خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

المديح الشعبي في موريتانيا - بين البعد الفلكلوري والعمق الديني

. مقالات

تشهد الساحة الثقافية الموريتانية تأطيرا جديدا لأنماط غنائية قديمة لم تحظ سابقا باهتمام كبير، ويعود ذلك حسب البعض إلى مسار التسويق الذي يطال الآن مجالات كثيرة من الفنون الشعبية، كانت سابقا وقفاً على أوساط اجتماعية مهمشة.

في عدة ولايات داخلية عرفت الساحة الموريتانية خلال السنوات الثلاث الماضية ميلاد مهرجانات وبرامج خاصة بـ "المديح النبوي الشعبي".  ورغم طابعها الربحي فإنها تسعى إلى الخروج بالمديح الشعبي من إطاره الفلكلوري التقليدي الضيق إلى دائرة الضوء وإضفاء بعد فني عليه من خلال إتاحة الفرصة للمداحين الشعبيين للظهور في صورة المحترفين الفنيين، إضافة إلى ما يعكسونه من بعد فلكلوري وعمق ديني.

يزداد اهتمام بعض الباحثين الآن بالمديح النبوي الشعبي ويعملون على الغوص في تاريخه وإبراز خصائصه كما يقارنونه بغيره من الفنون الشعبية والغنائية الأخرى، خصوصا وان المديح النبوي الشعبي يكاد يتوقف وجوده على فئة اجتماعية يطلق عليها "الحَراطِين".

محمد الامين ولد إبراهيم باحث في التراث الفلكلوري، أنجز دراسة حول المديح الشعبي في موريتانيا ويوضح في حديثه لدوتشه فله الألمانية (DW)قائلا: " رغم صعوبة تحديد تاريخ بدايات ظهور المديح الشعبي في المنطقة فإنني أعتقد أنه يرتبط بشعوب غير عربية استوطنت الفضاء الجغرافي الذي يشمل اليوم موريتانيا ومالي، وذلك بالنظر إلى وجود كلمات في بعض النصوص المديحية مثل كلمة (أسكي eski)التي تعود إلى فترة حكم الأساكية، أمراء إمبراطورية  السونغاي التي حكمت في غاوة ما بين القرن الحادي عشر والسادس عشر للميلاد"

 

الرغبة في الحرية

في يومنا هذا يعتبر هذا النمط من المديح في موريتانيا نتاجا ثقافيا لطبقة "الحراطين"، وهؤلاء يمارسون المديح بشكل يختلف عن الموسيقى التقليدية التي تمارسها فئة الفنانين التقليديين المعروفين محليا بـ "إيكَاون".  ويشير الباحث ولد ابراهيم في هذا السياق إلى التنافر التاريخي بين طبقة رجال الدين في الزوايا التي تلقى فيها (الحراطون) أوزان وكلمات المديح النبوي وبين طبقة الفنانين التي مارست الموسيقى من خلال أساليب مختلفة.  ويرى بأن المديح النبوي الشعبي لدى الحراطين ينطلق في الغالب من رافدين رئيسيين: أولهما الثقافة العربية الإسلامية التي تتجلى في المضمون الديني الذي يتغنى بأمجاد النبي الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم) وبأعماله وخلقه أو بذكر مناقب صحابته ، حيث يتم ذلك في سياق زمني محدد وهو مساء الجمعة أو ليلة المولد النبوي.  أما الرافد الثاني فيتجلى في الثقافة الزنجية وفي تأثيرها من خلال الطابع الشعبي الفلكلوري وما تعكسه الحالة النفسية للمادح من تفاعل حركي خلال الأداء.

ويشرح ولد ابراهيم التفاعل الحركي للمداحين الشعبيين بالرغبة في التعبير عن الحرية والانعتاق، حيث تنظم السهرات المديحية عادة بعد الانتهاء من الأعمال اليومية التي يقوم بها العبيد السابقون لخدمة أسيادهم، وبالتالى فهم يجدون في السهرات المديحية لذة الاستمتاع بأوقات الحرية بعد يوم من العمل الشاق.

