خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

دافعيّة العزف على الكمنجة وأثرها الإبداعي لدى الفنّان رضا القلعي

. مقالات

إعداد محمد بوسلامة

 

تمثّلآلة الكمنجة إحدى الآلات الوترية التي عرفت ذيوعا كبيرا في الأوساط الموسيقية العالمية والعربية في القرن العشرين، وقد استطاعت بفضل جرسها المميّز أن تنتزع موقع الصدارة من الآلة الرمزية الأولى في الفرقة الموسيقية العربية آلة العود، فأصبحت مجازا للتلحين لدى ثلّة من المبدعين نذكر من بينهم في تونس الفنّان الملحّن "رضا القلعي" (1931-2000).

لقد لعبت مرحلة الطفولة دورا أساسيّا في تكوين شخصيّة هذا الفنّان، وبالفعل وبالنظر إلى المحيط الذي نشأ فيه أبدى "رضا القلعي" منذ سنواته الخمس الأولى ميلا جارفا للتغنّي وللموسيقى ذلك أنّ والده "علاّلة القلعي" كان من هوّاة الموسيقى ومن مجيدي العزف على آلتي الرّباب والكمنجة، بل إنّه كان من أعلام الدّارسين لها على يد الشيخ "علي الدرويش الحلبي" بالخلدونية ثمّ بالرشيدية. نشأ إذن "رضا القلعي" في عائلة فنيّة، وقد أولى والده عناية بأبنائه في هذا المجال فعلّمهم جميعا مبادئ الموسيقى، وقد كان رضا رابع إخوة عازفين للآلات الموسيقية: محمود عازف ناي، عبد الستّار كنترباص وأحمد عازف عود.

وإذ لمح الوالد الميل الفطري لدى ابنه رضا للموسيقى، فقد شجّعه على تعلّم المبادئ الأولى للموسيقى فكان خير مدرّب له منذ نعومة أظافره، كما وضعه على ذمّة صانع الآلات وعازف العديد منها "عبد العزيز الجميّل" ليعلّمه أسرار صناعة الآلات الموسيقية. فما كان من هذا الأخير إلاّ أن حفّزه بدوره لتعلّم العزف على آلة العود بادئ الأمر ثمّ على الكمنجة باعتبار ميله لها ورغبته في تعلّمها وتذوّقه لجرسها الخاصّ لاسيّما وأنّ "عبد العزيز الجميّل" كان من روّاد عازفيها بالطريقة الشرقية.

ولا يخفى الدور الهامّ الذي لعبه هذا الشيخ الموسيقي في استقطاب أشهر العازفين والمطربين المصريّين والسوريّين خلال الثلاثينات في دكّانه وخلوته المعروفة ببطحاء رمضان باي بالمدينة العتيقة. وقد مثّلت تلك الخلوة لرضا القلعي فرصة للاستماع للعديد منهم والتأثّر بهم وفرصة كذلك لتعلّم المقامات الشرقية والطبوع التونسية الأصيلة.

هكذا كان أهمّ عامل مؤثّر في شخصيّة رضا القلعي وأوّلها نشأته في وسط فنّي هذّب سماعه وجعل منه فتى ميّالا للتلقّي الموسيقي السائد في أوائل الثلاثينات في تونس. وقد تدعّم هذا الميل بسماع العديد من التسجيلات للعازفين المشارقة، وقد كان عبد العزيز الجميّل من المولعين باقتناء اسطوانات لتسجيلاتهم في عديد القوالب الارتجاليّة خاصّة كالتقاسيم والسماعيات.

غير أنّ هذا العامل لم يكن الوحيد إذ انضاف إليه عامل ثان مهمّ ألا وهو رغبة رضا القلعي في شحذ موهبته وميله الفطري بالممارسة، فقد كان خلال سنوات طفولته وإلى حدود سنّ التاسعة عشر من عمره يلبّي رغبات والده في الأداء لساعات طويلة على آلة الكمنجة. وكان هذا الأخير يشجّعه باستمرار باصطحابه إلى قاعات السينما لمشاهدة الأشرطة السينمائية الغنائية المصريّة، ومن خلال هذه الأشرطة اطّلع رضا القلعي على أهمّ الإبداعات الموسيقية العربية لمحمد عبد الوهاب ولأمّ كلثوم، وازدادت عنايته بآلته المفضّلة آلة الكمنجة، فاتّجه لتعلّم منهجها الغربي سنة 1945على يد مدرّس إيطالي هو "رفائيلّو سترينو" وهو من مشاهير عازفي الكمنجة ومدرّسيها الذين استقرّوا بتونس خلال الحرب العالمية الثانية. وقد كان لهذا التعلّم كبير الفضل على توجّهه الفنّي لاحقا حيث أصبح رضا القلعي من زعماء التيّار التجديدي في الموسيقى التونسية، وهو التيّار الدّاعي إلى تغيير النمط التقليدي وتحديدا طريقة تقديمه آنيّا عبر مجموعات موسيقية معاصرة تتضمّن الآلات الغربية.

لقد أبدى رضا القلعي منذ وقوفه لأوّل مرّة على خشبة المسرح حبّا للتميّز والتفرّد حيث أدّى عزفا منفردا على آلة الكمنجة منذ بلوغه سنّ السادسة عشر من عمره (حوالي سنة 1947)، وقد لفت بهذا الانفراد انتباه الجمهور إلى مقدرته الفائقة على التعبير بالآلة إلى درجة جعلته ينخرط في الوسط المحترف منذ تلك السنّ عاملا جنبا إلى جنب مع أساطين العزف في تونس آنذاك على غرار "محمد التريكي" و"خميّس الترنان" بفرقة الرشيدية، وعلى غرار "علي السريتي" و"الهادي الجويني" في فرقة "فتحيّة خيري" أكبر الفرق وأشهرها في تونس في ما بعد الحرب العالمية الأولى.

