خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الغناء و أنواعه عند العرب قبل الإسلام

. مقالات

د. مصطفى بيطام‏

 

نشأة الموسيقى

لم يكن لدى الإنسان الأول، منذ نشأته، القدرة على إدراك ما يحيط به من ظواهر الطبيعة المختلفة، كالحر والبرد، والليل والنهار، والصيف والشتاء، والربيع والخريف، إلا أنه أصبح مع التطور النسبي والتفكير المحدود يسمع أغاريد الطيور، وهمسات الغابات وأنين الزوابع، وحفيف الأشجار وخرير الماء وتلاطم الأمواج فيهتز إما طرباً وإما خوفاً من هذه الأصوات الجبارة الآتية من عالم آخر غير مرئي، فنشأت الموسيقى الساذجة التي تعود نواتها الأولى في تاريخ البشرية إلى التصفيق بالأيدي، وضرب الأرض بالأقدام وحركات الأجسام التعبيرية والصياح والبكاء.

ويبدو أن الطبيعة الزاخرة بالأصوات، الحافلة بالموسيقى والجمال كتغريد الطيور وحفيف الأغصان وخرير الماء وهمسات النسيم وقصف الرعود وهدير الأمواج وأصوات الوحوش وغيرها ، كانت معلم الإنسان الأول واحتكاكه الأول بالموسيقى عن طريق محاكاته لظواهرها المختلفة.

وعلى مر الأيام شرع الإنسان البدائي في تنظيم أصوات أكثر دقة وجودة، ثمَّ ما لبث أن ابتكر لنفسه أغنيات بسيطة وتوقيعات بدائية للتعبير بها في المناسبات المختلفة التي تمر به كمخلوق حي، كالسرور والجوع والحب والحرب والخوف.  ثمَّ استعان بعد ذلك بالآلات الموسيقية التي تنبعث منها أصوات دوي وضجيج إيماناً منه أنها سوف “تقيه من بعض الظواهر التي يخشاها كطرد الأرواح الشريرة، ودفع الأمراض واتقاء الموت، أو استعطاف للعوامل الخيرية، واستعجال ما يرى منها، كنزول الأمطار ووفرة المحصول.

ويظهر أن أقدم آلات موسيقية عرفها الإنسان البدائي كانت أعضاء جسمه، “فقد استخدمها في التصفيق بالأيدي والضرب بالقدم فقد وجد في اليدين والقدمين ما يحدث أصواتاً، فسخرها وهي أصوات متوافقة الحركة، فانتفع منها في ضبط الإيقاع وتقويته بطريقة تلقائية غير واعية ولا مقصودة” وبمحاكاته لأعضاء جسمه توصل إلى صنع الأرجل والأيدي المصفقة، ثمَّ تفنن أكثر فصنع “المصفار” الذي تطور في ما بعد إلى “الناي” و”القصابة” و”المزمار” وما إلى ذلك من آلات النفخ.

ويرى بعض الدارسين، أن الموسيقى لما أطلت على الحياة الدنيا لم تطل عليها وهي قائمة بذاتها مستقلة بنفسها، بل أطلت وهي مزج مركب من غناء ورقص وشعر، وكانت هذه الفنون الجميلة الثلاثة تؤلف كلاً موحداً لم تنفصل عن بعضها بعضاً إلا بعد أن مرت في مراحل تاريخية معينة، استدعاها تطور الإنسان اللامتناهي.

