خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

إلياس الرحباني تميّز عن أخويه فاحتل مساحة اهتمام في الحركة الموسيقية

. مقالات

محمد حسن حجازي


هو ثالث الرحابنة من الجيل الأول، الأصغر بعد عاصي ومنصور.  أخذ خطاً مختلفاً عن شقيقيه وبنى صرحاً مميزاً من الموسيقى إلى الكلمات، ومن الأغنيات إلى المعزوفات، وصولاً إلى المسرحيات فالإعلانات، حيث استطاع أن يحقق إنجازات جمة قطعها فجأة وتفرغ لبرنامج «سوبر ستار» منذ أعوام عدة على شاشة فضائية "المستقبل.

إلياس الرحباني اسم كبير، ليس لأنه من عائلة اشتهر فيها الكبيران عاصي ومنصور فحسب بل لأنه تميّز في إبداعاته وأوجد لنفسه مكاناً ومكانة عند الجمهور، وكانت له ألحان للسيدة الكبيرة فيروز غلفها بإيقاعه الشاب والمندفع.

صاحب نكتة جاهزة، نادراً ما يمكن ضبطه غاضباً فعنده دائماً إمكانية كافية للابتسام ونقل السعادة والتفاؤل لمن حوله من دون أي ادعاء.

دخل الموسيقى حباً بالنغم فربط بين الشرقي والغربي وعرف متى يدخل خطاً منسجماً بين الناحيتين، وقد ساعده هذا كثيراً حين نفذ إعلانات تجارية تتعدى الآلاف،  وقد باتت الموسيقى هذه رائجة إلى درجة غريبة بين الناس، فكانوا يرددون كلمات الإعلان وكأنه أغنية رائجة جداً.

كلمة الحق في هذا الإطار ان الفنان الرحباني كان مبدعاً في هذه النماذج، وراحت موسيقى الإعلانات تتحول إلى موضة بعدما دخلت البيوت والجلسات من خلال إجادتها الكاملة، مثلما حصل مع إعلانات عدة، اشتهر اللحن أولا ثم السلعة.

لم يكن سهلاً إن يقدم الأستاذ إلياس أعمالا عدة تحمل اسمه في العصر الذهبي من لمعان شقيقيه، ومع ذلك استطاع أن يكون إلياس، الأخ الثالث في الترتيب العائلي، واحداً من بين أوائل الأسماء التي حضرت وأعطت ولمعت وجعلتنا نعيش أوقاتاً طيبة وغنية.

أعلن بعد نيله العديد من الجوائز عن أغنيات له وعن أعمال موسيقية من تأليفه أن همه بكل بساطة الإثبات للعالم أن عندنا أنغاماً لها قيمتها ومؤداها أنها تعيش أكثر من غيرها، لكن أحدا لم يرد أو يبادر. لم يترك الشرقي، لكنه عندما التزم الغربي وضرب على البيانو كان يدرك أن الأعمال الكلاسيكية لها إمكانية حياة أطول.

ردد أكثر من مرة بأنه يفخر بموسيقاه لأنها لو جاءت مقلدة لشقيقيه لما انتبه إليه أحد، وهو على كل حال لم يتعمد شيئاً في هذا الإطار لأنه أدرك دائماً أن الخصوصية هي الطريق إلى النجاح وهذا تمثيل ميداني حتى في مسرحياته التي حاول من خلالها إضفاء مسحة من التلوين والشباب ومحاكاة العصر.
في البداية أخذ عليه البعض أنه ميال كثيراً إلى الغربي، ويحب أن يكون فارساً فيه بعيداً عن الشرقي، لكنه اثبت أنه يقوم بتقديم فن يأخذ بعض مادته من هنا والبعض الآخر من هناك وهكذا يجعل الموسيقى نمطاً كونياً له قيمته ووزنه ورجاله أيضا.

وقد وصلت أصداء حضوره إلى القاهرة، قاهرة السينما وتم الاتصال به لتقديم موسيقى تصويرية لفيلم «دمي دموعي وابتسامتي»، وهكذا عرفنا موسيقى خاصة متميزة عن الشائع وباتت تبث عبر الإذاعات، ونشرها إلياس الرحباني على أسطوانة، وباتت حاضرة في المطاعم والملاهي والسيارات والمنازل.
"لم أسع لإثبات شيء أكثر من أن الموسيقى قادرة على أن تكون جسراً حضارياً يصلنا بالخارج، ويجعل منا شعوباً غير غريبة عن ركب العصر، انا لا أطمح أن أكون مثلهم، أبدا، أنا مع أن ننافسهم أن نقدم موسيقى تحاكي الإنسان وعندها لن يكونوا أمامنا بل خلفنا".

هكذا يلخص الرحباني واقع توجهه، وعندما يسأل عما إذا كان بحاجة لدوره كعضو تحكيم في برنامج تلفزيوني، دافع عن ذلك بالقول:

ـ طبعاً بحاجة. لعدة أسباب أولها أنني حاضر مع جيل اليوم، أعرف ماذا عندهم وأتواصل مع أفكارهم وتطلعاتهم، وبالتالي أعطيهم النصائح المفيدة التي تخدمهم في فترات لاحقة، فالذي تسمعونه على الهواء مختلف عما نقوله لهم في اللقاءات المغلقة معهم، والثاني أن للإطلالات التلفزيونية سحرها الخاص، وهي تؤمن حواراً مع العين والبعيد عن العين بعيد عن القلب، وأنا أريد أن ابقي في القلب.
ولأننا ندرك أن الفنان لا يتوقف عن الإبداع فعمله ليس يدوياً لذا لا يحق له أن يقول: أنا تعبت، تقدمت في السن. أبدا. هو مجبر بحكم التعود أن يظل يدندن، يعزف، يقرأ، يكتب، يفعل أي شيء يبقيه غالباً في حال الإبداع التي عرفناها عنه.  وإذا سئل الفنان لماذا لا ينشر، لا يلحن، لا يكون فاعلاً؟ أجابك بأن الفن مزاج، ولا مجال لأن يكون ميكانيكياً خالصاً ومتوازناً إلا إذا شعر باندفاع وإلحاح إبداعي.  وعلى الفنان أن يظل يعمل ليل نهار حتى ولو مر بفترات من هذا النوع في مرحلة الشباب والرجولة.

السن لا يقف عائقاً فمن يعرف هذا الفنان المتميز يدرك أن له روح شاب في الخامسة والعشرين، وهو يدرك أكثر من غيره أن العمر لم ولن يظهر عليه لأنه دائم الابتسام مستنفر من أجل الود والوئام.

"يصبح الواحد منا نخبوياً، يختار الأفضل، والأضمن والأقل ضوضاء في لعبة الحضور التي كلما طالت فترة اللمعان فيها، كلما شعر الفنان بالحاجة إلى فترة راحة كاملة. أنا أعيش هذه الراحة حالياً، وأنشغل بالاستماع للجديد من الموسيقى طمعاً في جعل مخزوني النغمي متنوعاً جداً ومعاصراً جداً، وماذا يطلع معي بعد ذلك، لا أستطيع الحسم أبداً.

الياس الرحباني اسم له ألقه فهو واحد من الرواد في تاريخ الرحابنة، ولولا تميزه عن أخويه طوال مسيرته لما ذكره تاريخنا الفني أبداً، لقد كان ذكياً، عارفاً بموقفه، واثقاً بالذي يستطيعه، وقادراً في الوقت نفسه على محاكاة الحضور النغمي العالمي أينما كان، وهذه مهمة صعبة لكن ليست صعبة عليه هو.

المصدر جريدة الرأي الكويتية