خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الآلات والعلوم الغربية في الحياة الموسيقية العربية

. مقالات

كيف يكون الاستعمار الموسيقي حضارياً؟! سؤال قد لا نجد الإجابة الشافية عنه، لكن وبمعزل عن هذه الدعابة – السؤال –  لا بد من التأكيد هنا على أن الموسيقى العربية كان عليها - في ظل قوة هذا «الاستعمار» وعمقه في تفاصيل حياتنا الموسيقية المعاصرة بما ترك من آثار سلبية وخطيرة على مفردات الهوية الإبداعية للموسيقى العربية وخصوصيتها -  أن تحتضن وتتقبل عن طواعية مفردات الآخر الموسيقية بكل شجاعة ودون أي عقدة نقص.  ومن حسن الحظ هنا أن قيض لها مجموعة من الإعلام الرواد الذين حصلوا على العلم والمعرفة في معاهد وجامعات الغرب حيث نقلوا معهم هذه الذخائر المعرفية المتقدمة إلى قلب الحياة الموسيقية العربية؛ لتبدأ «ورشة» الإعمار الموسيقية ولتتحقق أولى الثمرات العظيمة في إرهاصات المسرح الغنائي، مع سيد درويش وتلامذته الذين تربوا في كنف مدرسته التعبيرية.


لقد بقي التخت الموسيقي العربي مئات السنين رهن التقاليد الموسيقية القديمة وحبيسها، تتصارع بين جنباته آهات المغني وفتنة الراقصات في استعادة مستمرة لأجواء وسحر «شهرزاد» - الطيبة الذكر- دون أن يتمكن أحد أو حتى أن يفكر في الوقوف في وجه هذا المد بحسيته وفتنته الطاغية.  لكن تشاء الظروف أن تقول كلمتها في بدايات القرن الماضي ومنتصفه، فكانت البدايات مثمرة على أكثر من صعيد في منجز إبداعي أسس لنهضة موسيقية عربية قاد لواءها كما أسلفنا الشيخ سيد درويش الذي قدم عبر عمره الفني الخاطف ارتقاءات سامقة، وتحديداً في مجال إرساء دعائم اللغة التعبيرية في الموسيقى العربية المعاصرة، وهو الذي تأثر بإبداعات الموسيقى الغربية الكلاسيكية وبخاصة فن الأوبرا بكل ثرائه ومناخاته التعبيرية والجمالية؛ ومن هذه المناخات أدخل سيد درويش ولأول مرة آلتي الكمان الجهير «الفيولنسيل» والبيانو، وكان ذلك في محاوراته الغنائية التي ضمنها مسرحياته الخلابة، كمحاورة «البحر بيضحك والله» من مسرحية «قولوا له»، ومحاورة «ادي ست الكل زي الفل» من مسرحية «راحت عليك»، أو غيرها من الأعمال الموسيقية الزاخرة بالصور الموحية والانتقالات الموسيقية المبهرة.  وهنا علينا التذكير بالدور العظيم الذي قام به الفنان القدير »جميل عويس» والفنان المبدع «سامي الشوا» في تطوير التخت الموسيقي الشرقي مع عدم إنكار الدور المؤسس الذي قام به العازف السوري الكبير «أنطوان الشوا» الذي يعتبر أول من أدخل آلة «الكمان» الغربية الموسيقى العربية وكان ذلك في حدود عام 1865م كما تذكر المصادر الموثوقة.  وعودة سريعة إلى مشروع الشيخ سيد درويش، فقد مال بفطرته الموسيقية البريئة إلى تطعيم موسيقاه بالتوافق والتعدد الصوتي فضمنها بعض ألحانه المسرحية وتحديداً في مسرحيته «شهرزاد» في اللحن الشهير: «دقت طبول الحرب»، ومسرحيات أخرى «كالبروكة، والعشرة الطيبة» وغيرها من الأعمال التي نقل عبرها الموسيقى العربية إلى مناخات من الحداثة العقلانية ووضعها في مسار إبداعي تعبيري في وقت كان الطرب هو المسيطر.