وبالفعل فقد فاق ولع رضا القلعي بالكمنجة كلّ حدّ إلى درجة أنّه انسلخ عن فرقة "فتحيّة خيري" التي منعته من أن يقدّم عزفه الفردي في فصول أغانيها إذ شعرت بأنّه بدأ يسحب منها نجوميّتها. وبهذا الاندفاع والإصرار على فرص العرض الآلي انتقل رضا القلعي سنة 1948إلى تكوين فرقة خاصّة به هي فرقة "المنار" التي أسّسها صحبة ثلّة من عازفي الآلات الغربية: البشير جوهر عازف الترومبات والهادي الصنهاجي عازف التشلّو، وأحمد القلعي عازف العود ومحمود الفلعي عازف الناي.

وفي ختام هذه السنة قدّمت الفرقة باكورة أعمالها في عرض فنّي نال الاستحسان بقصر الجمعيّات الفرنسية -دار الثقافة ابن رشيق حاليا- وقد شارك في هذا الحفل عدد من المطربين قدّموا أعمالا من تلحين رضا القلعي بدت فيها جميعا بصمة التجديد، نذكر من هذه الأعمال أغنيتين للهادي المقراني "ما عندي غيرك في الدنيا" و"يا ما أحلى الفنّ" وأغنية لوردة الجزائرية "ظلموني حبايبي". كما غنّت ثلّة أخرى من المطربين أغانيها الخاصّة بمصاحبة فرقة المنار على غرار "علي الرياحي" و"صليحة" و"راؤول جورنو".

ومنذ ذلك العرض الأوّل للفرقة عرف رضا القلعي نجاحا منقطع النظير وأصبح عازف الكمنجة الأوّل بالبلاد. وقد عرفت فرقته خلال الخمسينات ذيوعا كبيرا بفضل المجهود الكبير الذي أبداه في إنتاج الأغاني ذات الطابع المميّز وذات التوجّه الواضح في التجديد، وبفضل إضافة عناصر جديدة للفرقة على غرار "محمد سعادة" عازف الناي  و"عبد المجيد الخميري" و"عبد المجيد الحركاتي" و"العروسي البلّيري" عازفي الكمنجة.

وقد استطاع رضا القلعي بهذا التوسّع أن يدمج آلة الكمنجة في الفرقة الموسيقية التونسية وأن يعطيها موقع الصدارة في إنجاز الجرس الموسيقي الخاصّ بالطابع الجديد من الأغاني المؤدّاة. كما وفّر لنفسه مساحة لأداء المقاطع المنفردة وخاصّة بعض التقاسيم والارتجالات في الطبوع التونسية وفي المقامات الشرقية ممّا بوّأ آلة الكمنجة منزلة خاصّة في الفرق العصرية التونسية، ما فتئت منذ إنشاء فرقة الإذاعة الأولى تحتلّ مكانة بارزة ضمن جلّ الفرق الناشئة منذ الاستقلال.

وفي متابعة إجمالية لإشكالية الدافعيّة لدى رضا القلعي نستطيع أن نتبيّن ثلاثة عناصر هامّة أنشأت دافعيّته للتعلّم على الكمنجة كما أنشأت ذيوع هذه الآلة وانتشارها لدى عدد من العازفين الشبّان. مثّل العامل الذاتي وهو الميل الفطري والاستساغة التلقائية لسماع الموسيقى الطربيّة العامل الأساسي والمبدئي لتكوينه العصامي، في حين مثّل العامل الثاني وهو التكوين الأكاديمي واتّباع توجيهات المدرّبين المعلّمين سواء مباشرة عن طريق أستاذه الإيطالي أو بطريقة غير مباشرة عبر الاستماع والتقليد للعازفين المشارقة وخاصّة لـ"سامي الشوّا"،عاملا ثانيا مهمّا دفع رضا القلعي للإصرار على مزيد إتقان العزف والتفتّح على مختلف مناهجه وأساليبه بطريقة تلقائية وبكلّ عزم على المماثلة والتجاوز.

وهذا ما تمثّل في العامل الثالث والأهمّ في رأينا وهو تفتّح قريحة الفنّان وإصداره لعديد الأعمال النابعة من إبداعه وإنتاجه الخاصّ، وهو ما تجلّى في المرحلة الثالثة والأخيرة من مراحل دافعيّته وهي مرحلة الإنتاج الخاصّ الذي تميّز بالغزارة وبطابع التجديد مقارنة بالمسار الموسيقي السائد في عصره بالبلاد التونسية. وهو ما خوّل رضا القلعي اقتلاع مرتبة النجومية في الموسيقى التونسية الحديثة.

·       محمد بوذينة,الموسوعة الموسيقية,م. بوذينة,1991,517ص.

·       محمد بوذينة, رواد الشعر الغنائي في تونس 1934 _1964 , م. بوذينة ,1987 ,232 ص.

·       محمد بوذينة, تونس في القرن العشرين, م. بوذينة, 2002, 411  ص.

·         بوذينة، محمد، الملحّنون التونسيون، تونس-الحمّامات، منشورات محمد بوذينة، أكتوبر 1998.

·         صالح المهدي، ومحمد المرزوقي، المعهد الرشيدي للموسيقى التونسية، تونس، الشركة التونسية لفنون الرسم، 1981، 153 ص.

·         نشرية حول إنتاج قدّور الصرارفي صدرت بمناسبة الاحتفال بذكرى وفاته، تونس، اللّجنة الثقافية القومية، وزارة الشؤون الثقافية، 1986، 101 ص.