خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الموسيقى ترسم طفولة مختلفة

. مقالات

     دراسات كثيرة أشارت إلى أهمية الموسيقى في تنمية قدرات الأطفال الذهنيّة وزيادة تركيزهم والتقليل من حدة تصرفاتهم، وعلى الرغم من هذا التأثير الهام للموسيقى في حياة أطفالنا وفي حياتنا، إلا أننا لا نوليها الاهتمام اللازم للوصول إلى أفضل إيقاع للطفل وأفضل صوت يمكن أن يصدره أو يستمع له.

    عن الموسيقى وأثرها على أطفالنا تقرير نقرؤه تاليا أعدّته غيداء حمودة:

    في لحظة إنعاش للذاكرة ونحن نتحدث عن الموسيقى، سنجد أنها موجودة منذ الأزل في الكون، وموجودة أيضا كجزء لا يتجزأ من حياتنا اليوميّة التي بات إيقاعها متسارعا ويملؤها الصخب.  ولكل منا صوته وإيقاعه في الحياة اللذان يتحددان عبر تأثيرات صوتيّة وموسيقيّة يتعرض لها الإنسان منذ أن كان جنينا في رحم أمه. 

 

إيقاع ولحن

يلخّص الفيلسوف  نيتشه تأثير الموسيقى على حياتنا وشخصياتنا بقوله:  "لولا الموسيقي لكانت الحياة ضربا من العبث". والموسيقى تحيطنا بدءا من أصواتنا التي نتحدث بها إلى أمور نتعامل معها ونتعرض لها بشكل يوميّ مثل صوت المياه وصوت العصافير وضجيج الأسواق والمدن والأصوات الصادرة من التلفاز والراديو .. إلخ،  وقد تكون الموسيقى من أسهل الأمور التي يمكن أن نتعامل بها مع أطفالنا لكنها من أخطرها أيضا، فالطفل يبدأ حياته بالبكاء ويبدأ بهز رأسه قبل الحديث، ولكن إلى أي مدى نستطيع التحكم في هذا التأثير المستمر واليوميّ ؟   


    ــ د. كفاح فاخوري: تنمّي الموسيقى الديمقراطيّة في شخصيّة الطفل لكونها فنا جماعيّا

في لقاء مع د. كفاح فاخوري أمين عام المجمع العربيّ للموسيقى التابع لجامعة الدول العربيّة ألح على  ضرورة وعي الأهل لدور الموسيقى في حياة الطفل، فهي ليست واجبا ولا تسلية يسمعها أطفالنا من خلال محطات التلفاز ولا دورة لتعليم السياقة يمكن إكمالها في شهر أو شهرين، بل هي أمر مستمر في حياتنا يتطلب دراسة وجهدا ووقتا مستمرين ، وإلا يبقى موضوع الموسيقى وتأثيرها في حياتنا سطحيا بالرغم من أن وجودها لا محالة منه. 

وأكدّ ــ أيضا ــ أنه لدى كل إنسان مكامن موسيقيّة إلا أنها تحتاج إلى من يوقظها  ويخرجها إلى حيز الوجود، وليس بالضرورة أن يمتهن الطفل الموسيقى مستقبلا ولكن إن أراد ذلك فيجب على الأهل تقبل الفكرة بكل صدر رحب.  وشبّه فاخوري تعلم الموسيقى بالقفز على الحواجز، فكلما اجتاز الطفل حاجزا سيواجه حاجزا آخر عليه تخطيه، الأمر الذي ينمّي مهارة تحديد الأهداف  والإصرار على تحقيقها والوصول إلى التفوق. 

وتنمّي الموسيقى مفهوم الديمقراطية وترسّخه في شخصية الطفل لكونها فنا جماعيّا يشترك فيه المؤلف والقائد والعازف والمؤدّي وحتى المتلقي؛ وهو أمر غير متوافر في معظم الفنون الأخرى، ويكون ذلك واضحا في عمل الأوركسترا مع بعضها البعض والغناء في  الجوقات، ويقول فاخوري بهذا الصدد: "لا يوجد مكان في المجتمع فيه ديمقراطيّة أكثر من الموسيقى".

وحول مناهج تعليم الموسيقى، أكدّ فاخوري على أنها موجودة وطورت بشكل يوازن ما بين الموسيقى الشرقيّة والغربيّة في الأردن من قبل مختصين في هذا المجال، إلا أنها غير مفعلة ولا تطبق بالشكل المطلوب.

     ويساعد استماع الأطفال  للغناء والموسيقى الشعبيّة على تحديد هويتهم وترسيخ إيمانهم ببيئتهم وثقافتهم، وهكذا فالطفل - وإن تعرض لثقافات أخرى - لديه مرجعيّة موسيقيّة تمكّنه من الأخذ من الثقافات الأخرى والتأثير فيها إيجابيا.  ويرى فاخوري أن هنالك دورين للموسيقي العربيّ، يكمن الأول في التفوق والتنافس بالتراث الموسيقيّ الغربيّ فيؤدي مثلا مقطوعة لشوبان بمستوى أعلى من البولنديين أنفسهم، كما عليه أن يكون خير سفير لموسيقى بلده التي تتميز بجماليّة خاصة في أحاديّة اللحن وزخرفاته. 

