ويعود منه فارغ اليدين، فيصير اللحن مسطحا لا أعماق له.

IV   - المتلقي المستمع

        المتلقي المستمع هو الذي يستقبل بحاسة سمعه وإدراكه الباطني جملة الأنغام الحاملة للمعاني والأحاسيس التي أرادها المُؤَلّف الموسيقي ودوّنها على الورق وجعلها المؤدي أو المنفّذ أصواتا وألحانا ذات دلالة ومعنى، والمتلقي المستمع غير المتلقي الذي يسمع الموسيقى بطريقة سلبيّة، ذلك أنّ الاستماع فن وذوق وخبرة وتدريب طويل، يعطي القدرة على التمييز والفهم، وللتدريب على السماع مراحل عديدة، ففي المراحل الأولى لا يكون باستطاعة المرء أن يستوعب أكثر من الموسيقى الخفيفة ذات الإيقاع الواضح المحبب، فإذا توقف عند هذه المراحل فإننا نراه يستمع ويتحدّث في مواضيع أخرى دون تركيز على ما يُسمع، وفي المراحل التالية يكتسب المزيد من الخبرة، فيصير بإمكان المستمع أن يتذوّق مقطوعات أعمق ولكن دون أن يكون بإمكانه استيعابها بكاملها أو إدراك تعقيداتها النغميّة، ولكن المستمع المُجدّ والراغب يحاول أن يعطي لبعض الأنغام أوصافا شعريّة تعبّر عن نوعيّة إحساسه بها، محاولا بذلك التغلّب على الصعوبات التي متى تجاوزها صار بإمكانه التمتّع بكل أصناف العزف والتأليف والأداء مهما اختلفت. وأخيرا ينتقل إلى مرحلة التذوّق الفني الكامل للموسيقى ويصير بإمكانه اختراق النغمة المنفردة والتركيبات المتتالية، ليصل إلى الموضوعات الرئيسيّة للنص الموسيقي، ويتعرّف ما بها من تنويعات واستطرادات، ولا يبقى عند المسطح اللحني للعمل الموسيقي. ويدرك أيضا الأبعاد الخفيّة لهذا العمل والوحدة القابعة خلف هذا السيل المعقّد من الأصوات. وهنا يكون قد وصل إلى مرحلة الاستمتاع الكامل بالعمل الموسيقى والتركيز الكامل فيه، والخبرة والاعتياد على السماع يجعلان هذا التركيز والانتباه الزائد أمر غير صعب على المستمع مع الاحتفاظ بقدرته على التلذّذ بجماليّة النغم.

خـلاصـة:

        سعينا من خلال هذا البحث المقتضب إلى دراسة مسألة الذوق الموسيقي دراسة علميّة موضوعيّة، وسعينا أيضا إلى تناول المسألة الذوقية من مختلف الجوانب ذات الصلة كالجانب الجمالي والجانب الدلالي الرمزي المرتبط أساسا بالعملية الإدراكية العقلية في محاولة منّا إلى إعطاء هذه المسألة بُعدا علميّا ومتنفّسا معرفيّا في مُقابل ما كان يُعرف به من ضبابيّة معرفيّة على مستوى المفاهيم والتناول والطرح الذي يغيب فيه الجانب العلمي والعقلاني ليحلّ مكانه الجانب العاطفي والذي نراه مبنيا على الارتجال والسقوط في "فخّ العموميّات".

 

ببليوغرافيا:

- ابن منظور (أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم)، لسان العرب، المجلد الخامس، دار صادر، بيروت – لبنان، 2005، 15 جزء.

- أبو هيف (عبد الله)، اسهام المبدع العربي في تربية الذوق الفني لدى الناشئة، في: المجلّة العربيّة للثقافة، عدد 18، المنظمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم، تونس، مارس 1990.

 - الشيخ (عبد السلام)، الشخصية والتذوق الجمالي للمرئيات، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، دون تاريخ، 63 ص.

- الكاتب (الحسن بن أحمد بن علي)، كتاب أدب كمال الغناء، تحقيق: غطاس عبد الملك خشبة، مراجعة: محمود أحمد الحفني، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، القاهرة – مصر، 1975، 145 ص.

- صليبا (جميل)، المعجم الفلسفي، الشركة العالمية للكتاب، ج. 1، بيروت – لبنان، 1982، جزأين.

- عبد الحميد (شاكر): التفضيل الجمالي: دراسة في سيكولوجية التذوق الفني، سلسلة عالم المعرفة – المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، مارس 2001، 481 ص.

- كامل (محمود)، تذوق الموسيقى العربية، اللجنة الموسيقية العليا، سلسلة الكتب الثقافية، محمد الأمين للنشر، القاهرة، 1975، 131 ص.

- ميد (هنتر)، الفلسفة: أنواعها ومشكلاتها، ترجمة: فؤاد زكرياء، ط. 7، الأنجلو، القاهرة، 1986، 229 ص.

-  AUZOU (Philippe), Dictionnaire encyclopédique, Partenaire Livres, France, Juin 2003, 1687 p.

 - Frye (N.), The harper handbook to literature, Harper & Raw publishers, New York, 1985, 482 p