وعن أصالة الموسيقى العربية نجد المستشرق البريطاني “هنري جورج فارمر” يستهل كتابه تاريخ الموسيقى العربية حتَّى القرن الثالث الميلادي بالقول “علينا ألا ننظر بعد الآن إلى جزيرة العرب نظرتنا إلى الفلوات، فهي على الضد من هذا - مركزٌ تجاري للعالم القديم والمسلمون الذين خرجوا منها ليستظهروا على المسيحية وليشيدوا إمبراطورية، ما كانوا إلا خلفاء لأولئك الذين تركوا تأثيراً عميقاً في مصائر الشرق ومستقبله في عصور التاريخ الأولى”، ثمَّ تطرق إلى الحديث عن المدنية العربية فقال “إنها لم تنبعث من تلكم الفترة التي اكتنفتها دجنة وغموض المعروفة بأيام الجاهلية، زمن أن كان السؤدد اليوناني والبيزنطي قد بلغ السماكين، بل ولم تبدأ بظهور الإسلام، فإن تاريخها يرجع إلى حقبة سابقة عليهما معاً”، ثمَّ تطرق بإسهاب إلى نشوء الحضارات السامية، معتمداً في ذلك على التقنيات التي قام بها الباحثون في خرائب المدنيات السامية والتي قال عنها بأنها “أحدثت تغييرات عجيبة في آرائنا ومعلوماتنا عن تاريخ المدنية العالمية.  وتعرض إلى تاريخ الدول العربية القديمة فقال: إن “أقدم مصدر لدينا الآن عن جزيرة العرب يعود تاريخه إلى الألف الثالثة قبل الميلاد، حين صرنا نملك بعض كتابات مسمارية ورد فيها ذكر لبلاد عرفت بوقوعها في جزيرة العرب.

ثمَّ أشار إلى أولية الموسيقى العربية، فذكر أنه لم يصل إلينا شيء ذو بال، على الرغم من أن نقش “آشوربانيبال” الذي يعود تاريخه إلى القرن السابع قبل الميلاد، يثبت أن العرب كانوا يعملون لسادتهم الآشوريين، حيث كانوا يمضون ساعاتهم في الغناء والموسيقى التي كان يطرب لها الآشوريون، فيطلبون المزيد منها.  ثمَّ استطرد يقول “من الصعب جداً أن نفترض وجود مستوى معين واحد للحضارة الموسيقية عند كل من الآشوريين والفينيقيين والعبرانيين والعرب الذين جمعتهم أواصر تجارية وروابط سياسية”.  وتحدث عن الآلات الموسيقية المعروفة لدى الشعوب السامية مثل “طبلوا” و”أبدو” البابليتان-الآشوريتان و”طبلا” و”نف” العبرانيتين، وعرفتا عند العرب بلفظتي “طبل” و”دف.

وخلص إلى القول: لو أخذنا بالاعتبار ما نقله لنا اليونان والرومان عن الممالك العربية-كمعين وسبأ-التي كان مستوى عيشها الرفيع وترفها الباذخ مصدر حسد جيرانها بعد أن فاقت بغناها البلاد الأخرى كافة-عندئذ يحق لنا الإدعاء، بأنهم بلغوا المراتب السامية التي بلغها الساميون من قبلهم في مجال الموسيقى.

وتدل هذه الآراء المبنية على الاكتشافات الأثرية على أن العرب كانوا من بين الأمم التي تذوقت الموسيقى وأحسّت بجمالها، وابتدعت آلاتها، على الرغم من أن ما وصل إلينا من هذه الموسيقى في العصر الجاهلي كان محدود الأفق، ضيق النطاق.

إن الموسيقى عند العرب لم تكن تعني ما عنته لدى الإغريق، حيث تضم هذه الكلمة في تضاعيفها، الشعر والرقص والفلسفة والبلاغة وفقه اللغة والرياضيات وإنما كانت الموسيقى في الشعر الجاهلي لا تعدو الترنّم في الشعر.  أما الآلات الموسيقية فما كان لها أثرها البارز في تاريخ الموسيقى العربية في العصر الجاهلي إذ كان عربي ذلك الزمان يؤثر سماع الغناء الصوتي على العزف الآلي ليتسنى له بذلك تذوق معاني الشعر. أما الآلة الموسيقية فلا مهمة لها إلا مرافقة الغناء الصوتي والتمهيد له.

