خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

أبو حيان التوحيدي والموسيقى والغناء

. مقالات

الدكتور بركات محمد مراد

في كتابه "الإمتاع والمؤانسة" يطول حديث أبي حيان في الموسيقى والغناء، فيروي مشاهداته للمغنين والمغنيات، وهيئاتهم، وحركاتهم في التمهيد للغناء وفي أثنائه، وأثر الغناء على السامعين، مبدعاً في تصويره دقائق ما يرى، كأنه يثبت بالمشاهدة والواقع ما ذكره المفكرون والفلاسفة فيما يروى عنهم وذكرنا جانبًا منه.

فيقول : "وسأل الوزير مرة عن الطرب على الغناء والضرب وأشباههما فكان الجواب: قيل لسقراط في ما ترجمه أبو عثمان الدمشقي : لم طرب الإنسان على الغناء والضرب؟  فقال: لأن نفسه مشغولة بتدبير الزمان من داخل ومن خارج، وبهذا الشغل هي محجوبة عن خاص ما لها من المثالات الشريفة والسعادات الروحانية من بعد ذلك العالم؛ لأن ذلك وطنها بالحق، فأما هذا العالم فإنها غريبة فيه، والإنسان تابع لنفسه، وليست النفس تابعة للإنسان، إن الإنسان بالنفس إنسان وليست النفس نفسًا بالإنسان، فإذا طربت النفس، أعني حنت، ولحظت الروح التي لها تحركت وخفت، فارتاحت واهتزت؛ ولهذا يطرح الإنسان ثوبه عنه، وربما مزقه، كأنه يريد أن ينسل من إهابه الذي لصق به، أو يفلت من حصاره الذي حبس فيه، ويهرول إلى حبيبه الذي تجلى له، وبرز إليه، إلا أن هذا المعنى على هذا التنضيد إنما هو للفلاسفة الذين لهم عناية بالنفس والإنسان وأحوالهما. وأما غيرهم فطربهم شبيه بما يعتري الطير وغيرها".

كأن أبا حيان في تعقيبه على القول المنقول عن سقراط، يرى أن هذا التعليل فلسفي افتراضي عقلي، ويريد أن يقول إن انفعال الإنسان للطرب واهتزازه له إنما هو اتصال تلقائي غريزي لكل صوت جميل ذي إيقاع منتظم لطبيعة الإيقاع المنتظم المركبة في كل المخلوقات.

ويمضي حديث أبي حيان وإجابته عن الطرب والغناء لابن سعد الوزير، فيسأل الوزير عن المغني إذا راسله - أي جاوبه ورد عليه - آخر من بطانته لم يكن ألذ وأطرب؟ فيجيبه أستاذه أبو سليمان على لسانه بإجابات مقنعة،... ويمضي حديث أبي سليمان المنطقي الفلسفي في تبرير طرب السامعين للمغني يجاوبه آخر أو آخرون، أو تشاركه الآلة الموسيقية غالبًا في التواشيح والأناشيد الدينية ويستعاض عنها بالبطانة أو "الكورس".

ويصف لنا بعض مشاهد الغناء وآثاره على السامعين مختلفي الطبائع والمذاهب والثقافات وأحوالهم عندما يطربون ويبلغ بهم الطرب مبلغًا، فيقول في معرض من طرب من مشاهير الأعلام في عصره : "ولا طرب ابن فهم الصوفي على غناء "نهاية" جارية ابن المغني إذا اندفعت بشدوها:

         استودع الله في بغداد لي قمراً                بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه

         ودعــتـه وبـودي لو يـودعـني                  صفـو الحيـاة، وإني لا أودعــه

فإنه إذا سمع هذا منها ضرب بنفسه الأرض، وتمرغ في التراب، وهاج وأزبد وتعفر شعره.. ويمزق المرقعة قطعة قطعة، ويلطم وجهه ألف لطمة في ساعة.