 

خصوصية طبقية

بغض النظر عن البعد الديني الذي يوحد كل طبقات المجتمع الموريتاني فإن المديح النبوي الشعبي يعكس نوعا من الخصوصية الطبقية داخل هذا المجتمع الذي عرف عبر تاريخه تقسيما وظيفيا، لا زال قائما حتى الآن.  ويعتقد محمد الامين ولد ابراهيم أن "المديح الشعبي" يؤدى من طرف العبيد السابقين، حيث تلقوا ذلك شفهيا من طرف الطبقة العالمة التي كانت تحتكر الدين، وكانت وسيلة فعالة لتعريف العبيد بالسيرة النبوية ومبادئ العقيدة الاسلامية.  لذلك يطالب بوضع هذا الفن الروحي في إطاره الصحيح واعتباره جزءا من تاريخ شعب، عوض اعتباره من خصوصية طائفة معينة.  كما يحث على ضرورة تدوينه بفروقه اللفظية وآلاته الموسيقية حتى يبقى مميزا، لان الهنات العروضية والاختلالات اللغوية المصاحبة له هي التي تعبر عن الخصائص الاجتماعية والتاريخية للطبقة التي تمارسه.

 

بين الخصوصية التاريخية والمستقبل

دعوات الحفاظ على المديح بخصائصه اللفظية المختلة ومحاولة حصره في فئة معينة تلقى رفضا قويا من لدن بعض المهتمين بهذا الفن، فهؤلاء يعتبرونه جزءا من الفلكلور العام للمجتمع الموريتاني من حيث الإيقاع والمقامات وإن كان هناك اختلاف في بعده الديني والتاريخي.

ويقول الأديب والناقد الفني الدده محمد الامين السالك "إن الاختلالات اللفظية والأخطاء اللغوية التي تميّز المديح النبوي الشعبي ليست هي الأصل وإنما جاءت نتيجة لتاريخ طويل من التصحيف على مستوى اللفظ والمعنى، بل وحتى على مستوى التاريخ والعقيدة، وبالتالي فإن نصوصه المختلة أشبه بنصوص شعر مختل.  ولا يلزم غض الطرف عنها تحت ذريعة الحفاظ على الخصوصية"

ونفى الدده محمد الامين السالك أن يكون المديح الشعبي مقتصرا على فئة الحراطين مؤكدا أن "جميع الفئات الشعبية تشترك في مدح النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وحبه وتمجيده، والمديح الشعبي جزء من ثقافة مجتمع (البيضان).   وإذا كان ثمة ما يميز التراث الفني لفئة الحراطين فهو اللون الموسيقى المعروف بـ "بنجه  benjé"،وهو نمط فني يضم إيقاعا غير منطوق يسمى (همبه  hembé)وهذا لم يعد موجودا اليوم.

ويضيف السالك بأن المديح الشعبي الموجود اليوم يتقاطع مع الموسيقى التقليدية في نفس البحور، غير أن الفرق يكمن في الآلات المستخدمة، كما أن بعض النصوص المستخدمة في المديح الشعبي مجهولة المصدر وتختلط معها الملاحم الدينية الإسلامية.

وكغيره من المهتمين بالتراث الفلكلوري يطالب الدده محمد الامين السالك بمتابعة التجارب الإنتاجية التي طورت المديح النبوي في قالب فني وجماهيري، معتبرا أن ذلك كفيل باستقطاب الأجيال القادمة، حيث إنه فن قابل للتطور والاستمرار.

الاهتمام الإعلامي المتزايد بفن المديح الشعبي في موريتانيا وما بات يثيره من اهتمام لدى الباحثين الأكاديميين ساهم في تغيير صورة المادح الشعبي الذي يعاني كثيرا من الأمية والفقر المدقع، ويعبر أغلب المداحين عن أملهم في أن يساهم هذا التطور في تحسين وضعهم المادي، كما يصرح المادح أحمد ولد سليمان.

 

الذاكرة الشعبية

وفي حديثه لدوتشه فله يقول ولد سليمان "رغم أننى أمارس المديح الشعبي منذ أربعين سنة فإنني لم اعتبره مصدرا للدخل، فأنا أعيش منذ سنوات من موردي كحمال في ميناء نواكشوط، ولم تكن المسابقات والمهرجانات التي تقام هنا وهناك للمديح الشعبي مصدر دخل دائم، غير أنها أعطتنا دفعا معنويا وقيمة اعتبارية داخل المجتمع، كما أتاحت لنا فرصة تصحيح أخطائنا، ورغم كثرة عددنا فإننا لا ننخرط في تنظيمات أو رابطات، كما أننا لا نحصل على دعم من أي جهة حكومية".

وحول تعامله مع النصوص المديحية وضبطها يضيف قائلا: "كنت حريصا منذ الصغر على حضور مجالس المديح وأعتمد على ذاكرتي في حفظ كل نص أسمعه، وقد مكنني ذلك من حفظ مئات النصوص رغم أنني لم أتعلم القراءة والكتابة"

 

المصدر: دوتشه فله الألمانية