أما سبب هذا الفرق المتباين بين مقومات الموسيقى عند العرب والإغريق فمردّه إلى الوضع الجغرافي في الجزيرة العربية التي لم تسمح طبيعتها بظهور التراجيدية التي لا تنبت إلا في رقعة تولدت فيها الحضارة وألقت بظلالها على كل ما حولها.

وهكذا فقد عرف العرب الآلات الموسيقية البسيطة وغنوا جميعاً بالعيدان والطنابير والمعازف والمزامير.

وقد ذكر المسعودي أن الخليفة المعتمد الذي كان شغوفاً بالطرب ومحباً لأنواع اللهو، سأل يوماً عن أول من اتخذ العود فقيل له الملك بن متوشلخ بن محويل بن عاد بن خنوع بن قيان بن آدم، وذلك أنه كان له ابن يحبه حباً شديداً، فمات فعلقه بشجره فتقطعت أوصاله، حتَّى بقي منه فخذه والساق والقدم والأصابع، فأخذ خشباً فرققه وألصقه، فجعل صدر العود كالفخذ، وعنقه كالساق، ورأسه كالقدم، والملاوي كالأصابع، والأوتار كالعروق، ثمَّ ضرب به وناح عليه، فنطق العود، وفي ذلك قال المحدودي:

         ونــاطــق بــلــســان لا ضــمــيــر لــــــــــــــــــه *** كـأنـه فـخـذ نـيـطـت إلـى قـــــــــدم

         يبدي ضمير سواه في الحديث كما *** يبدي ضمير سواه منطق القلم

ومن أمثلة الشعر الجاهلي الذي ورد فيه ذكر الآلات الموسيقية قول أعشى ميمون يصف رنين عوده وطرب قينة:

              ومستجيبٍ تخال الصنجَ يسمعه *** إذا تُرَجِّــعُ فيه القينةُ الفضلُ

هكذا يتضح لنا أن الفن الموسيقي عند العرب لم يكن حديث العهد، فهو أصيل أصالة أهله، يضرب بجذوره في أعماق الماضي بشهادة الباحثين والدارسين من العرب وغير العرب

 

نشأة الغناء

يُعَدُّ الغناء بالنسبة للإنسان أداة التعبير عن الانفعالات النفسية في شتى مظاهرها، لأنَّه لون من ألوان التعبير الإنساني الفطري، فهو كالألفاظ والجمل التي تعبر عن الأفكار، ينشأ مثلها نشأة بدائية، ثمَّ يتطور وينضج تبعاً لتطور البيئة الاجتماعية والثقافية المرتبط بهما . والباحث عن نشأة الغناء العربي تعتريه صعوبات كثيرة، نظراً للبعد الزماني الذي يفصله عن الفترة التي ظهر فيها هذا الفن، إلا أن بعض إشارات أمهات كتب الأدب والتاريخ تؤكد أصالة هذا الفن كمروج الذهب للمسعودي والعمدة لابن رشيق، ومقدمة ابن خلدون. فقد نقل المسعودي عن “ابن خرداذبه” أن الحداء في العرب كان قبل الغناء وأنه أول السماع والترجيع فيهم، ثمَّ ما لبث أن اشتق الغناء منه وذكر أن غناء العرب كان النصب، وأنه ينقسم إلى ثلاثة أجناس الركباني، والسناد الثقيل، والهزج الخفيف.

أما ابن رشيق فقد خالف المسعودي في الرأي عندما قال إن النصب كان غناء الركباني والفتيان، ومنه كان أصل الحداء كله.

وقد ذكر ابن خلدون في مقدمته ما يفهم منه أن الحداء والنصب نوع واحد، فقال “وأما العرب فكان لهم أولاً فن الشعر ثمَّ تغنى الحداة منهم في حداء إبلهم، والفتيان في فضاء خلواتهم فرجعوا الأصوات وترنموا، وكانوا يسمون الترنم إذا كان بالشعر غناء.

