خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

أصوات أطربت عصرنا : محمد قنديل مطرب حتى الثمالة

. مقالات

خالد ترمانيني

توجد في عالم الطرب والمطربين (ممن يستحقون أن يلقبوا بالمطربين) أنواع كثيرة من طرق تصنيف الأصوات ، فبالإضافة إلى طرق التصنيف العلمية المتعارف عليها كتعريف الأصوات طبقا لطبقاتها (كالسوبرانو و الألتو والتينور و الباص ) أو تصنيفها حسب قياس مساحتها أو حسب استطاعتها أداء المقامات أو العرب الصوتية المعقدة أو الصبة أو حسب نظافة هذه العرب ، فبعض الأصوات تتميز بمساحتها الواسعة وإمكانها غناء درجات صوتية كثيرة كصوت المطرب الكبير “وديع الصافي” و كبعض أصوات بعض قراء القرآن العظام.

وبعض الأصوات تتميز بنظافة العرب وإمكانية غناء ما يعجز عنه الكثيرون من ناحية الأداء كصوت صباح فخري أو سعاد محمد أو أم كلثوم.

ولكن وبالإضافة لما سبق هناك تقسيمات أخرى متعارف عليها بيننا نحن المشتغلين في مجال الموسيقى، وبعضها ليس علميا ولكننا نتشربه بمرور الأيام ونعلمه بعضنا للبعض, وأحيانا عن طريق كثرة السماع.

فهذا صوت دافئ وهذا صوت فيه شجن، وصوت مخملي ( في إشارة للنعومة والملمس الدافئ على الأذن ) وذاك صوت من الرأس.

هذه التقسيمات بالطبع ليست علمية ولكنها تحمل مدلولات عميقة لدينا ونحن نستعملها بطريقة يومية تقريباً في توصيفنا لصوت ما … أو مطرب ما.

و عندما نريد أن نتكلم على محمد قنديل فهناك طريقة تقسيم أخرى بعيدة كل البعد عن كل ما سبق وقلناه وهي تعريف الصوت اعتمادا على مدى فرادته وتميزه بنكهة خاصة لا توجد عند غيره من الأصوات.  وغالبا ما يكون سبب هذا التميز ربانيا لا علاقة للتربية أو التعلم فيه … سببه حنجرة من نوع خاص.
هذه النوعية من الأصوات أو الحناجر تستطيع تمييز صاحبها مباشرة من أول حرف يصدر عنها فهي ذات نكهة خاصة مميزة بل وشديدة الخصوصية ( خصوصية ربانية وليست خصوصية في فنون الأداء ) . وخير مثال على هذه الأصوات هو صوت أسمهان أو صوت مصطفى إسماعيل أو مطربنا الرائع الذي نتكلم عليه في هذا المقال المطرب الجميل …. محمد قنديل.

ولعل الدليل على صحة ما نقوله إنه أحيانا قد يخدعك مطرب ما فتحس أنك تستمع لمطرب آخر … فأحيانا قد تستمع لصوت فاتن حناوي، وللحظة يخّيل إليك أنك تستمع للعظيمة أم كلثوم ( نظرا للتشابه الشديد في طبيعة الصوت ) ولكن بالتأكيد لن يخدعك أي أحد يحاول أن يغني أو يحاكي بصوته أسمهان مهما جهد في إتقان المحاكاة.

محمد قنديل صوت عبقري متفرد شديد الخصوصية ، فمن أول آه أو علامة موسيقية تصدرها حنجرته تعرفه وتتيقن مباشرة أنك تستمع لمحمد قنديل. وكأن صوته هو بصمة تعريفه للناس.
صوت لا يشبهه أي صوت ولا يستطيع تقليده مطرب آخر . وباختصار نقول لا أحد يغني مثل محمد قنديل.

ولعل هذه الخصوصية بالإضافة إلى الملمس المخملي وجمال الصوت والخامة والإحساس الخطير وحب الفن والتفاني والقدرة على أداء المقامات الشرقية بسهولة ويسر والجواب الرائع المريح والقرار الرصين المطرب، بالإضافة إلى العلم الذي امتلكه محمد قنديل، كلها جعلته مطربا نادرا صعب التكرار، ولذلك فلن تستطيع مهما حاولت إلا أن تسلم أذنيك وحواسك وتصيخ السمع لهذا الصوت الخلاب الكامل تقريباً.

