خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

موسيقانا العربية نحو وعي إبداعي جديد

. مقالات

بات بإمكان الموسيقي العربي اليوم أن يساهم - بشكل فاعل ومثمر - في خلق وعي ذوقي وجمالي لمسارات الروح المعاصرة وتجلياتها الحداثية وما بعدها، ومن ثم قراءة اتجاهات ومسارب هذا الفن الذي يحتوي- كما هو معلوم - على مجموعة كبيرة من الأنماط والتقاليد:

-      بعضها مازال يعيش في بيته القديم يحتضن منتوجه -موروثه- الذي أضحى أحد أهم الروافد الإبداعية للثقافة العربية، ويتحصن به في نفس الوقت؛ وهو إرث ناهض لم يستكن أبدا كما يظن البعض لطقسه الجمالي وتفاصيل الكتابة فيه على بدائيتها وبساطتها المدهشة التي أنتجت كل هذا الجمال الموسيقي المشع، المشبع بقيم الروح والمزاج العربيين، الفريد في صنعته ومقولاته ورسالته الإنسانية العالية.

-      وبعضها الآخر هجر هذا البيت طواعية في سبيل أن يقترب أكثر من مفهوم الحرية والتجريب عبر الارتحال نحو الآخر بعيداً عن صرامة القواعد والأصول الراسخة وبغية الخروج نهائياً من كنف ورعاية وسطوة هذا الأب "الموروث" إلى غير رجعة.

وما بين هذين النهجين المتضادين سربت وأقحمت عناصر غريبة الوجه واللسان تسعى في حقيقة الأمر إلى النيل من مقومات الإبداع في هوية هذا الفن، كما تريد النيل من مفهوم التثاقف الحضاري ودوره وروابطه الإنسانية الوثيقة.

 

هذه العناصر والأنماط الغريبة والدخيلة بدأت تظهر وتتمدد بُعيد مرحلة النكسة وما تلاها من انهيارات على المستوى القيمي والجمالي، وذلك ما أفضى إلى تبديد كثير من المفردات الإبداعية التي شكلت  نتاج الذهنية الفكرية القديمة وثمارها. وقد ساعد على ذلك عوامل عديدة من أهمها دخول التقنيات الغربية بدءا من الأسطوانة والسينما والإذاعة والتلفزة وصولاً إلى العلوم والنظريات الموسيقية الغربية والآلات والسلالم والإيقاعات وطرق الأداء وغيرها من عناصر وقيم وافدة بدأت تنشر سحرها وإغواءها على العقل الموسيقي العربي المعاصر، وتجذبه شيئاً فشيئا إلى عوالمها ومناخاتها المغايرة حيث بدأ سحر هذه العوامل وجاذبيتها يتجه نحو مرحلة الذوبان التدريجي وإن كان بشكل عقلاني في البدايات إلى أن وصل إلى مرحلة جديدة ومغايرة تماماً تمثلت بشكل أساس في ترسيخ التقليد وشرعنته والذوبان في مناخات الكتابة المشبعة بقيم الآخر وعلومه.

 

بالطبع، نتحدث هنا عن المناخات الكلاسيكية أو التي تدور في فلكها، وهي مناخات استفاد منها جيل الرواد مع بدايات ومنتصف القرن الماضي، وهو ما حرر هذا الفن من إرثه الطربي التطريبي وفتح المجال واسعا لدخول قيم التعبير الموسيقية والصوتية، وقلب الحياة الموسيقية العربية بفعل التأثير المباشر للتقنيات الوافدة، وكذا زيادة الابتعاث نحو الغرب، وإنشاء العديد من الجامعات والمعاهد الموسيقية العليا، الأمر الذي أحدث تحولات مهمة في خلق وعي موسيقي جديد يؤمن بالانفتاح وروح التثاقف الحضاري، لكن من منطلق التكافؤ والحوار الخلاق الذي لم ينقطع، في امتداد لرسالة الموسيقي العربي القديم الذي آمن بهذه الروح العالية من تخصيب الحوار الموسيقي مع الآخر المختلف. 

 

ومن هنا نرى أن لا خوف من ارتحال الموسيقي العربي نحو فضاءات الكتابة والممارسة الغربية لأنه قد تأسس على منجز اللغة الموسيقية الكلاسيكية كما على المعرفة العالية بأنماط الموسيقات المختلفة وقوالبها العديدة.

 

لكن ما يبعث على الخوف والقلق هو تحول البعض إلى مسارب ومناخات البعد التجاري الرخيص والفقير على المستوى التعبيري والجمالي لأسباب عدة لسنا بصددها هنا، وهو بُعدٌ دالٌّ بدأ يلقي بظلاله على ذائقة الأجيال، ويهدد بتدجينها، والتطويح بها نحو مسارات التغريب بشقها الاستهلاكي العتيد الذي قام على أنقاض الروح الإنسانية العالية التي عاشت في كنف البعد الكلاسيكي ورعايته بمقولاته الخالدة التي وسمت الكثير من نتاجات الموسيقى العربية القديمة بطابعه وإشراق لغته الباذخة على مر العصور.

 

هذه الحقائق الموسيقية البديهية بدأت تتلاشى تدريجيا مع التحولات العميقة التي ألمت بالمجتمعات العربية، وزجت بها نحو مزيد من التبعية واستشراء حمى التقليد الأجوف الفارغ؛ وفي هذا انتقاص من الموسيقي العربي، ومن إرثه الإبداعي المديد والمتنوع، الفريد في عناصره وتقاليده الفنية العالمة، حيث بات العديد من الموسيقيين العرب يعتنقون مذهب النفعية بدل الجمالي الإنساني، حيث تتدثر مناخات الرداءة والعربدة والسطحية المغلفة بثوب حداثي جديد، لكنه حداثي على طريقة العولمة بنسختها المتأمركة، وليس بنسختها الثقافية الحقيقية التي تسعى إلى اكتشاف جوهر الألوان الموسيقية وإشراقاتها في الروح والنفس البشرية وقراءة خلجاتها وتوقها إلى المنابع الأولى في الفن والحياة.

 

إن هذا الواقع المرير الذي تمر به موسيقانا العربية اليوم ينبئ عن قصور حقيقي في توافر الاستراتيجيات وغياب التخطيط المنهجي المبني على قراءة مفهوم الحداثة والتجديد الذي لابد ــ كما يرى العديد من البحاثة العرب ــ أن يكون من الداخل، ومن عناصر الهوية الوطنية بمساعدة القيم الوافدة والاستفادة من مخزونها الإبداعي المشهود على المستوى التعبيري الجمالي، كما على المستوى المعرفي المنهجي الذي استفادت منه موسيقانا العربية المعاصرة بالشكل الأمثل مع تجارب المبدعين الرواد في بدايات ومنتصف القرن الماضي، وهم الذين فهموا وتفهموا التجديد على أنه عامل إغناء خصيب للروح الموسيقية القديمة، وليس عامل إفقار وهدم وذوبان في الآخر.