    ــ رسل الناصر: من الضروري جدا أن يحمي الأهل أولادهم مما يبثّ في الفضائيات

    وقالت رسل الناصر المديرة التنفيذيّة لمجموعة رم والتي عملت لمدة 10 سنوات في حقل تدريس الموسيقى لصفوف الروضة: "إن موضوع تربية الأطفال موسيقيا يبدأ من النبرة والطبقة الصوتيّة والإيقاع الذي نتحدث فيه مع الطفل؛ وهذا يؤثر تأثيرا كبيرا في تحديد إيقاع الشخص نفسه في الحياة". وأضافت: "من الضروري جدا أن يقوم الأهل بحماية أولادهم مما يبثّ في الفضائيات من ألحان ضعيفة ومتشابهة وصخب الأصوات وكلمات مبتذلة، وعلى الأم تعريض الطفل منذ بداية فترة الحمل للموسيقى الكلاسيكيّة وأغاني فيروز وموسيقى هادئة لا تتضمن الكثير من الإيقاعات". 

    ولعله من الصعب تصديق ذلك، إلا أنه باستطاعة طفل عمره ثلاث سنوات استيعاب موسيقى الجاز والموسيقى الكلاسيكيّة وحتى الأغاني الفلكلوريّة مثل الدحيّة، وقد نجد ألوانا موسيقية مثل
"الجاز والكلاسيك والأغاني الفلكوريّة" كبيرة نوعا ما، إلا أن الطفل يتصرف بإحساسه الخالص حتى عمر 5 سنوات ولديه من الذكاء ما يمكّنه من السعي وراء هذا الإحساس؛ وهنا تكمن أهمية أن يكون الوالدان مستمتعين بالأنواع والألوان الموسيقية التي يشاركون أطفالهم سماعها وإلا فلن يستمتع بها الطفل وقد يرفضها. 
     ومن المهم إسماع الطفل مختلف أنواع الموسيقى ببساطة وعفوية، فيمكن للأم مثلا أن تضع موسيقى وترقص مع أولادها على إيقاعها، كما يمكن لها أن تردد كلمات الأغنية صعودا وهبوطا فيبدأ الطفل بإدراك أن هنالك جملة لحنيّة. ويعتبر عمر الأربع سنوات عمرا مناسبا للطفل للبدء بالتعلم على آلة موسيقية ما وبخاصة آلات الإيقاع التي تعتبر المفضلة للأطفال. 

    كما يمكن للأم أن تُعَرض الأطفال لمفاهيم موسيقية مثل مفهومي الهدوء والضجيج والفرق بينهما. وثَمَّةَ طريقة أخرى هي أن نريهم ونجرب أمامهم ومعهم الأصوات الممكن أن نصدرها من جسدنا كالفم (أصوات الحيوانات المختلفة، والصفير، والغناء) واليدين (التصفيق والإيقاعات) والقدمين. 
    وعلينا أن نتذكر دائما أن للإنسان أذنين اثنتين وفما واحدا، ومن هنا يجب تدريب الأطفال على الاستماع دائما بدءا من الاستماع لأنفسهم وأصواتهم ومعرفة وملاحظة إن كان صوته منسجما عند الغناء مع البقية بالإضافة إلى الاستماع للأصوات من حوله وإدراكها والاستماع أيضا للآخرين الأمر الذي يعدّ من أهم مهارات التواصل بين البشر. 

    وفي العادة لا يمكن استخدام الأذنين والفم معا، فلا يمكن لشخص أن يتكلم ويسمع في الوقت نفسه، إلا أن ذلك ممكن في الموسيقى إذ بإمكان الطفل عند الغناء تشغيل هاتين الحاستين  معا. 
    وتنصح الناصر الأهالي بمعرفة أي آلة يفضلها أطفالهم. ويمكن لهم أيضا ملاحظة أصابع الأطفال ومعرفة أي آلة قد تتناسب أكثر مع هذا الطفل، بشرط أن يكون لدى الطفل رغبة في الآلة التي قد يظن الأهل أنها الأفضل له.  

    ومن المهم جدا ملاحظة الأصوات التي يتعرض لها الطفل سواء في البيت بدءا من صوت الأم والأب وصوت الإخوة وما يتعرض له من التلفاز أو من خارج البيت، وتعتبر هذه المهمة صعبة نوعا ما بالنسبة للأم التي مفروض عليها أن تتحمل ضوضاء البيت وضبط إيقاعه بشكل يوميّ. 

