خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

توفيق بوغدير: صحفي وناقد موسيقي تونسي

. مقالات

عائشة القلالي[1]

 

وُلد أحمد توفيق بوغدير في 18نوفمبر 1916[2]. زاول تعليمه في الكُتَّاب ثم في المدرسة الابتدائية بنهج سيدي بن عروس في العاصمة التونسية، ثم في المعهد الصادقي، انتقل بعد ذلك إلى المدرسة الثانوية الإيطالية بنهج الدباغين، التي طُرد منها بعد فترة وجيزة.[3]

تعرّف بوغدير على المسرحي محمد الحبيب أثناء دراسته بمدرسة نهج سيدي بن عروس، التي كان يدرّس بها الحبيب آنذاك. ومن هنا كانت انطلاقته نحو المسرح تمثيلا وتأليفا. حيث ألف بوغدير العديد من المسرحيات التي اتسمت بطابعها النقدي والتي طرح فيها قضايا اجتماعية من واقع المجتمع التونسي، الذي كان يعاني ويلات الاستعمار الفرنسي. ومن بين مسرحيات بوغدير: "ضحايا الهروين" و"الوطني المخدوع" و"الراهب بحيرة" وغيرها. كما أتقن بوغدير فن الكاريكاتور والخط العربي والقصة والشعر بالعامية والفصحى. وقام بعدد من المداخلات الأدبية في مجالات الشعر والقصص والمسرح والموسيقى. ونشر عددا من مداخلاته في الصحف التونسية الجامعة والهزلية.

كانت بداية بوغدير مع الصحافة في ثلاثينيات القرن العشرين، بعد أن تعرّف على الصحفي زين العابدين السنوسي سنة 1936الذي طلب إليه كتابة عنوان جريدته "تونس" بالخط العربي، لينطلق بعد ذلك في مسيرته الصحفية التي تعامل فيها مع عدد هام من الصحف المحلية والعربية، من بينها: "تونس"، "إفريقيا الفتاة"، "الحياة"، "النهضة"، "الفرزوز"، ولكنه التحق بجريدة "العمل" التي اشتغل فيها كصحفي ثقافي وأشرف على صفحتها الثقافية وعلى مختلف الأركان الفنية فيها، وبخاصة المسرحية والموسيقية، ثم تعامل في فترة لاحقة مع الإذاعة والتلفزة وأنتج عددا من المسرحيات للإذاعة التونسية، بالإضافة إلى عدد من البرامج الثقافية وخاصة الموسيقية مثل "برنامجَيْط" و"موسيقى الشعوب" و"في سبيل أغنية مغاربية".

عالج توفيق بوغدير في كتاباته عدة قضايا سياسية واجتماعية وثقافية، من خلال مقالاته المتنوعة شكلا ومضمونا، بفضل ثقافته الواسعة واطلاعه على مختلف مجالات الفكر والثقافة والآداب والفنون الأمر الذي مكنه من أن يكون من أهم النقاد الثقافيين في الصحافة التونسية، حيث لاحظنا من خلال اطلاعنا على عدد هام من الصحف التي تعامل معها بوغدير ــ وخاصة العمل ـــ غزارة إنتاجه الصحفي وحرصه على تنويع اهتماماته، فلم يقتصر بوغدير على مجال واحد، بل كتب في مختلف المجالات السياسية والثقافية والفنية (المسرح والموسيقى والفن التشكيلي)، إلى جانب متابعته الدقيقة والمتواصلة لمختلف الأنشطة الثقافية والتظاهرات الفنية التي كانت تُقام في البلاد. وكان بوغدير يوقع مقالاته إما بكتابة اسمه كاملا، أو مقتصرا على الحرفين الأوّلين (ت.ب)، أو باعتماد توقيع مستعار (بدر غاوي)[4].

بعد الاستقلال، خصّصت جريدة العمل عمودا في صفحتها الثقافية لتوفيق بوغدير، وكان عنوانه "خاطرة"، طرح فيه بوغدير مختلف الظواهر والقضايا الموسيقية التي كانت رائجة في تلك الفترة، وتُمثّل هذه الخواطر اليوم وثائق تاريخية على غاية من الأهمية، ومصدرا هاما يحمل الكثير من الأخبار عن تلك الحقبة الزمنية، ويعكس أحداثها بكل تفاصيلها الدقيقة.

والخاطرة هي جنس أدبي، يُستعمل ــ في كتابته ــــ أسلوبا ذاتيا انطباعيا ولغة بسيطة تغلب عليها المحسنات البديعية، وانتقلت إلى الصحافة المكتوبة لتكون مساحة حرة يُعبّر فيها الكاتب عن مواقفه وآرائه في مواضيع تهمّ الرأي العام في جميع المجالات. وتتكوّن الخاطرة من ثلاثة أجزاء، المقدمة والعرض والخاتمة. وعادة ما ترد المقدمة قصيرة تُعرّف بالفكرة الرئيسية التي يحلّلها الكاتب في العرض ويعبّر عنها بأسلوبه الذاتي، وتكون خاتمة الخاطرة قصيرة تحمل موقف الكاتب من الموضوع المثار في الخاطرة والذي يريد أن يرسخه في ذهن القارئ.