وتفسير هذا قد أشرنا إليه في الحديث عن الصوفية والموسيقى، وكيف أن الموسيقى وخاصة حين تكون مصحوبة بالشعر الجميل الذي يحمل دلالات روحية ومعاني وجدانية، تحدث لهم وجدًا وتواجدًا يغيبون به عن عالم الحس والمحسوس، مع العلم أن الصوفية ينزلون ما يسمعون منازل روحية ووجدانية لا يدركها غيرهم، وهي دائمًا متصلة بمحبوبهم الأزلي ذي البهاء المطلق والجمال الدائم؛ ولذلك قد تجدهم أحيانًا مصعوقين بتجليات ترد على قلوبهم تأخذهم عن أنفسهم، فهم حينئذ حيارى بين الجمال والجلال الإلهيين.  ويضرب التوحيدي مثلاً بتأثير الموسيقى على آخر في صورة "كاريكاترية" مضحكة فيقول: "ولا طرب ابن غيلان البزاز على ترجيعات "بللور" جارية ابن اليزيدي المؤلف بين الأكباد المحترقة والمحسن إلى القلوب المتصدعة، والعيون الباكية إذا غنت:

         أعــط الشـباب نصــيبه              مـا دمــت تـعــذر بالشبـاب

         وانـعـــم بـأيـــام الصــبـا              واخلع عِذارَك في التصابي

فإنه إذا سمع منها هذا انقلبت حماليق عينيه، وسقط مغشيًا عليه، وجيء بالكافور وماء الورد، ومن يقرأ في أذنه آية الكرسي والمعوذتين".. ويقول: "وهناك والله ترى أحداق الحاضرين باهتة، ودموعهم متحدرة، وشهيقهم قد علا رحمة له، ورقة عليه، ومساعدة لحاله !! وهذه صورة إذا استولت على أهل مجلس وجدت لها عليهم عدوى لا تملك، وغاية لا تدرك؛ لأنه قلما يخلو إنسان من صبوة أو حسرة على فائت، أو فكر في تمنٍ أو خوف من قطيعة، أو رجاء لمنتظر، أو حزن على حال، وهذه أحوال معروفة، والناس منها على جديد معهودة".

ويختار التوحيدي من أصوات الغناء التي ينشدها المغنون والمغنيات أشعارًا جميلة المعاني رقيقة الألفاظ، نالت إعجاب السامعين في عصره على اختلاف طبقاتهم، تآلفت مع الألحان وأصوات المغنين، وهو يرى ضرورة التلاؤم بين النص والمغنين واللحن والصوت المؤدى.

ينقل عن أبي سليمان المنطقي قوله: "وأما الصورة اللفظية فهي المسموعة بالآلة التي هي الأذن، وإن كانت عجماء فلها حكم، وإن كانت ناطقة فلها حكم، وعلى الحالين فهي على مراتب ثلاث : إما أن يراد بها تحسين الإفهام، وإما أن يكون المراد بها تحقيق الإفهام، وعلى الجميع فهي موقوفة على خاص مالها في بروزها من نفس القائل ووصولها إلى نفس السامع.  ولهذه الصورة بعد هذا كله مرتبة أخرى إذا مازجها اللحن والإيقاع بصناعة الموسيقى، فإنها حينئذ تعطي أمورًا ظريفة أعني أنها تلذ الإحساس، وتلهب الأنفاس، وتنعم البال، وتذكر بالعالم المشوق إليه، المتلهف عليه".

ويشير في موضع آخر إلى أهمية الموسيقى وشرفها بقوله: "والغناء معروف الشرف عجيب الأثر، عزيز القدر، ظاهر الفضح في معاينة الروح، ومناغاة العقل، وإظهار النجدة، وتنبيه النفس، واجتلاب الطرب، وتفريج الكرب، وإثارة الهزة، وإعادة العزة، واذكار العهد، واكتساب السلوة، وما لا يحصى عدده".

ولا نجد دفاعًا عن الموسيقى والغناء أبلغ من كلماته السابقة، والحق أن كتاباته حول الموضوع تشهد بتقديره للموسيقى والغناء، وفائدتهما للحياة، وأثرهما على الإنسان من تهذيب النفس واستشعار الجمال، وسمو الإحساس والمشاعر.