وقد أشار ابن رشيق إلى أول من رجع الحداء من الرجال فقال “إن أول من أخذ في ترجيعه مضر بن نزار، فإنه سقط عن جَمَل فانكسرت يده، فحملوه، وهو يقول وايداه، وايداه، وكان أحسن خلق الله جرماً وصوتاً، فأصغت الإبل إليه وجَدَّت في السير، فجعلت العرب مثالاً لقوله، هايداً هايداً يحدون به الإبل.

وفي ما يتعلق بأول من غنى في الجاهلية من الرجال، فقد ذكر أبو الفرج الأصبهاني، صاحب كتاب الأغاني، أن أول من غنى باليمن “علس بن زيد” وكان يلقب “بذي جدن” لحسن صوته.

وذكر المسعودي وابن عبد ربه، أن أول من غنى من النساء هما الجرادتان وكانتا قينتين لمعاوية بن بكر على عهد عاد، ومن غنائها:

                    ألا يا قيل وَيْحكَ قم فَهَيْنم *** لعل الله يُصبحنا غماما

وإنما غنتا بهذا حين حبس عنهما المطر.

 

ضروب الغناء في الجاهلية

عرف العرب في العصر الجاهلي ــ إلى جانب غناء النصب والسناد والهزج-أنواعاً أخرى من الغناء وهي الغناء الديني، وغناء الحرب، وغناء الندب والنواح، وغنائم الولائم الخاصة كالعرس والخرص والإعذار، ثمَّ أن في مناسبات هذه الأغاني من الشعائر والمناسك الدينية ما يبين بوضوح وجود صلة وثيقة بينها جميعاً، لأنَّ الغناء فيها ديني، أو مشتق ومتفرع عنه

ويبدو أن هذه الأنواع الغنائية لم تكن في الجاهلية فنّاً يُرتَزَق به لأنَّ الارتزاق في الغناء لم يكن في شيء من نساء العرب، وإنما كان صناعة موقوفة على القيان اللواتي كن يُجلَبن من أطراف بلاد الفرس والروم. أما النساء العربيات فكن يغنين من قبل-الجرادتين-في هذه الأضرب التي يسَّرت لهن السبيل إلى استقلالهن بالغناء المحترف.

 

الغناء الديني

من المعروف أن العرب في الفترة الجاهلية الأخيرة - التي صورها القرآن الكريم أحسن تصوير وجلا الشعر الجاهلي عن بعض جوانبها - كانوا يقدسون الكعبة والأوثان القائمة فيها، وكذلك الأنصاب والصخور والأشجار “حيث كانت آلهتهم -على زعمهم- تقيم، وكانوا يعكفون عليها ويطوفون بها، ويرقصون حولها ويغنون لها، ويهللون ويلبون ثمَّ ينحرون عليها الذبائح، يقدمونها قرابين للآلهة.

وقد أشار القرآن الكريم إلى أن صَلاتهم عند البيت “كانت مُكاءً وتصدية”، وقيل إن ابن عباس ذكر في تفسير ذلك أن قريشاً كانت تطوف بالبيت، وهم عراة يصفرون ويصفقون بينما أشار ربيع بن ضبع الفزاري بأن العرب كانوا يسبحون ويهللون حول “الأقيصر”، وهو صنم في مشارف الشام بقوله:

               فإنني والذي نغم الأنام له *** حول الأقيصر، تسبيح وتهليل

وقد ذكر ابن الكلبي “أن العرب كانوا يسمون طوافهم بالأنصاب، الدوار، وفي ذلك يقول عامر بن طفيل يوم أن جاء إلى قبيلة “غني بن أعصر”، فوجدهم يطوفون بنصب لهم، فرأى في فتياتهم جمالاً، وهن يطفن به:

                      ألا ليت أخوالي غنيا *** عليهم كلّما أمسوا دوار

ووصف امرؤ القيس هذا الطواف ورقص العذارى حول الصنم بقوله:

                   فَعَنَّ لنا سِربٌ كأن نِعاجَه *** عذارى دوار في ملاءٍ مُذيَّلِ

ويبدو أنه كانت عندهم شعائر وطقوس كثيرة في الحج، من بينها هذه التلبية التي تتكون من جمل وجيزة موزونة على أبحر بسيطة قصد بها الغناء، على ما يظهر من ذلك قولهم:

لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك

وفي تلبية “همدان” قولهم أيضاً:

                لبــيك مــع كـل قبيل لــبوك ***  همــدان أبنــاء الملـوك تـدعـــوك

               قد تركوا أصنامهم وانتابوك *** فاسمع دعاء في جميع الأملوك

 

الغناء الحربي

كانت الحرب بالنسبة للعربي ضرورة حتمية وحاجة طبيعية فرضتها عليه سنّة البقاء وإرادة الحياة، فهو يعيش فوق أرض قاحلة، لا تجود عليه بمرافق الحياة.  وتحت تأثير الأوضاع الطبيعية، أصبحت الحرب معزوفة الحياة فتغنى العربي بالشجاعة، وشاد بالإقدام، وتباهى بالجرأة وكل ذلك بواسطة ارتجازه للشعر، وفي هذا الهوس كان الجميع ينشد لحناً مشتركاً، ترافقه في حين زغاريد النساء -اللائي يذهبن مع الرجال، إلى ساحة المعارك لإثارة الحماس والإقدام في قلوبهم- وقرع الطبول والدفوف في حين آخر. وأوضحُ نصٍّ على ذلك ما نقله أبو الفرج الأصبهاني عن ابن الكلبي بما يفيد أنه لما كان يوم التحالق أقبل الفند الزماني إلى بني شيبان، وهو شيخ كبير، قد جاوز مائة سنة، ومعه بنتان له شيطانتان من شياطين الإنس، حتَّى إذا اشتدت المعركة وتردد النصر، تقدمت إحداهما وخلعت ثيابها ورمتها وسط المعركة، وما لبثت أختها أن اقتدت ومشتا بين الصفوف عاريتين وهما تنشدان:

                            وغا وغا وغا وغا *** حر الجياد والبطاحا

                             يا حبذا يا حبذا *** المحلقون بالضحى

ثمَّ تجردت الأخرى وأقبلت تقول:

                                      إن تقبلوا نعانق *** ونفرش النمارق

                                      أو تدبروا نفارق *** فراق غير وامق

وفي الشعر الأخير غناء لهند بنت عتبة أم معاوية بن أبي سفيان، غنته يوم أحد بمشاركة نساء أخذت الدفوف ورحن يضربن بها خلف الرجال، وينحن على قتلى بدر بأصواتهنّ، مستحثات رجالهن، وأقبلت هند تتغنى:

                               ويها بني عبد الدار *** ويها حماة الأدبار

                                               ضرباً بكل بتار

وهذه أيضاً بنت حكيم بن عمرو العبدي تستحث قومها للحرب بقولها:

            فإن لم تنالوا نيلكم بسيوفكم *** فكونوا نساء في الملاء المحلّق

ويرى د ناصر الدين الأسد أن الغناء الحربي ذو صلة وثيقة بالغناء، وأنه ربَّما اشتق منه.

 

غناء الندب والنواح

يكمن شعر الندب والنواح، في العادات والتقاليد الجاهلية، فقد ناحت الحرائر العربيات على قتلاهن، والنواح والندب ضربان من الغناء المحزن فقد ناحت نساء قريش على قتلى بدر، وناحت هند أم معاوية على أبيها وأخيها وفارعة بنت شداد على أخيها مسعود، وأم بسطام بن قيس الشيباني على ولدها بسطام، والخنساء بنت عمرو بن الشريد على أخويها صخر ومعاوية، وغيرهن كثيرات.