تناول بوغدير في خواطره التي نشرت في جريدة العمل عدة محاور نورد أهمّها في ما يلي:

 

        1-نشر ثقافة التعليم الموسيقي

        مثّل نشر التعليم ومقاومة الأمية أحد أهم شواغل السلطة السياسية في مرحلة الاستقلال وبناء الدولة الوطنية. وقد جنّدت السلطة السياسية كل الوسائل الإعلامية، من إذاعة وصحف مكتوبة، لنشر ثقافة التعليم وإقناع أفراد المجتمع بارتياد المدارس وطلب العلم. كما شجّعت السلطة في فترة الاستقلال على الاهتمام بالتربية الفنية، وقد مثّلت جريدة العمل، باعتبارها الصحيفة الرسمية الناطقة بلسان حال الحزب الدستوري، إحدى أهم الوسائل التي اعتمدتها السلطة في نشر ثقافة التعليم الفني والموسيقي. فقد كانت "العمل" تخصّص مساحات هامة منصفحاتها للكتابة حول التعليم الموسيقي ونشر برامج التعليم في المعاهد الموسيقية الحكومية، كما كانت تنشر مقالات سيرة عن الموسيقيين وعن أساتذة المعهد الوطني للموسيقى لتعرّف بهم[5]، وقد كان بوغدير يتولّى تحرير هذه المقالات، ومتابعة أنشطة مختلف المعاهد الموسيقية التونسية وأهمها المعهد الوطني والمعهد الرشيدي[6]. كما كان توفيق بوغدير في خواطره يدعو إلى نشر ثقافة التعليم الموسيقي لدى الإناث، واعتبر أن تعلّم الفتاة للموسيقى والمواد الفنية هو علامة على تقدّم الأمة وسيرها نحو التحديث المرجو والذي مثّل الهاجس الأوّل لدولة الاستقلال.[7]

        2-الدعوة إلى تقنين القطاع الموسيقي

        لم يكن قطاع المهن الموسيقية، قبل الاستقلال، خاضعا لهيكلة رسمية أو تنظيم معين من شأنه أن يؤطّر الممارسة الموسيقية. لذلك واجه ممتهنو الموسيقى في تلك الفترة مصاعب عديدة أثناء ممارستهم لمهنتهم، حيث خضعت المهن لمنطق الربح والخسارة الذي تضرّر منه عدد كبير من الموسيقيين الذين كانوا ــ كما ذكر توفيق بوغدير ـــ  يُستبدلون بغيرهم الأقلّ منهم أجرا من دون أن يولي صاحب الفرقة مستوى العازف أو المغني أي اهتمام. وهو ما أدّى إلى تراجع مستوى الفرق الموسيقية من حيث الأداء، وتراجع مكانة بعض الموسيقيين المحترفين. كما كان مجال المهن الموسيقية يعاني من "تطفّل"الهواة و"المرتزقة" و"الدخلاء"،كما كان يسمّيهم[8]. وقد شنّ بوغدير من خلال خواطره، حملة على هؤلاء المتطفّلين، ودعا المسؤولين عن القطاع إلى ضرورة سَنّ القوانين المنظمة للمهن الموسيقية، والشروع في العمل ببطاقة الاحتراف الفني التي من شأنها أن "تطهّر الوسط الفني من الدخلاء"[9].

        ورغم أن تونس كانت من أوّل الدول العربية الموقّعة على المعاهدات الدولية الملزمة باحترام حقوق التأليف، إلا أن السلطة لم تفعّل هذه المعاهدات، كما أن جميع القوانين التي سنّها المشرّع في ما يتعلّق بحقوق الملكية الفكرية والفنية لم تُطبق، مما أثّر على مجال ممارسة المهن الموسيقية وعلى الحركة الإنتاجية الموسيقية. وقد عكست خواطر بوغدير في هذا الشأن أن الفوضى التنظيمية التي يعيشها المجال الموسيقي اليوم ليست حديثة، وإنما تعود إلى الفترات الأولى لبناء الدولة الوطنية وهي ناتجة عن عدم حرص سلط الإشراف على تطبيق القوانين المتعلقة بتنظيم المهن الموسيقية. كما تعكس هذه الخواطر درجة وعي كاتبها بضرورة هيكلة قطاع المهن الموسيقية وتنظيمه قانونيا؛ وقد كانت مقالاته تجد صداها في الواقع، وذلك يعود إلى الطبيعة الحزبية لجريدة العمل، حيث تمّ إحداث بطاقة الاحتراف الفني وإصدار دفاتر خاصة بالفرق الموسيقية تنظم عملية التعامل بين مديري وأصحاب الفرق ومنظمي الحفلات العامة والخاصة، إلا أن هذه الدفاتر لم تكن تُعتمد في جميع المعاملات المهنية ومن طرف جميع مديري وأصحاب الفرق، كما أن قوانين الملكية الفكرية والفنية لم تُطبّق فعليّا مما أدى إلى اختلال قطاع المهن الموسيقية وتراجع نسبة الإنتاج.