 

    ــ شيرين أبو خضر: على الأهالي عند تعليم الموسيقى لأطفالهم تطوير الحس بنبض الأغنية وليس الإيقاع

من جهتها أكدّت الموسيقية شيرين أبو خضر، الحاصلة على بكالوريس ثقافة موسيقية من جامعة أوفرلين في أوهايو وماجستير في قيادة الجوقات الغنائية من جامعة  جنوب كاليفورنيا، أنه عندما يتربى الطفل على الموسيقى تصبح جزءا لا يتجزأ من حياته. فالموسيقى جزء من ثقافة الإنسان التي تتشكل معه على مدار السنوات، والثقافة التي تشمل الأدب والموسيقى والفنون تحدد حضارة الشعوب وليس العكس.  وترى أبو خضر أن مهمة الموسيقيين والفنانين تنمية الحضارة ومنابعها من الفنون المختلفة، فموسيقانا عريقة جدا لكن نتيجة ظروف متعددة شهدتها المنطقة اتّجه التفكير نحو الرجعيّة في النظرة للموسيقى والفنون والإنسان بشكل عام.

    وأشارت إلى أن تنمية الموسيقى في الإنسان كجزء أساسي وطبيعي في الحياة هو التوجه في العالم اليوم، بالإضافة إلى اعتبار أن تعلم الموسيقى هو بأهمية تعلّم اللغة والرياضيات مثلا، وهنا يجب العمل على تغيير المفهوم الخاطئ والشائع بأن الموسيقى أمر ثانويّ في الحياة. 

    وعلينا أيضا أن نتفق على: ما هي الموسيقى الجيدة؟ وبناء على ذلك يجب إحاطة الطفل بهذه الموسيقى منذ الصغر، وليس بالضرورة، كما أشارت أبو خضر، تعريض الأطفال إلى الأغاني والموسيقى الخاصة بهم فقط، بل على العكس يجب تعريضهم لكل أنواع الموسيقى الجيدة الشرقيّة منها والغربيّة، فالطفل قادر على تمييز الأصوات والموسيقى الجيدة ومتى اعتاد على سماعها لن يرضى بمستوى آخر منها، وتتساءل هنا عن سبب حصر الأطفال بموسيقى الأطفال فقط، فهل نحن "نقلل من قدرات الطفل على الاستماع ونقلل من إمكانيات وعيه السمعي؟

    ومن أهم الأمور التي على الأهالي أن يولوها اهتماما خاصا عند تعليم الموسيقى لأطفالهم هو تطوير الحس بنبض الأغنية لدى الطفل (وليس الإيقاع) وتطوير صوت غنائيّ للأطفال قبل سن الأربع سنوات. ويمكن ملاحظة إن كان الطفل يمشي مع نبض الموسيقى من خلال تصفيقه ومشيته أثناء سماع أغنية أو موسيقى ما، كما يمكن إرشاد الطفل إلى معرفة النبض من خلال الضرب خفيفا على يديه أو جسمه مع دقات النبض ليدرك أن هنالك نبضا في الأصل. وفي ما يخصّ تطوير الصوت الغنائيّ، فللأسف أن الشائع في المدارس هو التركيز دائما على علو صوت الأطفال عند الغناء وليس نوعيّة الصوت، وهذا أمر يجب تداركه إذ ليس من المهم أن يكون صوت الشخص عاليا في النهاية بقدر كونه صوتا مستساغا سمعيا عند الحديث والغناء.  

    ويجب إيصال مفاهيم موسيقيّة معيّنة للأطفال خلال تعليمهم الموسيقى، مثل مفهوم الصوت الشديد والصوت اللين، السريع والبطيء، بالإضافة إلى أن هناك شكلا للأغنية أي التكرار في اللحن الموجود فيها والعادات اللحنيّة أيضا. 

    ويمكن ــ في عمر الأربع سنوات إلى ست ــ البدء بتعليم آلة ما للطفل، كما يمكن البدء بالحديث عن الإيقاعات معه وعن الجمل الموسيقية الطويلة والقصيرة منها.  ويجب هنا إتاحة الفرصة للأطفال لتجربة الآلات وسماع صوتها ولمسها، كما ننصح الأهالي بأخذ أطفالهم إلى الأمسيات الموسيقيّة التي أصبح عدد كبير منها الآن مجانيا ومتاحا للجميع، ولا يمكن تدريس الموسيقى إذا لم تصبح جزءا أساسيا من الحياة،

     والموسيقى تجربة حسيّة يتعين مساعدة الطفل على خوضها بحواسه المختلفة. 
وليس بالضرورة أن يمتهن الإنسان الفنون، إلا أن وجود الفنون في حياته تجعل منه إنسانا لديه فهم أفضل للحياة والناس، ويصبح بذلك شخصا أفضل يعمل ويتصرف بقلبه وإحساسه مثلما يعمل بعقله ويديه، وبذلك يمكن أن يكون سياسيا "فنانا" وصيدليا "فنانا" ومهندسا "فنانا" وبالمعنى المجرد "إنسانا فنانا". 
    وتخشى أبو خضر من تحديدنا للأطفال في تعاملنا معهم، وتعتبر مهمة الأهل توجيه الأبناء وليس حصرهم، فالعالم مفتوح أمامهم وهم بطبعهم يحبون التجريب ويولدون بقلب وعقل منفتحين، فلماذا نمنعهم من ذلك؟!

المصدر : مجلة أنت