 

وهكذا وبنفس الروح المتوثبة عمد الموسيقي المجدد محمد القصبجي إلى إرساء دعائم التخت الموسيقي الشرقي وتطويره عبر أعماله الموسيقية التي سبقت زمانها بلغتها وحداثتها وقيمها المفعمة بجمال موسيقي نادر من التعبير وقيم التصوير الوجداني، وهو الفنان الذي حاز ثقافة موسيقية متقدمة أهلته لأن يكتب أعمالاً بلغة موسيقية تحمل كل البشائر في نقل واقع الموسيقى العربية إلى آفاق ومدارات جديدة غير مسبوقة تميّزت بالمقدرة والحرفية دون النيل من روحية هذا الفن ومزاجه.   ونجد تفاصيل منجزه الإبداعي في أعماله المهمة لأم كلثوم وتحديداً «يا مجد» و«منيت شبابي»، كما في أعماله المشرقة لـ »أسمهان«وتحديداً عمله «الأوبرالي» الخالد «يا طيور» الذي حلّق معه إلى ذرى تعبيرية رفيعة وتحديداً في مجال الآهات الخلاقة التي أدتها أسمهان بسحرها وأنوثتها بإتقان كبير.


وتتابعت الإشراقات الموسيقية مع الموسيقي صاحب الألحان البديعة الخالدة «محمد عبد الوهاب» التي أغناها باستخدام ذكي للآلات الغربية كالفيولنسيل والبيانو وآلات النفخ، ولا ننسى الغيتار والأكورديون والمندولين، كما لا ننسى استلهامه الموفق للعديد من الإيقاعات الراقصة كـ «الرومبا، والبوليرو والسامبا» وغيرها ضمنها أغنياته الجميلة بحق «جفنه علم الغزل» و«آه منك يا جارحني» و«أنا والعذاب وهواك» و«على بالي يا ناسيني» وغيرها.


وجاء استخدامه الموفق لآلة «الفيولنسيل» ذات الصوت الشجي الساحر ليحدث نقلة نوعية في فهم دور هذه الآلة وإمكاناتها بخلق أجواء تعبيرية وتصويرية تغني اللحن كما في قصيدته «في الليل لما خلي» من شعر أمير الشعراء أحمد شوقي؛ وهو ما نجد صداه حاضراً أيضاً في استخدامه لآلة الأكورديون كما في أغنيات «مريت على بيت الحبايب» و«سهرت منه الليالي» وغيرها. وكان من محاولاته الجريئة أيضاً استخدامه النادر لآلة البيانو في قصيدة الأخطل الصغير «الصبا والجمال» التي انساقت كلماتها الرائعة مع نقرات هذه الآلة.

 

لقد مهدت هذه المحاولات الجريئة الطريق نحو المزيد من استخدام الآلات الغربية في الموسيقى العربية وتوالت المحاولات بشكل أكثر تواتراً مع تزايد البعثات العلمية الموسيقية نحو الغرب، وافتتاح المعاهد والأكاديميات العلمية الموسيقية، ودخول تقانات ومفردات غربية قلب الحياة الموسيقية العربية.  وجاءت إبداعات الرحابنة مع شاعرة الصوت فيروز تطرح في الأعمال المسرحية الغنائية مقولات فكرية وجمالية تركت بصمات مضيئة في تاريخ الفن الموسيقي العربي.   ويطول الحديث عن إسهامات كثر من الموسيقيين العرب قاموا بتقديم نتاجهم في جميع البلاد العربية محاولين، وفق وجهة نظرهم، تحرير الموسيقى العربية مما اعتبروه سباتاً وجموداً ورتابة رغم الثراء المدهش لمنظوميتها المقامية والإيقاعية وعلومها الموسيقية الرائدة، واعتمادها على الارتجال أحد أهم عناوينها المضيئة.

 

المصدر : جريدة الوطن  (بتصرف)