وقد ذكر الأزهري بهذا الصدد أن “المرأة في الجاهلية، إذا مات زوجها حلقت رأسها، وخمشت وجهها وحمرت قطنة من دم نفسها ووضعتها على رأسها، وأخرجت طرف قطنتها من خرق قناعها، ليعلم الناس أنها مصابة

وفي وصف حسان بن ثابت تأكيد لهذا الرأي، عندما يصف ما تفعله النوائح بقوله:

                          يا ميّ قومي فاندبي *** بسحيرة شجو النوائح

                         كالحاملات الوقر بال-  ثقل الملحات الدوالح

                          المحولات الخامشا *** ت وجوه حرات صحائ

                          وكأن سيل دموعها *** الأنصاب تخضب بالذبائح

                           ينقضن أشعاراً له- *** ن هناك بادية المسائح

وهذا بيت للمرار يصف فيه أيضاً نواح النساء فيقول:

                   نقعن جيوبهن على حياءٍ *** وأعددت المراثي والعويلا

 

غناء الولائم واللهو

لقد كان غناء الولائم واللهو يتمثل في الأعراس، والولادة، والختان، لأنَّ العرب كانوا يحتفون بهذه المناسبات، فيذبحون الذبائح ويدعون لها الناس، وتغنيهم فيها النساء، وكان لكل مناسبة من هذه المناسبات اسم خاص به، فقد ذكر ابن منظور أن الخرس طعام الولادة، والإعذار طعام الختان والنقيعة طعام الرجل ليلة إملاكه. وقد جمعت هذه الأصناف الثلاثة في بيت من الشعر أنشده ابن بري، قال فيه:

                        كل الطعام تشتهي ربيعة *** الخرس والإعذار والنقيعة

ومما يدل على أن العرب كانوا يغنون في هذه المناسبات ما روي عن الرسول(صلى الله عليه وسلم) قوله لعائشة “أهديتم الفتاة إلى بعلها؟”، قالت نعم، قال وبعثتم معها من يغني؟ قالت لا، قال أو ما علمتم أن الأنصار قوم يعجبهم الغزل؟ ألا بعثتم من يقول:                                 

أتــينــاكــم أتــيــنــاكــــم ***   نحييكم نحييكم

ولولا الحبة السمراء *** لم نحلل بواديكم

وذكر ابن عبد ربه، أن النبي (صلى الله عليه وسلم) مرّ بجارية في ظل فارع وهي تغني:

                                هل عليَّ ويحكم *** إن لهوتُ من حرج

فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) لا حرج إن شاء الله.

يتضح مما سبق أن الغناء في جميع هذه المناسبات لم يكن خالصاً يُطلَب للهو والتسلية والترويح عن النفس، وإنما كان مع الرقص، شعيرة من شعائر هذه المناسبات تصاحب القربان وتلازمه، يوم أن كانت البيئة فطرية غير راقية، والمجتمع غير متطور، وبتقدم الزمان وتطور الحياة، انفصل الغناء عن هذه المناسبات الدينية وأصبح بعد ذلك فناً قائماً بذاته.

وقد وجد الإنسان العربي في هذا الغناء الخالص ما يعبر عن وجدانه وخلجات نفسه، فراح يترنم إذا عمل، ويحدو به إبله إذا ساقها، ويرقّص به ابنه إذا خلا إلى أهله، ويكون منه الرجز والحداء والنصب ، كما وجد فيه متعة روحية أو حسية، حينما يأوي إلى بيته، إذا كان من أثرياء القوم وسادتهم، حيث يستمع لقينته أو قيانه، أو حينما يؤم أحد هذه الحوانيت الكثيرة المنبثة في المدن والقرى، بل في البادية نفسها حيث كانت تعد مجالس الغناء إعداداً، فتقدم الخمر، وتنشر الأزهار والورود وتغرد القيان.

 

المصدر : موقع الحكواتي الالكتروني