ولد قنديل محمد حسن وهو الاسم الحقيقي للمطرب محمد قنديل في شارع سعيد باشا بحي شبرا القاهري في 11-مارس – 1926 لعائلة من عشاق الموسيقى … أبوه كان موسيقيا من هواة العزف على العود والقانون؛ ووالدته التي كانت من السميعة المميزين تعشق الغناء؛ وزوج عمته الموسيقار المطرب عبد اللطيف عمر الذي كان له حلقة فنية أسبوعية يستضيف فيها أشهر أرباب الفن في ذاك الزمان من أمثال الموسيقار محمد عبد الوهاب وغيره من العظماء.

كان محمد ذكيا وموهوبا، وبذكائه الفطري أدرك فورا حجم موهبته وما لديه من مميزات، وبذكائه أيضا أدرك أن هذه الموهبة تحتاج إلى الصقل بالتعلم…فصمم على تعلم الموسيقى منذ طفولته وهذا ما فعله فيما بعد.


ولعل هذا الذكاء هو ما جعله يصر على التميز في اختيار أغانيه وينتهج طرقا وخطوطا جديدة ، بل وجعلته يجرب كل الأنواع الغنائية ويلون مواضيع أغنياته تلوينا شديدا لتظهر تركة هذا الفنان كلوحة موزاييك فائقة الجمال.

وهذا ما جعله يرحل عن دنيانا تاركا إرثا فنيا شديد التنوع والغنى.

وقد طور محمد قنديل طريقة غنائه لتعتمد على بساطة الأداء.


ومن كل المعطيات السابقة الذكر أستطيع أن أعلنها جازما أن محمد قنديل هو صاحب مدرسة غنائية خاصة وأنه أحد أفضل أصوات الرجال في العالم العربي.

بدأ محمد في تعلم أصول الموسيقى في معهد إبراهيم شفيق بعد أن أوصى به محمد عبد الوهاب، وسرعان ما بز زملاءه وتفوق عليهم بقدرته على سرعة التعلم واستيعاب المعلومات نتيجة عشقه المبكر للفن.. وتخرج منه.

نعم كان محمد مثقفاً فنياً وفنانا متعلماً.

وأثناء دراسته في المعهد الموسيقي اختارته أم كلثوم هو ومجموعة طلاب المعهد ليشاركها الغناء في تابلوه القطن الذي غنته في فيلمها “عايدة” . قالت بعدها أن محمد هو أجمل صوت أنجبته مصر.

بدأ محمد قنديل مشواره الفني عام 1942 في غناء الأفراح والحفلات الشعبية، ولمع بسرعة كبيرة فأضحى معروفا ومشهورا في الأوساط الفنية.

سجل محمد أولى أغنياته للإذاعة عام 1946 حيث سجل أغنية “يا ميت لطافة يا تمر حنة ” فاكتشف الناس جمال هذا الصوت وتوالت الأعمال الفنية وكثرت فسجل عام 1948 أغنيتين جميلتين للموسيقي كمال الطويل وهما “بين شطين وميه” و “يا رايحين الغورية” بعدهما كرر كمال الطويل ما قالته سابقا أم كلثوم بأن محمد قنديل هو أجمل صوت أنجبته مصر.

دائما كان محمد سباقا ونشيطا، وهذا ما جعله أول من يدرك قيمة ثورة يوليو وأول من يشعر أنها تحتاج إلى الدعم من الفن والفنانين، فأسرع للغناء لهذه الثورة العظيمة فسجل للإذاعة عام 1952 أغنية “ع الدوار” وبذلك يعد محمد أول من غنى للثورة المصرية إيمانا بها وترحيبا.  كما كان من أوائل من غنى للوحدة المصرية السورية عام 1958 “وحدة ما يغلبها غلاب” ومن أوائل من غنى للثورة الجزائرية “أخوانا في الجزائر محتاجين سلاح.

قدم عشرات البرامج الإذاعية والصور الغنائية التي انتشرت في تلك الأيام.

لاحقه منتجو السينما بعد أن رأوا أن جمال هذا الصوت قد يكون الدجاجة التي قد تبيض ذهبا، وسعوا إلى استغلال هذا الصوت في السينما؛ ولم يرفض محمد واشترك في سبعة أفلام هي:عبيد المال” “عرق جبيني” “عزيزة” “شاطئ الأسرار” “صراع في النيل” “رجل في حياتي” “عندما نحب” وقدم الأخير عام 1967 وبعدها توقف فجأة عن المشاركة في السينما. وقد علل توقفه في ما بعد بأن الغناء هو مهنته وأن التمثيل كان مجرد محطة عابرة في حياته؛ كان دائما يقول : هربت من السينما حتى لا أفقد صفتي كمطرب.