 

        3-دعوة الفنانين إلى الالتزام بالقضايا الوطنية

        كان الإنتاج الغنائي لفترة الاستقلال يتميّز بغلبة المضامين العاطفية، ورواج الأغاني التجارية. وقد ظهر جدل كبير في الصحف التونسية حول وضعية الأغنية في تونس شكلا ومضمونا. وكان توفيق بوغدير يدعو من خلال خواطره في جريدة العمل إلى تجاوز المواضيع العاطفية والاهتمام بقضايا الوطن، وكان يُذكّر في كل مرة بأهمية دور الموسيقى والأغاني في تخليد تاريخ الشعوب والرقي بمستوياتها الفنية والتعبير عن واقعها[10]. ويعتبر أن الفنان هو الأقدر على تخليد الأحداث الوطنية التي يجب الحفاظ عليها خالدة في الذاكرة الجماعية، خاصة وأن تونس تعرّضت في مرات عديدة خلال الفترة الأولى من الاستقلال إلى العدوان العسكري الفرنسي برّا وجوّا -- أحداث الساقية في 8 فيفري (شباط) 1958، ومعركة رمادة في ماي (أيار)1958، حوادث قابس، معركة بنزرت جويلية (تموز) 1961.

        إلى جانب هذه المحاور مثّلت خواطر بوغدير التي كان ينشرها يوميا في جريدة العمل مادة نقدية هامة، حيث كان يتناول بالنقد والتعليق جلّ التظاهرات الموسيقية التي كانت تقام في تلك الفترة ويشرف على متابعتها. وكان يتعرض في نقده إلى طرق الأداء والحضور الركحي وانسجام العازفين والمطربين والتركيب اللحني للقطع المقدمة. إلا أنه كان يعتمد في نقده هذا أسلوبا ذاتيا وانطباعيا، ورغم أنه كان يلجأ في عديد الخواطر إلى استعمال المعجم الموسيقي المختص، ربما لإضافة صبغة متخصصة على نقده، إلاّ أن الاستعمال المرتجل للمصطلحات الموسيقية التقنية دلّ على عدم تخصّص الكاتب في المجال وعلى عدم تمكنه من المعجم التقني ومن النقد المختص. ولكن رغم هذه النقائص، مثّلت مقالات بوغدير مادة صحفية ثرية عكست الواقع الموسيقي في فترة زمنية معينة كما عكست طريقة تناول الصحف اليومية، وخاصة الحزبية، للظواهر والأحداث الموسيقية.



[1]باحثة في العلوم الموسيقية-تونس.

[2]حمدان، محمد، أعلام الإعلام في تونس1980-1956، تونس، مركز التوثيق القومي، بدون تاريخ. ص.217.

[3]بن بلقاسم، نور الدين، توفيق بوغدير، حياته وأقاصيصه، ج.1، مجلة قصص، ع,81-82، جويلية-ديسمبر1988، تونس، نادي القصة، النادي الثقافي أبو القاسم الشابي، ص. 101.

[4]حمدان، محمد، المرجع السابق، ص.305.

[5]العمل،08/06/1957، "من هو الجزيري؟".

العمل،15ا/11/1957، "من أساتذة الموسيقى في تونس: حسن الغربي".

العمل، 14/12/1957، "فنان صاعد: محمد سعادة".

العمل، 28/11/1957، "من أساتذة الموسيقى الهادي الجويني".

[6]العمل، 06/10/1957 "مشاكل التعليم بتونس: التعليم الموسيقي".

العمل، 06/11/1957:

-        "المعهد الوطني للموسيقى".

-        "نتيجة مناظرة أساتذة الموسيقى".

-        "المعهد الرشيدي يفتح أبوابه".

[7]العمل، 01/06/1957، "المعهد الرشيدي يقدم مطربة جديدة".

العمل، 18/10/1958، "المعهد القومي للموسيقى يجري أول امتحان لديبلوم الموسيقى العربية فيفوز أربعة مترشحين من بينهم سيدة".

العمل، 13/05/1961، "إقبال القتاة التونسية على تعلم الموسيقى ضرورة من ضروريات الحياة العصرية".

 

[8]العمل، 22نوفمبر1959، "يجب تطهير الوسط الفني من جراثيمه".

[9]العمل، 27 جوان 1959، "البطاقة المهنية للفنانين تُطهّر الوسط الفني من الدخلاء".

[10]العمل، 24/11/1957، "دور الموسيقى البوهيمية في حياة الأمم".