ولعل ظهوره الفني في السينما لا قيمة له إلا من خلال صوته إذ أنه لم يكن ظهوراً مدروسا كممثل ولم يكن ذا بنية درامية مساعدة في تطور أحداث الحدوتة بل اقتصر على إضفاء نكهة غنائية شعبية على الفيلم لذا قاده ذكاءه إلى اعتزال الظهور طوعاً، وكان قراره حكيما وينم عن بعد نظر.

يعتبر محمد قنديل أكثر مطرب غنى أغاني خاصة به في تاريخ الغناء العربي، فعدد أغانيه كما تدعي بعض المصادر العليمة ينوف عن ألفي أغنية ما بين غناء عاطفي و طربي ووطني وصور إذاعية وأغان شعبية وأغان سينمائية.


وهذا الرقم الكبير استوقفني كثيرا وترددت في كتابته وخاصة أن حصيلتي السمعية والمعرفية لأغاني محمد قنديل لا تتجاوز الـ 300 أغنية فقط؛  ولكن العديد ممن عملوا مع محمد قنديل أكدوا الرقم لي. وخاصة أنه كان نشيطا جدا في تسجيل الأغاني للإذاعة المصرية ولجميع صنوف الملحنين.
ولا زلت حتى اليوم أكتشف كل فترة أغنية لمحمد قنديل لم أكن قد سمعتها من قبل.
والغريب في الأمر هو العدد الكبير للأغاني التي اشتهرت ( بغض النظر عن تقييمنا الفني لها).  ومن أجمل أغاني محمد قنديل : سماح – جميل وأسمر – سحب رمشه ورد الباب – أبو سمرة السكرة – ان شا لله ما اعدمك – ما لي بيه – يا رايحين الغورية – أهل إسكندرية – تلات سلامات – يا حلو صبح – بين شطين وميه - زي البحر  غرامك  وغيرها.

لحن لمحمد معظم عمالقة التلحين تقريبا … فالجميع عرف ماذا يعني أن يغني له صوت كصوت محمد قنديل فتسابقوا إلى إعطائه الألحان ولم ينتظروا المقابل المادي، أمثال زكريا أحمد – محمود الشريف – كمال الطويل – محمد الموجي – عبد العظيم عبد الحق – سيد مكاوي – عبد العظيم محمد – أحمد صدقي – بليغ حمدي – عزت الجاهلي – أحمد عبد القادر – حسن جنيد – علي فراج – محمد الشاطبي – محمد صلاح الدين – فؤاد حلمي وغيرهم.

كما لحن لنفسه ولشريفة فاضل التي تبنى صوتها لفترة من الزمن.

كتب لمحمد قنديل معظم شعراء الأغنية المصريين الكبار أمثال فؤاد حداد – أحمد رامي – صلاح جاهين – عبد الرحيم منصور – أمير الشعراء أحمد شوقي – عبد الرحمن الأبنودي – مرسي جميل عزيز -عبد الوهاب محمد – صلاح فايز – عبد الفتاح مصطفى – محمد علي أحمد – بخيت بيومي – وغيرهم.

كان محمد يملك حسا بلديا شعبيا رائعا فكان يختار نصوص أغانيه لتكون قريبة من الشعب الأصيل ابن البلد ( طبعا دون الإغراق في الشعبية ) … ولذلك أضحى محمد رمزا لابن البلد الجميل؛ ولذلك فقد أحب المصريون ابن جلدتهم وبلدهم وبيئتهم محمد قنديل.

كان آخر لقاء له مع الجمهور في الليلة المحمدية عام 1999 وبعدها اقتصر على تسجيلات الأستوديو وفى نفس العام سجل للإذاعة قصيدة “النيل مهرجان” وآخرها كان تسجيل مقدمة ونهاية مسلسل الأصدقاء الذي عرض في رمضان عام 2003.

توفي رحمه الله يوم الثلاثاء في السادس من أيلول من عام 2004 ، وأوصى بالمحافظة على المدونات الموسيقية لأغنياته المكتوبة بخطوط ملحنيها وأوصى بالمحافظة على اسطواناته.